النخبة الكولونيالية المحلية وتمثّلات الهيمنة في رواية « سباق المسافات الطويلة » لعبد الرحمن منيف، قراءة في ضوء نقد ما بعد الاستعمار

شارك

محمد السميري

تُعد رواية «سباق المسافات الطويلة» لعبد الرحمن منيف من النصوص السردية العربية التي يمكن قراءتها بوصفها خطابًا مضادًا للاستعمار، لا من خلال المواجهة المباشرة، بل عبر تفكيك البنية الثقافية والسياسية التي أتاحـت له الاستمرار بأشكال غير مباشرة. فالرواية لا تنشغل بالاحتلال بوصفه حدثًا عسكريًا عابرًا، وإنما بوصفه منظومة هيمنة معرفية وسياسية، تتسلل إلى الداخل، وتعيد تشكيل النخب المحلية بما يخدم مصالح المركز الاستعماري. ومن هنا تلتقي الرواية، في بنيتها العميقة، مع أطروحات نقد ما بعد الاستعمار، ولا سيما تصورات إدوارد سعيد حول الخطاب الإمبريالي، وغياتري سبيفاك بشأن النخب الوسيطة، وهومي بابا حول التواطؤ والتمثيل.

ينطلق السرد في الرواية من تصور للتاريخ بوصفه «سباقًا طويل النفس»، لا تحسمه القوة المباشرة بقدر ما تحسمه القدرة على الانتظار والتخطيط البعيد المدى. ويظهر الاستعمار البريطاني في النص بوصفه قوة واعية بطبيعة المكان، مدركة أن السيطرة الدائمة لا تتحقق إلا عبر إنتاج سلطة محلية تدين له بالولاء. ويعبّر السرد عن هذا المعنى حين يشير إلى أن الإنجليز «لم يكونوا في عجلة من أمرهم، كانوا يعرفون أن الزمن يعمل لصالحهم دائمًا» ¹، وهي عبارة تختزل منطق الهيمنة الإمبريالية كما حللها إدوارد سعيد، حيث لا يمارس المستعمِر سلطته عبر القهر فقط، بل عبر المعرفة والتنظيم والصبر التاريخي.

وفي مقابل هذا الحضور الاستعماري الهادئ، تكشف الرواية عن تشكّل ما يمكن تسميته بـ«النخبة الكولونيالية المحلية»، وهي نخبة لا تمثل مجتمعها بقدر ما تمثل مصالح القوة الخارجية. فهذه النخبة، كما يصورها منيف، لا تمتلك مشروعًا وطنيًا مستقلًا، بل تنظر إلى الحكم بوصفه غنيمة شخصية. ويصرّح السرد بوضوح أن الوصول إلى السلطة تم «بمباركة الغريب، لا بإرادة الناس» ²، وهو ما يجعل هذه السلطة منذ نشأتها سلطة منقوصة السيادة.

وتلتقي هذه الرؤية مع أطروحة غياتري سبيفاك حول «الوكيل المحلي» الذي يتحدث باسم المستعمَر، لكنه في الحقيقة يعيد إنتاج خطاب المستعمِر داخل الفضاء الوطني. فالنخب السياسية في الرواية لا تُقصى من قبل الاستعمار، بل تُستدعى وتُصنَع، وتُمنح شرعية زائفة مقابل ضمان المصالح الأجنبية. ويُبرز منيف هذا التواطؤ حين يجعل الشخصيات السياسية تتبنى خطاب الحكمة والواقعية، بينما هي في العمق تبرر الارتهان، إذ يرد في النص أن «السياسة ليست شعارات، السياسة هي أن تعرف من أين تأتيك القوة» ³، في إحالة واضحة إلى استبطان منطق الهيمنة.

ولا يقلّ تمثيل السلطة المحلية قسوة عن تمثيل المستعمِر، إذ يحرص منيف على كشف العلاقة العضوية بين التبعية الخارجية والاستبداد الداخلي. فالسلطة التي لا تستمد شرعيتها من المجتمع، لا تملك سوى العنف وسيلةً للحكم. ويعبّر السرد عن ذلك حين يربط بين الخوف ونشأة الحكم، مشيرًا إلى أن «الخوف كان اللغة الأولى التي تعلمتها السلطة، وبقيت تتقنها أكثر من أي لغة أخرى» ⁴. وهنا تتجلى رؤية ما بعد استعمارية ترى أن الاستبداد ليس انحرافًا طارئًا، بل نتيجة بنيوية لتاريخ من الهيمنة.

ومن منظور هومي بابا، يمكن قراءة الرواية بوصفها تفكيكًا لمنطقة «الالتباس» التي تنشأ بين المستعمِر والنخبة التابعة له، حيث لا يعود التمييز بين الداخل والخارج واضحًا. فالشخصيات المحلية في الرواية تمارس السلطة باسم الاستقلال، لكنها تعيد إنتاج خطاب المستعمِر، وتتبنى منطقه في الإقصاء والسيطرة. وبذلك يصبح الاستعمار حاضرًا حتى في غيابه المادي، وهو ما يجعل «سباق المسافات الطويلة» رواية عما بعد الاستعمار بقدر ما هي رواية عن الاستعمار نفسه.

ولا تسعى الرواية إلى تقديم بديل ثوري مباشر، بل تكتفي بكشف البنية العميقة للاختلال التاريخي، في انسجام مع رؤية منيف التي ترى أن أولى خطوات المقاومة هي الفهم. ومن هنا تكتسب الرواية بعدها المعرفي، إذ لا تكتفي بفضح الماضي، بل تفسر الحاضر، وتبيّن أن إخفاق الدولة الوطنية العربية مرتبط منذ بداياته بتحالف النخبة المحلية مع القوة الاستعمارية، وهو تحالف جعل الاستقلال شكليًا، والسيادة منقوصة.

خاتمة

تؤكد هذه القراءة أن «سباق المسافات الطويلة» تمثل نصًا روائيًا ما بعد استعماري بامتياز، إذ تكشف عن آليات الهيمنة غير المباشرة، وتفكك دور النخبة الكولونيالية المحلية في إعادة إنتاج التبعية. وقد استطاع عبد الرحمن منيف أن يوظف السرد الروائي بوصفه أداة نقد تاريخي، تتقاطع مع أهم أطروحات نقد ما بعد الاستعمار، دون الوقوع في المباشرة الأيديولوجية. وبذلك تظل الرواية نصًا مفتوحًا على الراهن العربي، وقادرًا على تفسير كثير من اختلالات الحاضر عبر مساءلة جذورها التاريخية.

______________

الهوامش

  1. عبد الرحمن منيف، سباق المسافات الطويلة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 2004، ص 47.
  2. المصدر نفسه، ص 112.
  3. المصدر نفسه، ص 158.
  4. المصدر نفسه، ص 201.

______________

المراجع

  • عبد الرحمن منيف. سباق المسافات الطويلة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004.
  • ادوارد سعيد. الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية.
  • غياتري سبيفاك. «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟» ضمن دراسات ما بعد الاستعمار.
  • هومي بابا. موقع الثقافة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المركز الثقافي العربي.

•      فيصل دراج. الواقع والتاريخ في الرواية العربية. المركز الثقافي العربي

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *