الماسونية بين التنوير والدولة الحديثة وخطاب المؤامرة مقاربة تاريخية سوسيولوجية نقدية
محمد السميري
______________
ملخص
يتناول هذا البحث ظاهرة الماسونية بوصفها تنظيمًا نخبوياً ارتبط تاريخيًا بصعود الحداثة الغربية والدولة العلمانية، بعيدًا عن القراءات التآمرية أو التبريرية. ينطلق البحث من تتبع الجذور التاريخية للماسونية في أوروبا، مستندًا إلى الدراسات التاريخية المعاصرة خاصة أعمال المؤرخة الأمريكية Margaret C. Jacob والمؤرخ الفرنسي Roger Dachez، ثم يحلل تقاطعها مع فكر الأنوار والثورة الفرنسية، وعلاقتها باليسار الجمهوري الإصلاحي، وموقف الماركسيين منها، خاصة Leon Trotsky. كما يدرس تحوّل دورها بعد استتباب الدولة العلمانية في الغرب، قبل أن ينتقل إلى تحليل شيطنتها في العالم العربي من زاوية ثقافية وأنثروبولوجية وسياسية، مستفيدًا من تحليل الفيلسوف الألماني Ernst Cassirer لمفهوم أسطرة الدولة.
______________
مقدمة
تحتل الماسونية موقعًا إشكاليًا في المخيال السياسي العربي، حيث تُقدَّم غالبًا كقوة خفية تدير العالم من وراء الستار، وتُحمَّل مسؤولية الإخفاقات التاريخية والسياسية، وتُصوَّر كعدو مباشر للدين، خصوصًا الإسلام. غير أن هذه الصورة تتناقض مع ما يكشفه البحث التاريخي والسوسيولوجي حول نشأة الماسونية ووظائفها الفعلية في المجتمعات الغربية. فبدل مقاربتها كتنظيم فوق تاريخي، يقتضي التحليل العلمي إدراجها ضمن مسار تشكّل الدولة الحديثة والعقلانية السياسية في أوروبا، كما يؤكد ذلك المفكر المغربي عبد الله العروي في تحليله لمفهوم الدولة.
______________
أولًا: الجذور التاريخية للماسونية وسياق نشأتها
تعود الماسونية الحديثة إلى إنجلترا في القرن السابع عشر، حيث تحوّلت نقابات البنّائين من تنظيمات حرفية مهنية إلى محافل رمزية ذات بعد أخلاقي وفكري. ومع تأسيس المحفل الكبير في لندن سنة 1717، انتقلت الماسونية من إطار مهني إلى فضاء نخبوي يجمع فلاسفة وقانونيين ورجال سياسة، في سياق تاريخي اتسم بتراجع السلطة المطلقة وصعود الفرد والعقل، وهو ما توضحه دراسات مارغريت سي. جاكوب حول الماسونية والأنوار في أوروبا.
هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق العام للحداثة الأوروبية، حيث كان الصراع قائمًا بين سلطة الكنيسة والملكية من جهة، وقوى اجتماعية جديدة تطالب بحرية الفكر وتنظيم الدولة على أسس عقلانية من جهة أخرى، كما يبيّن روجيه داشيز في تأريخه للماسونية الفرنسية.
______________
ثانيًا: الماسونية وفكر الأنوار
في فرنسا، تلاقت الماسونية مع فكر الأنوار، لا بوصفها منتجًا فلسفيًا، بل كإطار اجتماعي وثقافي سمح بتداول هذا الفكر. يُعد Voltaire مثالًا دالًا، إذ انخرط في أحد المحافل قبيل وفاته، ورأى فيها امتدادًا لروح التسامح والعقل النقدي. كما أن أفكار Montesquieu حول فصل السلطات انسجمت مع الثقافة الماسونية دون أن يعني ذلك خضوعها لتنظيم مركزي.
لم تكن الماسونية محرّكًا مباشرًا للثورة الفرنسية، لكنها ساهمت في تشكيل المناخ الفكري الذي جعل شعارات الحرية والمساواة والمواطنة ممكنة التداول، وهو ما تؤكده الدراسات التاريخية الحديثة.
______________
ثالثًا: المبادئ الماسونية وبناء الدولة العلمانية
تقوم الماسونية، خصوصًا في صيغتها الفرنسية، على مبادئ العقلانية وحرية الضمير وفصل الدين عن الدولة. هذه المبادئ جعلتها في صدام تاريخي مع الكنيسة الكاثوليكية، لكنها في الوقت نفسه جعلتها حليفًا موضوعيًا للقوى الجمهورية التي سعت إلى بناء دولة حديثة تقوم على القانون الوضعي والتعليم العمومي، كما يحلل ذلك عبد الله العروي في سياق تشكل الدولة الحديثة.
______________
رابعًا: الماسونية واليسار الغربي الإصلاحي
دعمت الماسونية اليسار الغربي، لا من موقع الانتماء الطبقي، بل من موقع التقاطع القيمي. ويتجلى هذا التقاطع في فرنسا خلال عهد François Mitterrand، حيث انسجم المشروع الاشتراكي الجمهوري مع الثقافة الماسونية السائدة في قطاعات التعليم والثقافة.
______________
خامسًا: النقد الماركسي للماسونية – تروتسكي نموذجًا
نظر الماركسيون إلى الماسونية بعين الشك، معتبرين إياها تنظيمًا برجوازيًا يساهم في احتواء النخب داخل النظام الرأسمالي. عبّر ليون تروتسكي عن هذا الموقف حين اعتبر أن الماسونية تفرغ الصراع الطبقي من مضمونه عبر التركيز على الأخلاق والتوافق بدل الثورة.
______________
سادسًا: تحوّل دور الماسونية بعد استقرار الدولة العلمانية
مع استتباب الدولة العلمانية في الغرب، تراجع الدور السياسي المركزي للماسونية. لم تعد في موقع المواجهة مع الكنيسة، بل تحولت إلى شبكة رمزية وثقافية تدافع عن قيم عامة مثل حقوق الإنسان والتعددية، كما تشير إليه الأدبيات التاريخية المعاصرة.
______________
سابعًا: الماسونية في العالم العربي – مقاربة أنثروبولوجية
في السياق العربي، جرى إسقاط صورة الماسونية الأوروبية على واقع مختلف جذريًا. في مجتمعات تعاني من هشاشة الدولة، يُنتج الخيال الجمعي فاعلًا خفيًا يُحمَّل مسؤولية الإخفاقات. هنا تتحول الماسونية إلى أسطورة سياسية، وفق ما يشرحه إرنست كاسيرر في تحليله لأسطرة الدولة. كما ساهمت قراءات عبد الوهاب المسيري في ربطها بمفهوم العلمانية الشاملة، بينما دعا محمد أركون وجورج قرم إلى مقاربة نقدية لمسألة الدين والسياسة بعيدًا عن منطق الشيطنة.
______________
خاتمة
يخلص هذا البحث إلى أن الماسونية ليست قوة سرية تحكم العالم، ولا مشروعًا معاديًا للأديان في جوهره، بل ظاهرة تاريخية ارتبطت بصعود الحداثة الأوروبية وتشكّل الدولة العلمانية. وكما تُظهر الدراسات التاريخية الحديثة، خاصة أعمال مارغريت سي. جاكوب وروجيه داشيز، فإن الماسونية كانت جزءًا من فضاء تداولي نخبوي ساهم في انتقال المجتمعات الأوروبية من منطق الامتيازات إلى منطق المواطنة، دون أن تكون مركزًا خفيًا لصناعة القرار العالمي.
كما أن النقد الماركسي، الذي عبّر عنه ليون تروتسكي، يكشف حدودها بوصفها أداة إصلاحية ضمن النظام الليبرالي، لا قوة ثورية تقلب بنيته. وفي المقابل، فإن تحليل إرنست كاسيرر لآليات أسطرة السياسة يساعد على فهم كيف تحولت الماسونية في المخيال العربي إلى كيان ميتافيزيقي يُحمَّل مسؤولية الإخفاقات البنيوية.
إن شيطنة الماسونية في السياق العربي تكشف، في العمق، أزمة في فهم الدولة والحداثة أكثر مما تكشف عن حقيقة نفوذ تنظيمي فعلي. وهنا يظل تحليل عبد الله العروي لمفهوم الدولة الحديثة إطارًا مرجعيًا لفهم هذا الالتباس: فحين لا تستقر الدولة بوصفها مؤسسة عقلانية قانونية، يُعاد إنتاج السياسة في صورة مؤامرة.
وبذلك، فإن تجاوز خطاب المؤامرة لا يمرّ عبر الدفاع عن الماسونية أو تبرئتها، بل عبر إعادة الاعتبار للتحليل التاريخي والسوسيولوجي النقدي، الذي يضع الظواهر في سياقها، ويحرر الفكر من النزعة الأسطورية.
المراجع
- 1. عبد الله العروي، مفهوم الدولة، الدار البيضاء – بيروت : المركز الثقافي العربي، 1981.
- 2. محمد أركون، نقد العقل الإسلامي، بيروت : دار الساقي، 1990.
- 3. جورج قرم، المسألة الدينية في القرن الحادي والعشرين، بيروت : دار الفارابي، 2006.
- 4. فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1988.
- 5. عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، القاهرة : دار الشروق، 2002.
- 6. مارغريت سي. جاكوب، عيش عصر الأنوار: الماسونية والسياسة في أوروبا القرن الثامن عشر (Living the Enlightenment: Freemasonry and Politics in Eighteenth-Century Europe)، نيويورك: Oxford University Press، 1991.
- 7. روجيه داشيز، تاريخ الماسونية الفرنسية (Histoire de la franc-maçonnerie française) ، باريس : Presses Universitaires de France، 2003.
- 8. ليون تروتسكي، “حول الماسونية” (Sur la franc-maçonnerie) ، ضمن Écrits politiques، باريس : Éditions du Seuil، 1970.
- 9. إرنست كاسيرر، أسطورة الدولة، ترجمة أحمد حسان، القاهرة : المركز القومي للترجمة، 2012.
