من مدرسة سيدي ناصر بالبروج الى كيبيك بكندا.. نبض من ذكريات الطفولة..

شارك

عبد الله شفعاوي:

 فكرة راودتني دائما لتدوين بعض أيام طفولتي التي خلت ومضت كوميض البرق. واليوم، فجأة نفض النسيان غباره وعاد بي إلى أيام منحوتة في ذاكرتي كالنحت على الحجر..

 عندما قررت عائلتي بالتوجه بنا من جماعة أولاد بوعلي النواجة (التي لم تكن بها مدرسة في ذلك الوقت) إلى مدينة البروج التي كانت آنذاك قرية صغيرة رغم تاريخها الطويل، و التي تبعد علينا بما يقرب عن 18 كلم حيت اشتروا إلينا كوخا (نوالة) من القصب و القش و بجانبها كوخا صغيرا كنا نستعمله كمطبخ (كشينة)  و كان  ذلك بحي الملالية لنستقر به نحن الخمسة أبناء العمومة..

كما صاحبتنا عمتنا لكي تهيئ لنا الأكل والشراب والقيام بمتطلبات العيش..

كم جميلة هي ذكريات الطفولة بإيجابياتها وسلبياتها. سأعود إلى خزان الذكريات قبل أن يجف قلمي ويصعب على التعبير، وأتذكر منها أننا كنا الخمسة نأكل وننام في نفس الكوخ الذي كان مأوانا. كوخ جد صغير حيت كنا نفترش الحصيرة ونضع تحتها التبن ليقينا من رطوبة الأرض وبرودتها، وكنا ننام متصافين بنظام وانتظام كسمك السردين الذي يباع في العلب..

كانت توجد وراء هذا الكوخ مقبرة سيدي عبد الله المكناسي وضريحه الذي كنا نجني من أشجار النبق التي كانت محاذية له، وبعيدا عنه كنا نتسلل، بالليل إلى البساتين لسرقة المشمش والتين؛ وأذكر من هذه البساتين بستان العلكة رحمة الله عليه وغفر الله لنا لما كنا نقترفه من هذا الفعل..

 ومن وراء ضريح سيدي عبد الله المكناسي كان يفرق بيننا وبين ثكنة القوات المساعدة وادي صغير جاف، هذه الثكنة التاريخية التي طمس معالمها رئيس البلدية السابق حيت هدم معمارها الأصيل وحولها إلى مكاتب من الإسمنت وذلك  » لحاجة في نفس يعقوب  » وهذا ما فعله لعدة معالم تاريخية أخرى سأرجع إليها في تدوينة أخرى..

ويوم الأحد، يوم السوق الأسبوعي، كنا نذهب عند البائعين لنساعدهم مقابل بعض الريالات لأن أحوالنا كانت ضعيفة، وبالخصوص أنا اليتيم الأب المقاوم شهيد الوطن الذي سجنته وعذبته يد الاستعمار الغاشم بمساعدة بعض خونة الوطن..

كنا نتردد على المدرسة المركزية لسيدي ناصر لجلب المعرفة والعلم حيت تتلمذنا على يد معلمين أكفاء ومخلصين لعملهم النبيل، أتذكر منهم أساتذة اللغة العربية كالسيوطي والجيلالي أبو القبيلة والجيلالي أبو فارس وصالح العرباوي والغزالي وأساتذة اللغة الفرنسية كمحمد بغلي والهدنة وصالح رزقي والخطابي وناصر الشهبي وعبد الله اسماعيلي الفيلالي ومدير المدرسة عبد الله مرشيش. رحم الله من قضى نحبه، وأطال الله عمرن لازال على قيد الحياة…

أنا لا أختلف عن أي شخص في هذه الدنيا إلا أنني أبقيت الطفل الذي في داخلي على قيد الحياة، أحكي ما أتذكره بفخر واعتزاز وبدون نقص..

كانت أيام طفولتي حزن وفرح ومرح، حزن من فقدان أبي في سن سنتين ونصف (2 و ½) و كذلك فقدان أبي الروحي عم أبي، الذي رباني منذ نعومة أظافري الذي عشت معه كأمير، إلا انه التحق بالرفيق الأعلى و عمري لا يتراوح 8 سنوات..

فجأة يستيقظ في ذاكرتي أول يوم التحقت فيه إلى المدرسة بمعية عمة أبي رحمها الله ودخلت معي عند مدير المدرسة لا أتذكر اسمه، والذي سجلني في قائمة التلاميذ وصاحبني إلى القسم الابتدائي، وكان ذلك في شهر يناير 1957 بعد عطلة فصل الشتاء، كنت خائفا إلى درجة الرعب وفي نفس الوقت كنت جد سعيدا لألتحق بالمدرسة لمتابعة الدروس.

نعم، في المدرسة المركزية لسيدي ناصر تعلمت الكثير، ففيها تعلمت أبجديات القراءة والكتابة والتربية الأخلاقية والوطنية والدينية والإنسانية، كما أنني كنت دائما متفوقا في دراستي..

كانت أيام طفولتي كيف ما كان الحال ناعمة، ترعرعت في أحضان عائلة تحترم القيم والوفاء، ووسطها تعلمت النضال وحب الوطن حيت أغلبية أعضاءها شاركوا في المقاومة، فمنهم من عذب حتى الموت كالمغفور له أبي بوعزة بن عبد السلام بن بوعزة بن علال، ومنهم من سجن لسنين، فرحم الله من قضى نحبه وأطال الله عمر من لا زال على قيد الحياة…

نعم، لا زلت أتذكر المنطقة التي ترعرعت فيها، فبني مسكين تجري في وجداني، فالحمد لله أنني أتجاهل ما هو سلبي منها ولا أحتفظ إلا بما ينعش روحي ومخيلتي..

انتقلت الى عدة مدارس ومدن، أذكر منها ثانوية ابن عباد بسطات، وبعدها ثانوية عبد الكريم الخطابي بوادي زم، ثم ثانوية المولى إسماعيل بقصبة تادلة، حيت بعدها توجهت إلى ثانوية الخوارزمي وثانوية جابر بن حيان بالدار البيضاء التي حصلت بها على ديبلوم في التقنيات الكهربائية وأكملت بها سنة إعادة التحويل التي أضيفت للشعب التقنية للتمكن من متابعة الدراسات العليا…

وبعدها، في سنة 1973 التحقت بأول وظيفتي بالإذاعة والتلفزة المغربية كمساعد تقني، وبعد أن نلت الباكلوريا شعبة تقنية كمرشح حر سنة 1977 التحقت بالمعهد الوطني للمواصلات السلكية واللاسلكية بعد اجتيازي لمباراة الولوج الى هذا المعهد، حيت نلت به شهادة مهندس في اختصاص السمعي البصري. وسنة 1987، رحلت إلى كندا لمتابعة الدراسات العليا بكلية لافال بمدينة كيبيك والتي حزت على إثرها دكتورة في الإشارات الرقمية..

ليس هذا كل ما عشته بل مقتطفات من مصير حافل بتلقي العلم، أصله و ركيزته و اساسه الأول ما قضيته في مدرسة سيدي ناصر بالبروج الني لا زلت أحتفظ بذكرياتها الجميلة..

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *