قراءة نقدية للظهير الشريف رقم 1-58-295 الصادر في 30 أبريل 1959، بعد تحديد عناصره الأساسية.
بقلم، محمد خوخشاني.
تمهيد:
يُعدّ الظهير الشريف رقم 1-58-295 الصادر في 30 أبريل 1959 والمتعلق بـ « الوقاية من الأمراض العقلية ومعالجتها وحماية المرضى المصابين بها » أول نص قانوني شامل في المغرب ينظّم مجال الصحة النفسية. صدر هذا النص بعد استقلال المملكة بثلاث سنوات فقط، في مرحلة كانت فيها الدولة بصدد بناء مؤسساتها وتشريعاتها الحديثة. ورغم كونه خطوة تأسيسية مهمة، فإن القراءة المتأنية له تكشف عن محدوديات جوهرية، جعلت منه نصًا غير قادر على مواكبة تطورات الطب النفسي ومبادئ حقوق الإنسان، مما استدعى جهودًا متكررة لاستبداله.
- I. العناصر الأساسية للظهير.
يمكن إجمال العناصر الأساسية التي قام عليها هذا الظهير في النقاط التالية:
- هيكلة مؤسساتية للرعاية: أنشأ القانون نظامًا هرميًا للإدارة والرعاية، حيث أوكل مهمة التنسيق إلى « المصلحة المركزية للصحة العقلية » التابعة لوزارة الصحة العمومية، على أن يديرها طبيب متخصص في الطب النفسي. كما ألزم كل إقليم بامتلاك خدمة استشفائية عمومية لعلاج المرضى العقليين، مع إمكانية ربط الأقاليم الصغيرة بالأخرى المجاورة لها.
- تنظيم الإيداع والعلاج: وضع القانون قواعد للإيداع في المؤسسات، ميز فيها بين حالات الملاحظة المؤقتة (لمدة أقصاها 15 يومًا) والإيداع القسري الذي يخضع لضوابط معينة. كما نظم شروط الترخيص للمؤسسات الخاصة ومراقبتها، وألزم الأطباء الممارسين بتوفر مؤهلات معينة.
- تحديد مسؤولية السلطة المحلية: اعتبرت الفصول 10 و 17 من الظهير السلطة المحلية مسؤولة عن إيداع المختلين عقليًا وحمايتهم، وهو ما أكدته أحكام قضائية لاحقة.
- تكريس مبدأ العلاج بدلاً من العقاب: في سياق زمني كانت ترتفع فيه أصوات تطالب بإصلاح نظم رعاية المرضى النفسيين، جاء هذا الظهير ليعكس مقاربة إنسانية، حيث فضل معالجة المرضى على معاقبتهم، وهو مبدأ تقدمي بالنسبة لعام 1959.
- II. قراءة نقدية للظهير.
على الرغم من كونه نصًا تأسيسيًا، فإن القراءة النقدية للظهير تكشف عن عدة إشكاليات جوهرية تجعله غير ملائم للواقع الحالي:
- التقادم الزمني: منذ صدوره قبل 67 عامًا، لم يخضع الظهير لأي تعديل أو مراجعة. وقد أدى هذا الجمود التشريعي إلى عدم مواكبة التطورات الطبية والنفسية، والتغيرات الاجتماعية، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. وصرّحت الحكومة المغربية بأن « أحكام هذا الظهير لم تعد متناسبة » مع العصر.
- ضعف آليات حماية الحقوق: يركز النص على الجوانب الإدارية والعلاجية، لكنه يفتقر إلى آليات قوية لحماية حقوق المرضى. يتغاضى القانون عن ضمانات أساسية مثل الموافقة المستنيرة على العلاج، واحترام الخصوصية، وتوفير آليات تظلم فعالة. وقد وثّق المجلس الوطني لحقوق الإنسان حالات تقييد غير مسجلة وعدم مراعاة للخصوصية في المؤسسات الاستشفائية، وهي ممارسات يفسح القانون القديم المجال لها.
- قصور في التغطية والموارد: على الورق، ينص الظهير على وجود خدمات صحية في كل إقليم. لكن على أرض الواقع، يعاني القطاع من نقص حاد في المؤسسات الصحية المتخصصة، والأطر الطبية والتمريضية، مما يؤدي إلى معاناة يومية للمرضى وذويهم. هذا العجز الهيكلي يجعل من المستحيل تطبيق العديد من أحكام الظهير بشكل فعلي.
- غياب الرؤية المجتمعية: يركّز الظهير على الجانب العلاجي والوقائي بشكل أساسي، لكنه يهمل بشكل كبير أبعاد إعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي والمهني للمتعافين. هذه الفجوة تكرّس الوصم الاجتماعي وتمنع المرضى من العودة إلى حياة طبيعية.
- تعدد المتدخلين وغياب التنسيق: تتقاطع مسؤوليات عدة أطراف (وزارة الصحة، وزارة الداخلية، السلطات المحلية، القضاء) في تنفيذ هذا القانون، دون أن يحدد آليات تنسيق فعالة، مما يخلق بلبلة ويسهم في تفاقم معاناة المرضى.
III. خاتمة : نحو أفق جديد
يُجمع الحقوقيون والأطباء النفسيون والمشرّع المغربي نفسه على أن الظهير رقم 1-58-295 قد جاوزه الزمن وأصبح عائقًا أمام توفير رعاية صحية نفسية عصرية تحترم حقوق الإنسان. وقد تجسد هذا الإجماع في محاولات حكومية متكررة لاستبداله، كان آخرها مشروع القانون رقم 71.13 (سابقًا 13.73)، الذي يهدف إلى « مراجعة شاملة » للظهير، واعتماد مقاربة تقوم على حقوق الإنسان، وتحديد آليات جديدة للحماية والعلاج والإدماج.
في انتظار خروج هذا النص الجديد إلى النور، يظل الظهير القديم شاهدًا على مرحلة مضت، وأداة غير كافية للتعامل مع تحديات الحاضر. إن الإسراع بتحديث هذا الإطار القانوني لم يعد مجرد خيار، بل ضرورة وطنية وأخلاقية لضمان حق آلاف المواطنين في الصحة والكرامة.
