الأستاذة نبيلة منيب.. ساعة من الصّراحة السّورياليّة!!
يوسف غريب:
لا يمكن للمرء وهو يتابع بتركيز تام وقصد مبرمج اللقاء الحواري الأخير للسيدة نبيلة منيب في برنامج « ساعة الصراحة » على شاشة القناة الثانية إلا أن يشعر بنوع من الرتابة السياسية في بداية الأمر.
فالخطاب لم يخرج عن قوالبه الجاهزة ولم يأتِ بجديد يكسر نمطية « اللغة الخشبية » وأدوات التحليل المستهلكة التي دأبت عليها الفاعلة السياسية والنائبة البرلمانية.
والمفارقة الساخرة هنا تكمن في اسم البرنامج نفسه «ساعة الصراحة » وبهذا العنوان الذي يغري المشاهد بجرعة من المكاشفة والوضوح السياسي المؤطر بالمسؤولية، لكن « الصراحة » في هذه الحلقة بالذات انزلقت من فضاء الصدق والواقعية لتصبح « صراحة سريالية » صادمة تفوق الخيال وتتجاوز حدود العقل، وكأن لسان حال الحلقة يقول بكل « صراحة » وعفوية:
« لندع الحقائق والعلوم جانباً ولنؤمن بأننا نعيش في فيلم خيال علمي من الدرجة الثانية…!؟
على الأقل كسّر لنا هذه الرتابة السياسية نحو صدمة ذهنية وأخلاقية عنيفة حين ذهبت السيدة منيب تؤكد أمام ملايين المشاهدين بأن زلزال الحوز الفاجع كان أمراً « مدبراً بليل »
في إشارة واضحة وصريحة لا تقبل اللبس بأن « المغرب الرسمي » هو من هندس هذه الكارثة الإنسانية وخطط لها.
وعندما واجهها منشط البرنامج بسؤال بديهي ينطلق من عمق الفطرة الإنسانية والوطنية:
(هل يعقل أن يفكر المغرب في تدمير أرضه وقتل أبنائه؟ وماذا سبربح من ذلك؟) تجسّد في الموقف مشهد العجز الفكري والسياسي، وبدت القيادية الحزبية وكأنها تجسد الآية الكريمة (فبهت الذي كفر)، وساد صمت الارتباك الأجواء قبل أن تحاول تدارك الموقف المأزوم بخرجة لا تقل غرابة وسوريالية مدعية أن الهدف من هذا « التدبير » هو تهجير الناس من قراهم ومداشرهم.
هذه الكلمة وتحديداً أعادت إلى الأذهان تلك الأيام العصيبة التي تلت الفاجعة وما رافقها من حملات شماتة ممنهجة قادها « ذباب العسكر الجزائري » بلغت حد خروج أصوات شاذة تدعي أن « المخزن » دمّر الحوز لتهجير ساكنته بهدف توطين « الصهاينة ». ومع أننا لا نسعى هنا وراء نظرية المؤامرة في الربط الآلي بين الخطابين إلا أن التطابق في عمق الطرح يثير الكثير من علامات الاستفهام حول مصادر هذا الإلهام التحليلي، خاصة وأن الوجدان الشعبي المغربي بإيمانه الفطري العميق لم يرَ في تلك الفاجعة إلا قدراً إلهياً محتومًا وابتلاءً يُواجه بالصبر والتضامن لا بمؤامرات بشرية خارقة للعادة.
وإذا أردنا مجاراة السيدة نبيلة منيب في هذا « الشطط » الفكري المستعصي على الفهم والتماشي مع فرضيتها الساخرة بأن « المخزن » هو من حرك الصفائح التكتونية وضغط على زر الزلزال فإننا سنصل حتماً إلى نتائج تثير الضحك كشكل من أشكال البكاء، فمن يزور منطقة الحوز اليوم ويجول في جل المناطق التي مستها الفاجعة سيجد واقعاً مغايراً تماماً حيث ترتفع سكنيات جديدة ومرافق حيوية وبنيات تحتية أفضل بكثير مما كان عليه الوضع البئيس قبل الزلزال!
ليس هذا فحسب بل إن باطن الأرض تفاعل بدوره مع هذه « المؤامرة » المفترضة لينفجر أكثر من أربعة وأربعين منبعاً مائياً جديداً في عموم المنطقة محولاً الجفاف إلى شريان حياة يتدفق بالخير والنماء للساكنة المحلية. فهل يملك « المخزن » في عبقريته التدميرية المزعومة القدرة على تفجير عيون الماء وإعادة تخطيط جغرافية الأطلس نحو الأفضل؟ أليست هذه « المؤامرة المخزنية » الغريبة مؤامرة إيجابية بامتياز إذا ما قسناها بميزان البناء والتعمير وإحياء الأرض بعد موتها؟
إن معضلة هذا الكلام الذي قيل في « ساعة الصراحة » لا تكمن فقط في تهافته العلمي والواقعي بل في كونه يصدر عن مسؤولة حزبية بارزة ونائبة برلمانية تمثل الأمة، بل ومن المفترض جدلياً أن تكون يوماً ما مرشحة لقيادة حكومة وإدارة شؤون دولة برمتها، فكيف يمكن لمن يطمح لتدبير الشأن العام والجلوس على كرسي المسؤولية التنفيذية أن يفكر بهذا المنطق الـ « ما فوق عقل »
وهو منطق يستخف بمشاعر آلاف الضحايا والمكلومين ويضرب في العمق جهود دولة ومجتمع تلاحموا في ملحمة تضامنية شهد لها العالم بأسره؟
إن هذه الخرجة غير المحسوبة ليست معزولة في المسار الفكري للسيدة نبيلة منيب بل هي امتداد لسوابق سياسية وتواصلية غارقة في الفكر النكوصي.. فالجميع يتذكر كيف تصدت لجائحة كورونا باعتبارها « مخططاً إمبريالياً » صُنع في المختبرات الدولية لإبادة جزء من البشرية وتقليص الكثافة السكانية العالمية متناسية دورها كمحسوبة على النخبة المثقفة والجامعية المطالبة بنشر الفكر التنويري والعلمي.
إن السقوط في مستنقع « شعبوية المؤامرة » وتغذية المخيال الشعبي بالخرافات السياسية بهدف صناعة تمايز وهمي يعكس أزمة حقيقية في النخب السياسية التي تعجز عن تقديم بدائل تنموية واقتصادية ملموسة فتتجه نحو إنتاج خطابات الصدمة والإثارة وهو منزلق خطير يحول الفاعل السياسي من أداة للبناء والتأطير العقلاني إلى مصدر لإنتاج التشكيك والعدمية في وجدان الوطن!!
