النباهة والاستحمار: كيف يُسرق وعي الإنسان وهو يظن أنه يفكر بحرية؟
محمد السميري:
يصعب قراءة كتاب على شريعتي «النباهة والاستحمار» باعتباره مجرد كتاب فكري أو ديني أو سياسي. فالنص في جوهره محاولة لفهم واحدة من أخطر الظواهر التي عرفها التاريخ الإنساني: كيف تنجح السلطة، بمختلف أشكالها، في جعل الناس ينشغلون بما لا يغيّر حياتهم، بينما تظل القضايا الأساسية التي تحدد مصيرهم بعيدة عن اهتمامهم؟
هذا السؤال الذي طرحه شريعتي قبل عقود لا يبدو اليوم أقل راهنية مما كان عليه في زمنه، بل ربما أصبح أكثر إلحاحاً في عصر الشبكات الاجتماعية والإعلام الرقمي والفيض الهائل من المعلومات الذي يحيط بالإنسان من كل جهة.
من هو علي شريعتي؟
ولد علي شريعتي سنة 1933 في إيران، وكان واحداً من أبرز المفكرين الذين حاولوا إعادة قراءة الدين والتاريخ الإسلامي من منظور اجتماعي وسياسي. درس علم الاجتماع وتأثر بعدد من المفكرين الغربيين مثل كارل ماركس و**جان بول سارتر** و**فرانتز فانون**، لكنه سعى إلى إنتاج فكر مستقل ينطلق من الواقع الإسلامي والإيراني.
كان يعيش في فترة حساسة من تاريخ إيران، حيث كان نظام محمد رضا بهلوي يفرض مشروع تحديث اقتصادي وثقافي سريع، بينما كانت المعارضة السياسية تعاني من القمع، وكانت شرائح واسعة من المجتمع تشعر بالاغتراب والتهميش. في هذا السياق بدأ شريعتي يتساءل: لماذا لا يتحول الظلم الذي يراه الناس بأعينهم إلى وعي سياسي واجتماعي يدفعهم إلى التغيير؟
من هنا جاءت فكرة « الاستحمار ».
ماذا يقصد شريعتي بالاستحمار؟
حين يسمع القارئ كلمة « استحمار » قد يظن أن المقصود بها الجهل أو الغباء، لكن شريعتي يقصد شيئاً أكثر تعقيداً.
فالإنسان قد يكون متعلماً، ويحمل شهادات عليا، ويتابع الأخبار يومياً، ومع ذلك يكون واقعاً تحت الاستحمار.
الاستحمار عند شريعتي هو أن يتم توجيه اهتمام الإنسان بعيداً عن القضايا التي تحدد حياته ومستقبله.
بعبارة أبسط: ليس المهم أن تمنع الناس من التفكير، بل يكفي أن تجعلهم يفكرون في أشياء أخرى.
يمكن تشبيه الأمر بلاعب كرة يتعرض فريقه لهجوم خطير، لكن أحدهم ينجح في إقناعه بالنظر إلى المدرجات بدل متابعة المباراة. المشكلة ليست في فقدان البصر، بل في توجيه النظر إلى المكان الخطأ.
هذه هي الفكرة المركزية التي يدور حولها الكتاب كله.
الاستحمار ليس كذباً فقط بل صناعة أولويات زائفة
يرى شريعتي أن الأنظمة السياسية عبر التاريخ لم تكن تعتمد دائماً على القمع المباشر. فالقمع مكلف وخطر وقد يثير المقاومة. أما الوسيلة الأكثر فعالية فهي جعل الناس منشغلين بقضايا ثانوية.
في الإمبراطوريات القديمة كانت الحروب والاحتفالات الضخمة تؤدي هذا الدور.
وفي بعض المراحل التاريخية استُخدمت الخرافات أو الطقوس أو الصراعات الهامشية.
أما اليوم فقد تطورت وسائل الاستحمار بشكل غير مسبوق.
يكفي أن نتأمل ساعات طويلة يقضيها ملايين الناس في متابعة فضائح المشاهير أو الجدل حول قضايا هامشية بينما ترتفع الأسعار وتتدهور الخدمات العمومية وتزداد البطالة وتتسع الفوارق الاجتماعية.
هنا لا يقول شريعتي إن الترفيه أو الرياضة أو الفن أشياء سيئة في ذاتها، بل إن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى بديل عن التفكير في القضايا المصيرية.
لماذا تصبح الشعارات خطيرة أحياناً؟
من الأفكار المهمة في الكتاب أن الشعارات قد تتحول إلى أدوات استحمار.
فالناس عادة تنجذب إلى الكلمات الجميلة: الحرية، التنمية، الوطنية، الديمقراطية، العدالة، الحداثة، الأصالة…
لكن شريعتي يدعو إلى سؤال بسيط: ماذا تعني هذه الكلمات في الواقع؟
فقد ترفع سلطة سياسية شعار الإصلاح دون إصلاح.
وقد ترفع جماعة دينية شعار الأخلاق دون أن تهتم بمشكلات الفقر والظلم.
وقد ترفع نخبة ثقافية شعار الحداثة بينما تعيش الأغلبية خارج ثمار هذه الحداثة.
المشكلة ليست في الشعار نفسه، بل في تحوله إلى ستار يحجب الواقع.
ولهذا كان شريعتي يردد بشكل غير مباشر أن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يقول الناس؟ بل: ماذا يحدث فعلاً على الأرض؟
النباهة: الوعي بالمشكلة الحقيقية
في مقابل الاستحمار يطرح شريعتي مفهوم « النباهة ».
والنباهة ليست كثرة المعلومات.
يمكن لشخص أن يحفظ آلاف الأخبار يومياً دون أن يكون نبيهاً.
النباهة هي القدرة على التمييز بين الأساسي والثانوي.
هي أن يعرف الإنسان ما القضية التي تحدد مصيره فعلاً.
لنأخذ مثالاً بسيطاً من الحياة اليومية.
أسرة تعاني من البطالة وضعف الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة. لكن أفرادها يقضون معظم وقتهم في نقاشات لا تنتهي حول خلافات رياضية أو معارك افتراضية على الإنترنت.
هنا لا تكمن المشكلة في الرياضة أو النقاش، بل في اختلال سلم الأولويات.
هذا بالضبط ما يقصده شريعتي بالاستحمار.
من إيران الستينيات إلى العالم الرقمي
حين كتب شريعتي أفكاره كان التلفزيون ما يزال في بدايات انتشاره مقارنة بعصرنا الحالي.
أما اليوم فقد أصبحت الهواتف الذكية منصات هائلة لتوجيه الانتباه.
لقد تحول الانتباه نفسه إلى سلعة.
شركات التكنولوجيا الكبرى تتنافس على جذب انتباه الإنسان لأطول وقت ممكن.
وهكذا أصبح الفرد يعيش وسط سيل لا ينتهي من الصور والفيديوهات والأخبار العاجلة والإشعارات.
والمفارقة أن الإنسان المعاصر قد يكون أكثر اطلاعاً من أي جيل سابق، لكنه في الوقت نفسه أكثر عرضة للتشتت والاستحمار.
لهذا يبدو مفهوم الاستحمار وكأنه كُتب لعصرنا أكثر مما كُتب لعصر شريعتي نفسه.
الاستحمار في العالم العربي
حين ننظر إلى العالم العربي نجد أن أطروحة شريعتي ما تزال حاضرة بقوة.
فالكثير من المجتمعات العربية تعاني من مشاكل مزمنة في التعليم والصحة والبطالة والسكن والعدالة الاجتماعية.
ومع ذلك نجد النقاش العام كثيراً ما ينزلق نحو معارك جانبية تستهلك الطاقة والوقت.
أحياناً يتحول الرأي العام إلى ساحة جدل حول حادثة عابرة أو تصريح مثير أو قضية رمزية، بينما تختفي الأسئلة المتعلقة بالتنمية والثروة وتوزيع الفرص وجودة المؤسسات.
ولا يتعلق الأمر بالسلطة السياسية فقط، بل يشمل أيضاً الأحزاب والنخب والإعلام والمؤثرين وحتى الجمهور نفسه.
فالاستحمار عند شريعتي ليس مؤامرة ينفذها طرف واحد، بل آلية اجتماعية قد يشارك فيها الجميع بشكل واع أو غير واع.
ماذا عن المغرب؟
إذا حاولنا قراءة الواقع المغربي من خلال عدسة شريعتي سنجد أمثلة كثيرة.
فلو سألنا مواطناً مغربياً عادياً عن أهم المشاكل التي تؤثر مباشرة في حياته، فغالباً سيذكر غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وصعوبة الحصول على شغل مستقر، وتراجع جودة التعليم العمومي، والاكتظاظ في المستشفيات، وأزمة السكن بالنسبة للشباب، والتفاوت الكبير بين المدن الكبرى والمناطق الهامشية. هذه هي القضايا التي تمس الحياة اليومية للناس وتحدد مستقبل أبنائهم.
لكن إذا تابعنا النقاش العمومي في بعض الفترات، سنجد أن الاهتمام الجماعي قد ينتقل فجأة إلى قضايا أخرى تستحوذ على الرأي العام لأيام أو أسابيع، بينما تختفي القضايا البنيوية من الواجهة. قد يتحول حدث فني أو تصريح لمؤثر على مواقع التواصل أو خلاف رياضي أو قضية أخلاقية فردية إلى موضوع الساعة، فتُستهلك آلاف الساعات من النقاش والجدل، بينما لا يحظى تقرير حول تعثر المدرسة العمومية أو ارتفاع معدلات الهدر المدرسي أو ضعف الخدمات الصحية بالاهتمام نفسه.
هنا بالضبط تكمن فكرة شريعتي. فهو لا يقول إن الفن أو الرياضة أو القضايا الأخلاقية غير مهمة، بل يقول إن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه المواضيع بديلاً عن النقاش في القضايا المصيرية. فالاستحمار ليس أن يتحدث الناس عن مباراة كرة قدم، بل أن تتحول المباراة إلى موضوع يشغل المجتمع أكثر من مستقبل التعليم الذي سيحدد مصير ملايين الأطفال.
لنأخذ مثالاً آخر من الواقع المغربي. في كل موسم انتخابي تقريباً تعود الوعود نفسها: خلق فرص الشغل، إصلاح التعليم، تحسين الصحة، محاربة الفساد. لكن النقاش الإعلامي والسياسي غالباً ما يركز على من قال ماذا، ومن هاجم من، ومن انتصر في المناظرة، ومن ارتفعت شعبيته ومن انخفضت. يتحول المشهد إلى ما يشبه متابعة مباراة سياسية قياسا على مبارة رياضية، بينما يظل السؤال الأساسي غائباً: لماذا فشلت الإصلاحات السابقة؟ وما هي الآليات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيد إنتاج المشكلات نفسها منذ عقود؟
من منظور شريعتي، عندما ينشغل المواطن بمتابعة الصراع بين الأشخاص وينسى تحليل السياسات والنتائج، يكون قد انتقل من موقع المواطن إلى موقع المتفرج المستحمر. وهنا تتحول السياسة إلى فرجة جماهيرية لا تختلف كثيراً عن أي عرض آخر.
ويمكن ملاحظة الظاهرة نفسها في النقاشات المرتبطة بالتعليم. فكل سنة تقريباً يثار جدل واسع حول امتحانات الباكالوريا أو نسب النجاح أو بعض الحوادث المرتبطة بالغش. ورغم أهمية هذه القضايا، فإنها قد تحجب أسئلة أكثر عمقاً: لماذا يعاني التلاميذ من ضعف التعلمات الأساسية؟ لماذا يضطر آلاف الأسر إلى اللجوء إلى التعليم الخصوصي رغم التكاليف الباهظة؟ ما أسباب التفاوت الكبير بين مدرسة في مركز مدينة ومدرسة في قرية نائية؟ هذه الأسئلة البنيوية أقل إثارة إعلامياً لكنها أكثر أهمية لمستقبل البلد.
الأمر نفسه ينطبق على قطاع الصحة. عندما تقع حادثة معينة داخل مستشفى ما، يتركز النقاش على الحادثة ذاتها، لكن سرعان ما ينتهي الجدل دون مناقشة النقص المزمن في الأطباء أو التوزيع غير المتكافئ للتجهيزات أو ظروف العمل التي تدفع بعض الكفاءات إلى الهجرة. يتم التركيز على العرض الظاهر للمشكلة أكثر من جذورها.
ولعل أخطر ما كان شريعتي سيلاحظه لو عاش في زمن مواقع التواصل الاجتماعي هو أن الاستحمار لم يعد يحتاج إلى سلطة مركزية تدير عملية توجيه الوعي. فاليوم يشارك الجميع بمحض ارادتهم في ذلك أحياناً. فخوارزميات المنصات الرقمية تعطي الأولوية لما يثير الانفعال السريع: الغضب، السخرية، الفضيحة، الصدمة. أما القضايا المعقدة مثل إصلاح الاقتصاد أو التعليم أو العدالة المجالية فتحتاج إلى وقت وصبر ومعرفة، ولذلك تجد صعوبة أكبر في الانتشار.
يكفي أن نقارن بين عدد المشاهدات التي يحققها مقطع حول شجار أو فضيحة، وبين عدد المشاهدات التي يحققها نقاش جاد حول إصلاح المدرسة العمومية أو أزمة الماء أو التغيرات الديمغرافية. هنا نفهم أن الاستحمار في العصر الحديث لا يقوم فقط على إخفاء المعلومات، بل على إغراق الناس في كم هائل من المعلومات الثانوية حتى تضيع الأولويات وسط الضجيج.
ومن الأمثلة التي تساعد القارئ المغربي على فهم الفكرة أيضاً قضية الفوارق المجالية. فبينما تشهد بعض المدن الكبرى مشاريع ضخمة وبنيات تحتية حديثة، لا تزال بعض المناطق تعاني من مشاكل أساسية مرتبطة بالنقل أو الصحة أو التعليم أو فرص الشغل. غير أن هذه القضايا لا تحضر دائماً بالقوة نفسها في النقاش العمومي الوطني. فالأضواء تتجه غالباً إلى ما هو مثير وآني، بينما تبقى المشكلات البنيوية التي تتراكم لعقود أقل ظهوراً رغم تأثيرها العميق على حياة الناس.
هذا لا يعني أن المغرب حالة استثنائية، فشريعتي كان يعتبر أن الظاهرة عالمية. ففي كل المجتمعات تقريباً يوجد صراع دائم بين ما يجذب الانتباه وما يستحق الانتباه. النباهة، في معناها العميق، هي القدرة على التمييز بين الأمرين. أن يسأل المواطن نفسه باستمرار: هل ما يشغلني اليوم هو فعلاً ما يؤثر في مستقبلي ومستقبل أبنائي؟ أم أنني أتابع معركة جانبية بينما القضايا الأساسية تمر في الخلفية دون أن أنتبه إليها؟
هنا يصبح كتاب شريعتي أكثر من نقد سياسي؛ يصبح تدريباً على ترتيب الأولويات. فالمستحمر ليس بالضرورة جاهلاً، بل قد يكون شخصاً يملك كماً هائلاً من المعلومات، لكنه لا يعرف أيها يستحق أن يحتل مركز اهتمامه. أما النبيه فهو الذي يستطيع وسط هذا الضجيج كله أن يميز بين الحدث العابر والقضية المصيرية، وبين الفرجة والواقع، وبين الانفعال المؤقت والفهم العميق لما يجري حوله.
هل كان شريعتي محقاً دائماً؟
رغم قوة أفكاره، تعرض شريعتي لانتقادات مهمة.
فبعض الباحثين يرون أنه كان يميل أحياناً إلى تفسير الظواهر الاجتماعية من خلال فكرة الاستحمار بشكل مبالغ فيه.
ليس كل انشغال ثقافي أو ديني أو ترفيهي شكلاً من أشكال التضليل.
فالإنسان يحتاج أيضاً إلى الفن والجمال والرياضة والروحانيات والترفيه.
كما أن الواقع أكثر تعقيداً من مجرد تقسيمه إلى « وعي » و »استحمار ».
فقد يختلف الناس حول ما هي القضايا الأساسية أصلاً.
هناك أيضاً من يرى أن شريعتي منح النخب المثقفة دوراً كبيراً في إيقاظ الجماهير، بينما أثبتت التجارب التاريخية أن المثقفين أنفسهم قد يقعون في أشكال مختلفة من الاستحمار ومن الوهم الإيديولوجي.
لماذا ما زال الكتاب مهماً اليوم؟
تكمن أهمية «النباهة والاستحمار» في أنه لا يقدم أجوبة جاهزة بقدر ما يقدم أداة للتفكير.
فكلما سمعنا خطاباً سياسياً أو دينياً أو إعلامياً يمكن أن نسأل:
ما القضية التي يتم تسليط الضوء عليها؟
وما القضية التي يتم إخفاؤها؟
ما الذي يشغل الناس؟
وما الذي يجب أن يشغلهم؟
من المستفيد من هذا الانشغال؟
وهل يساعد هذا النقاش على فهم الواقع أم على الهروب منه؟
هذه الأسئلة هي جوهر النباهة عند شريعتي.
خاتمة
يمكن القول إن «النباهة والاستحمار» ليس كتاباً عن السياسة فقط، ولا عن الدين فقط، ولا عن الإعلام فقط. إنه كتاب عن الوعي الإنساني نفسه. فشريعتي يحذر من أن الإنسان قد يفقد حريته دون أن يشعر، ليس لأن أحداً منعه من التفكير، بل لأن أحداً نجح في تحديد ما يفكر فيه ومن تم استحماره.
ولهذا فإن النباهة، في معناها العميق، ليست امتلاك الحقيقة النهائية، بل امتلاك القدرة الدائمة على السؤال والنقد وإعادة ترتيب الأولويات. وفي زمن تتصارع فيه الحكومات والأحزاب والشركات والمنصات الرقمية على جذب انتباه البشر، تبدو رسالة شريعتي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: ليست المشكلة دائماً فيما نراه، بل فيما لا نراه ونحن منشغلون بشيء آخر.
