المخدرات والمسكرات. الطريق إلى موت الإنسان وخراب الأوطان
الشيخ الصادق أحمد العثماني – البرازيل
تُعدُّ المخدرات والمسكرات من أخطر الآفات التي تواجه المجتمعات الإنسانية في العصر الحديث، لما تخلِّفه من آثار مدمرة على الفرد والأسرة والمجتمع والدولة. فهي ليست مجرد سلوك شخصي أو انحراف فردي عابر، بل هي قضية حضارية وأخلاقية وإنسانية تمسُّ حاضر الأمم ومستقبلها، وتستهدف أهم ما يملكه الإنسان وهو عقله وإرادته وقدرته على البناء والعطاء. وإذا كانت الحروب التقليدية تُدمِّر العمران وتُزهق الأرواح، فإن المخدرات والمسكرات تُدمِّر الإنسان من الداخل، وتُحوِّله إلى كائن فاقد للوعي والإرادة، عاجز عن أداء رسالته في الحياة، فتكون النتيجة انهياراً نفسياً وأخلاقياً واجتماعياً واقتصادياً.
لقد كرَّم الله تعالى الإنسان وفضَّله على كثير من خلقه، فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾[1]. ومن أعظم مظاهر هذا التكريم أن وهبه الله العقل الذي يميِّز به بين الخير والشر، والحق والباطل، والنافع والضار، وجعله مناط التكليف الشرعي وأساس المسؤولية الإنسانية.ولذلك كانت المحافظة على العقل من أعظم المقاصد التي جاءت الشريعة الإسلامية لصيانتها وحمايتها.
ومن المنظور المقاصدي، فإن تحريم المخدرات والمسكرات لا يُفهم فقط من خلال النصوص الجزئية المتعلقة بالخمر، وإنما يُفهم أيضاً من خلال المقاصد الكلية للشريعة التي ترمي إلى حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وهذه الكليات الخمس تمثل الأساس الذي تقوم عليه الحياة الإنسانية السوية. والمتأمل في آثار المخدرات يجد أنها تهدم هذه المقاصد جميعاً دفعة واحدة؛ فهي تُفسد الدين بإضعاف الصلة بالله وتعطيل العبادات، وتُهلك النفس بالأمراض والانتحار والحوادث، وتُفسد العقل بالتغييب والتخدير، وتُهدد النسل بتفكك الأسرة وانحراف الأبناء، وتُضيّع الأموال وتستنزف الثروات.
ولذلك جاء الإسلام حازماً في موقفه من كل ما يضر بالعقل أو يعطله. وقد امتاز المنهج القرآني في معالجة قضية الخمر بالحكمة والتدرج، مراعاةً لطبيعة المجتمع الذي كانت الخمر جزءاً من عاداته وثقافته. فبدأ القرآن الكريم بلفت الانتباه إلى الفرق بين الرزق الحسن والسكر، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾[2]. ثم انتقل إلى بيان رجحان ضررها على نفعها فقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾[3]. ثم نهى عن قربان الصلاة حال السكر، فقال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾[4]. وبعد تهيئة النفوس جاء التحريم النهائي القاطع في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾[5].
وهذا التدرج التشريعي يمثل درساً بليغاً في كيفية معالجة الظواهر الاجتماعية المعقدة؛ إذ إن التغيير الحقيقي لا يتحقق بالإكراه وحده، وإنما ببناء الوعي وتغيير القناعات وإيجاد البدائل السليمة. ومن هنا يمكن استخلاص مبدأ مقاصدي مهم، وهو أن الإصلاح الناجح يجمع بين قوة القانون وقوة التربية وقوة الإقناع.
كما أن السنة النبوية أكدت هذا المعنى، فجاءت نصوصها واضحة في التحذير من المسكرات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر»[6]. وقال عليه الصلاة والسلام: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»[7]. وهذا الحديث يؤسس لقاعدة فقهية عظيمة، وهي أن العبرة ليست بالمقدار وإنما بالأثر والنتيجة؛ فما أدى إلى تغييب العقل أو إفساده حُرِّم قليله وكثيره. ولذلك ألحق العلماء بالمسكرات كل المواد المخدرة والمؤثرات العقلية التي ظهرت في العصور المتأخرة، لأنها تشترك معها في العلة نفسها وهي الإضرار بالعقل وإفساد الإدراك.
ومن الأخطاء الشائعة في بعض المجتمعات المعاصرة محاولة التمييز بين ما يسمى بالمخدرات الخفيفة والمخدرات الثقيلة، وكأن بعض أنواعها لا تمثل خطراً حقيقياً. والحقيقة أن هذا التصنيف لا يغيّر من جوهر المشكلة شيئاً، لأن كثيراً من المدمنين بدأوا بتجارب وصفوها في البداية بأنها بسيطة أو خفيفة، ثم انتهى بهم الأمر إلى الإدمان والانهيار. فالإدمان لا يبدأ غالباً بقفزة كبيرة، وإنما يبدأ بخطوة صغيرة تتبعها خطوات أخرى حتى يصبح الإنسان أسيراً لمادة سامة تتحكم في إرادته ومصيره.
ومن زاوية نقدية، فإن انتشار المخدرات ليس مجرد نتيجة لضعف الإرادة الفردية، بل هو في كثير من الأحيان انعكاس لأزمات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة. فالفقر والبطالة والتفكك الأسري والعنف الاجتماعي وسوء التربية وغياب القدوة والفراغ الروحي، كلها عوامل تُهيئ البيئة المناسبة لانتشار هذه الآفة. كما أن بعض وسائل الإعلام والثقافة الاستهلاكية الحديثة تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تزيين الانحراف وتطبيع السلوكيات المدمرة تحت شعارات الحرية الفردية أو البحث عن المتعة.
إن القراءة المقاصدية لهذه الظاهرة تفرض علينا تجاوز المعالجة الأمنية الضيقة، فمع أهمية القانون والعقوبات في ردع المجرمين والمتاجرين بسموم الموت، فإن التجارب العالمية أثبتت أن الحل الأمني وحده غير كافٍ. فالشريعة الإسلامية نفسها لم تعتمد العقوبة وحدها، بل سبقتها بالتربية والإيمان وبناء الضمير الحي وتعزيز الرقابة الذاتية. ولذلك فإن أي استراتيجية ناجحة لمحاربة المخدرات يجب أن تجمع بين التوعية والتعليم والإصلاح الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والعلاج النفسي والتأهيل المهني والرعاية الأسرية.
وتزداد خطورة المخدرات عندما تتحول إلى وسيلة تستخدمها بعض القوى الإجرامية أو حتى بعض الدول لإضعاف المجتمعات وتفكيكها من الداخل. فالتاريخ المعاصر يقدِّم نماذج عديدة لاستعمال تجارة المخدرات كسلاح اقتصادي واجتماعي وسياسي. ذلك أن المجتمع المدمن مجتمع فاقد للطاقة والإنتاجية وروح المقاومة، وهو مجتمع يسهل التحكم فيه وتوجيهه وإضعاف قدراته الحضارية. ومن هنا فإن مكافحة المخدرات ليست مجرد قضية صحية، بل هي قضية أمن قومي وحماية للهوية الحضارية للأمم.
ومن الملاحظ أن الضحية الأولى لهذه الآفة هم الشباب، وهم في الوقت نفسه الثروة الحقيقية للأوطان. فالشباب يمثلون قوة الإنتاج والإبداع والتجديد. وعندما يقع الشاب في براثن الإدمان فإنه يفقد مستقبله العلمي والمهني والأسري، وتفقد الأمة جزءاً من طاقتها البشرية. ولذلك فإن حماية الشباب من المخدرات ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل مسؤولية جماعية تشترك فيها المدرسة والجامعة والمسجد ووسائل الإعلام ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول خطاب مكافحة المخدرات إلى خطاب إدانة وإقصاء للمدمنين؛ لأن كثيراً منهم مرضى وضحايا قبل أن يكونوا مذنبين. فالإسلام دين الرحمة والتوبة والأمل. وقد فتح الله تعالى باب التوبة لكل مذنب مهما عظمت ذنوبه، فقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾[8]. ولذلك ينبغي أن تُبنى برامج العلاج والتأهيل على مبدأ الاحتواء والإصلاح وإعادة الإدماج، لا على الوصم الاجتماعي والإقصاء.
إن الإيمان بالله تعالى يمثل أحد أهم عناصر الوقاية والعلاج؛ لأن الإنسان عندما يستشعر مراقبة الله ويؤمن بكرامته الإنسانية ورسالة وجوده، يصبح أكثر قدرة على مقاومة الإغراءات والانحرافات. فالقوة الروحية تمنح الإنسان معنى للحياة وأملاً في المستقبل وثقة في إمكانية التغيير. ولهذا كان المنهج النبوي يجمع بين التحذير من المعصية وفتح باب التوبة وعدم اليأس.
وفي الختام، فإن المخدرات والمسكرات ليست مجرد مواد سامة تدخل إلى الجسد، بل هي مشروع متكامل لتدمير الإنسان والعقل والأسرة والمجتمع. وهي اعتداء مباشر على المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية التي جاءت لحفظ كرامة الإنسان وصيانة حياته وعقله وماله ونسله. ومن هنا فإن مواجهتها تقتضي تعبئة شاملة تجمع بين الإيمان والعلم والتربية والقانون والتنمية والعدالة الاجتماعية. فبقدر ما تنجح المجتمعات في حماية عقول أبنائها، تنجح في حماية مستقبلها وحضارتها. وإن الطريق إلى النهضة يبدأ بحماية الإنسان، والطريق إلى حماية الإنسان يبدأ بحماية عقله من كل ما يفسده أو يعطله أو يستعبده. ولذلك كانت محاربة المخدرات والمسكرات واجباً دينياً وأخلاقياً ووطنياً وإنسانياً، لأنها في حقيقتها معركة من أجل الحياة في مواجهة طريق يقود إلى الموت والدمار.
الهوامش
————–
[1] سورة الإسراء، الآية: 70.
[2] سورة النحل، الآية: 67.
[3] سورة البقرة، الآية: 219.
[4] سورة النساء، الآية: 43.
[5] سورة المائدة، الآية: 90.
[6] أخرجه ابن ماجه والحاكم، وصححه عدد من أهل العلم.
[7] أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد.
[8] سورة الزمر، الآية: 53.
