متى يتم تسجيل مصطلح « حكّرونا » في منظمة اليونسكو كـ »تراث غير مادي » يعكس عقدة المظلومية عند الجارة الشرقية؟ 

متى يتم تسجيل مصطلح « حكّرونا » في منظمة اليونسكو كـ »تراث غير مادي » يعكس عقدة المظلومية عند الجارة الشرقية؟ 
شارك

يوسف غريب:

شهدت إحدى مدرجات ملاعب أمريكا خلال هذه التظاهرة العالمية مشهدًا يختزل سيكولوجية مشحونة بعداءٍ استثنائي مرضى حيث صرخ مشجع جزائري في وجه مدرب المنتخب الأردني بعبارة: « الجزائر فور عليك » (أي نحن الأقوى منك.. والويل لك!).

 لم تكن العبارة مجرد ابتهاجٍ بنصر كروي عابر.. بل تجسيدًا لتفريغ شحنة من الاستعلاء والاعتزاز الوهمي وانعكاسًا لازدواجية معايير تثير الذهول لدى الشعب في التعاطي مع الهزيمة والنصر… فحين ينهزمون تُستحضر نظرية « الأيادي الخفية » فورًا ويتحول الملعب إلى ساحة مؤامرة كونية تشترك فيها القوى العظمى واللوبيات العالمية فقط لمعاقبة مواقفهم التاريخية في نصرة الشعوب المقهورة أما حين ينتصرون – ولو بضربة حظ أو بخطأ دفاعي بدائي – تختفي المؤامرة فجأة وتصبح بلادهم « القوة الضاربة » التي تقهر المستحيل وحدها دون سائر خلق الله.

لكن السؤال الحارق الذي يفكك هذه البروباغندا الساذجة:

 لو لم يكن مدرب الأردن مغربيًا هل كنا سنسمع هذا الصراخ الفج…؟ لقد كان الصراخ موجهاً للهوية المغربية للمدرب وليس للانتصار على المنتخب الأردني.

ولأن المدرب المغربي السيد جمال السلامي رجل عاقل ويدرك جيداً أبعاد هذا الشحن الممنهج آثر الصمت والترفع مستحضرًا في مواجهة هذا التطاول قوله تعالى:

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.

 لقد كان هذا الرد مرآة عكست نضج الإطار المغربي وترفعه عن النزول إلى المستنقع  لعلمه أن تلك الصرخة الكروية ليست معزولة عن مناخ سياسي متوتر، بيئةٌ شهدت تحركات دبلوماسية مكثفة لوزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف إلى عمان ليلة إجراء هذه المقابلة كما لاحظ بعض المهتمّين إنّ هذا الشحن القادمً من المدرجات الفوضوية ما هو إلا امتداد طبيعي وانعكاس للواقع السياسي الداخلي  بحيث خرجت رئيسة حزب العمال بالجزائر لتطالب منتخبها الوطني بـ »الانتقام » في مباراته ضد السويد بحجة « أنهم حكّرونا (ظلمونا) سنة 1982 هذا النموذج يعكس بوضوح عقلية « نخبة » تقتات على الماضي وتُسوق لثقافة الضغينة التاريخية…

 وبناءً على هذه المناسبات السريالية يمكن اقتراح تسجيل مصطلح « حكّرونا » في منظمة اليونسكو كـ »تراث غير مادي » يعكس عقدة المظلومية التي بدأت بذورها تتشكل منذ مرحلة الرئيس الراحل هواري بومدين.

إن ادعاء القوة والتفوق بات يتجسد اليوم في مفارقات غريبة  من غياب اللباقة اللفظية التي وصلت إلى حد مهاجمة الروائي بوعلام صنصال بلغة حادة لا تليق برجل الدولة وصولاً إلى المفارقات الدبلوماسية المضحكة المبكية حيث اضطرت السفارة الجزائرية في واشنطن لإصدار بيان رسمي تحث فيه مشجعيها على الانضباط والنظافة في الملاعب والأماكن العامة… ولم يقف الأمر عند السلوك الفردي بل امتد ليعكس ظواهر جماعية مقلقة كالتي وقعت في دولة قطر مؤخرًا من فوضى عارمة وشجار عنيف أدى إلى تخريب ممتلكات داخل أحد المقاهي من طرف بعض المشجعين الجزائريين لحظة متابعة مقابلة منتخبهم هناك،

إن هذه السلوكيات ليست مجرد انفلاتا عابرا بل هي نتاج طبيعي للعيش وسط بنية إعلامية وتربوية موجهة لا تهدأ ماكينتها في تسويق الوهم والشحن ضد الجار والعالم!!  فالطفل الذي يتربى في بيئة عسكرية مشحونة يصعب أن يتحدث بلغة الرزانة والتعايش.

وإن النظر إلى المستقبل في ظل هذه المعطيات يكشف عن أزمة عميقة فقد باتت هذه الأجيال تحمل بفعل التجييش الطويل معوقات للإدماج السلس مع المجتمعات الأخرى. وهنا يتحمل النظام الحاكم المسؤولية الكاملة عن هذا الاغتيال المعنوي لعقول وقيم مجتمع غني بالطاقات وتحويله إلى كتلة مشحونة بالهواجس والمؤامرات مما يهدد بفرض عزلة دولية ونمط سلوكي يلفظه المحيط الإقليمي؛ فما أصعب أن تعيش في القرن الحادي والعشرين بعقلية داحس والغبراء.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *