البطاقة الجزائرية: سلاح متكرر في المناورات الفرنسية والإسبانية المغربية.
بقلم، محمد خوخشاني.
سيناريو يتكرر بإلحاح مقلق.
تخضع العلاقات بين المغرب وبعض الدول الأوروبية لآلية راسخة باتت مألوفة. فكلما بلغت شراكة استراتيجية مع الرباط درجةً من التقدم تُعتبر «مفرطة» لصالح المملكة — سواء على صعيد الهجرة أو الأمن أو الطاقة أو التبادل التجاري — عمد جزء من الطبقة السياسية لدى الشريك الأوروبي إلى إثارة الورقة الجزائرية. والرسالة التي تحملها هذه المناورة، وإن كانت مبطنة، تظل واضحة: «الرباط ليست الجهة الوحيدة المؤهلة للحوار في المغرب العربي؛ فالجزائر قادرة على لعب هذا الدور».
وهذه الآلية، التي لوحظت بوضوح خلال ولاية إيمانويل ماكرون في فرنسا، تعود للظهور اليوم في إسبانيا في وقت يحاول فيه بيدرو سانشيز ترسيخ مقاربته الاستراتيجية الجديدة مع المغرب. لكن حدثاً خطيراً — تمثل في محاولات الاقتحام الجماعي لسبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026 — جاء ليذكر الأوروبيين، وبشكل مفاجئ، بأن لعبة التوازن هذه قد تنقلب عليهم.
السابقة الفرنسية: علاقة متأرجحة.
قدمت فرنسا، خلال السنوات الماضية، أوضح نموذج لهذه الآلية. فكل محاولة من جانب باريس لتثبيت شراكتها مع الرباط اصطدمت بضغوط داخلية — صادرة عن تيارات سياسية وأوساط إعلامية معينة — تستحضر الثقل الديموغرافي والتذكّري والاقتصادي للجزائر في الجمهورية الفرنسية. وقد ولّدت هذه التدخلات أزمات متكررة: توترات بشأن التأشيرات، وتجميد تعاون أمني، وعلاقة دبلوماسية متعثرة.
ولم تستعد المسار الطبيعي إلا بعد أن اعترفت فرنسا، في أواخر 2024، بسيادة المغرب على الصحراء. غير أن ثمناً باهظاً دُفع لقاء تلك المماطلات: فقدان الثقة المتبادلة، وتراجع في ملفات أساسية، لا سيما في مجال الهجرة حيث يُعد المغرب شريكاً محورياً.
الحالة الإسبانية: الطاقة، المعارضة، وصدمة سبتة.
يحمل السيناريو الإسباني تشابهاً لافتاً، لكنه ازداد حدة منذ التحول الذي شهده عام 2022، حين تبنّت مدريد موقفاً داعماً للأطروحات المغربية بشأن الصحراء. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف المعارضة، بل وحتى بعض أطراف الائتلاف الحكومي، عن توظيف الملف الجزائري لإرباك بيدرو سانشيز.
الحجة الأساسية المطروحة هي الطاقة: فالجزائر، عبر خط أنابيب الغاز « ميدغاز »، تظل مورداً حيوياً لإسبانيا. وفي سياق الارتفاع الجنوني للأسعار الناجم عن النزاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران منذ فبراير 2026 وحصار مضيق هرمز، يُقدّم هذا الاعتماد على أنه نقطة ضعف وجودية. والتهديد الضمني هو عقوبة غازية جزائرية محتملة إذا مضت مدريد قدماً في تقاربها مع الرباط.
لكن أحداث سبتة في 30 و31 يوليو 2026 غيّرت المعادلة.
شهد هذان اليومان محاولات منسقة لاقتحام السياج الحدودي، شارك فيها آلاف المهاجرين من جنوب الصحراء. وقد هزّت المشاهد الفوضوية والعنيفة الرأي العام الإسباني والأوروبي. وحسب مصادر أمنية، فإن هذه التحركات لم تكن عفوية؛ بل جاءت بعد أن روّجت عناصر قريبة من الأجهزة الجزائرية، عبر قنوات غير رسمية، بأن حدود سبتة «قابلة للاختراق» وأن السلطات المغربية «مشغولة» في مكان آخر لضبطها.
كانت تلك الإشارة كافية لإشعال حركة احتجاجية، سرعان ما خلّفت تداعيات دبلوماسية فورية.
الانعكاسات على السياسة الأوروبية لمكافحة الهجرة.
وصلت تداعيات صدمة سبتة إلى بروكسل في غضون ساعات. فتحت ضغط الدول الأعضاء المطلة على البحر المتوسط، اضطرت المفوضية الأوروبية إلى إعادة تقييم شراكاتها في مجال الهجرة. وبرزت درسان أساسيان:
1. هشاشة الاتفاقات الثنائية: أدركت إسبانيا، التي وقّعت في 2025 بروتوكولاً معزّزاً مع المغرب بشأن مراقبة الحدود، أن هذه الآلية قابلة للزعزعة من قبل طرف ثالث يمتلك نفوذاً على تدفقات الهجرة في إفريقيا جنوب الصحراء.
2. إغراء الاستبدال: تصاعدت في أروقة أوروبا أصوات تدعو إلى تنويع الشركاء في مجال الهجرة، واقترحت مقاربة مباشرة مع الجزائر — مقابل مساعدات مالية أو تليين دبلوماسي بشأن الصحراء — لتأمين الحدود الجنوبية للقارة.
وهذا بالضبط هو المنطق الذي تفضحه هذه القراءة: فبإثارة البطاقة الجزائرية، لا يخدم بعض المسؤولين الإسبان والأوروبيين سوى لعبة الجزائر، التي تنظر إلى الهجرة باعتبارها أداة ضغط جيوسياسي، تماماً كما هو الحال مع الغاز.
عقب كعب للطاقة والهجرة يتم استغلاله.
بنى المغرب، خلال السنوات الأخيرة، موقعاً فريداً: جسر بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، ومنصة لوجستية وطاقية (عبر مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب)، وشريك أمني من الطراز الأول في مكافحة الإرهاب والهجرة، وفاعلاً محورياً في العديد من الملفات الإقليمية. هذا الثقل الاستراتيجي هو في آن معاً قوة وهدف.
أما الجزائر، فتمتلك سلاحين رئيسيين للردع:
● الغاز: بصفتها مورداً تاريخياً لإسبانيا وإيطاليا، يمكنها التلويح بخفض الإمدادات أو رفع الأسعار في حال الخلاف الدبلوماسي.
● الهجرة: عبر التلميح بقدرتها على «فتح» أو «إغلاق» صنابير الهجرة باتجاه المغرب — أو زعزعة أنظمة المراقبة المغربية — يمكن للجزائر أن تخلق أزمات حدودية تُذعر الأوروبيين.
وقد كانت أحداث سبتة بمثابة برهان سافر على هذه القدرة التخريبية. إذ ذكّرت الأوروبيين بأن أمنهم الهجرسي لا يتوقف فقط على الاتفاقات الموقعة مع الرباط، بل يتوقف أيضاً على السياق الإقليمي والتنافسات التي تعبره.
رهانات شراكة رابح-رابح مهددة.
لا يمكن اختزال المغرب في مجرد مقاول فرعي في ملف الهجرة أو الطاقة. إنه شريك استراتيجي طويل الأمد، تجمعه بأوروبا مصالح مشتركة: استقرار الساحل، ومكافحة الإرهاب، والتنمية الاقتصادية في إفريقيا، وإدارة التدفقات الهجرسية.
لكن هذه الشراكة هشة. فهي تقوم على ثقة يمكن للمناورات السياسية الأوروبية — المدفوعة بحسابات آنية أو بضغوط داخلية — أن تفتت. إن الخضوع لإغراء «لعب الورقة الجزائرية» ضد الرباط، لا يعني فقط إضعاف حليف موثوق، بل أيضاً تقديم دليل للجزائر بأن أساليبها الضاغطة مجدية.
الخلاصة: أوروبا على مفترق طرق.
وفقاً للقراءة المطروحة هنا، فإن توظيف الملف الجزائري من قبل بعض الفاعلين الأوروبيين لا ينبع من استراتيجية مستقلة، بل هو رد فعل تكتيكي على توازنات داخلية. والخطر كبير: التضحية بشراكات ناضجة ومفيدة للطرفين على مذبح حسابات سياسية آنية.
وكانت أحداث سبتة تحذيراً واضحاً: لا يمكن للسياسة الأوروبية لمكافحة الهجرة أن تنفصل عن الحقائق الجيوسياسية الإقليمية. فباعتقادها أنها قادرة على استبدال الجزائر بالمغرب، قد تجد أوروبا نفسها أمام شريك أكثر تقلباً وأقل ميلاً للتعاون الهيكلي. أما المغرب، فقد أثبت جدارته كشريك موثوق — لكن بشرط ألا تظل مكانته موضع مساءلة مستمرة من خلال مناورات انتهازية.
