انفصام النخبة الإسبانية بين الصمتِ في جبل طارق والصراخِ في سبتة!!
يوسف غريب:
جلستُ أقرأ ما قاله- فابيان بيكاردو- رئيس وزراء جبل طارق وهو بخاطب حشوداً منتشية بالسيادة البريطانية فوق الصخرة وبتعابير لم تترك مساحة للشك:
(لا حبة من أرضنا ولا قطرة من مياهنا ولا نفساً من هوائنا).. مشدداً على أن أي ترتيبات تنظيمية مع الاتحاد الأوروبي لن تطال جوهر السيادة البريطانية الخالصة.
كان الخطاب واضحاً، حدياً ومستفزاً للشعب الإسباني وبجميع قياداته ومؤسساته
المدنية والعسكرية
ولم يرتكب بيكاردو هذه الجرأة في يومٍ عابر بل اختار بالذات العاشر من شتنبر.. العيد الوطني لجبل طارق اليوم الذي يخلد الذكرى الأشد إيلاماً لكرامة مدريد يوم استفتاء 1967 حين قال أكثر من 99% من سكان الصخرة بلسان واحد:
(لا لإسبانيا.. ونعم للتاج البريطاني)
لقد اختار الرجل ذكرى الصفعة الأولى ليزرع صفعة ثانية أشد قسوة
ولكن..
ما الي حدث في إسبانيا بعد هذا التحدي السافر وفي هذا اليوم بالتحديد؟
لا شيء على الإطلاق! سكونٌ كأنه سكون المقابر وصمتٌ يلفّ الأحزاب والصحف والساسة وكأن على رؤوسهم الطير.
أين النخوة الوطنية للنخبة الإسبانية؟ أين الأحزاب التي ملأت الدنيا صراخاً ؟ أين « فوكس » و »الحزب الشعبي »؟ أين الأساطيل والتظاهرات؟ أين خطابات الدفاع عن التراب المقدس؟ لقد تبخر كل شيء، وأصبحت مدريد فجأة حكيمة.. هادئة رزينة تفضل « الحوار الدبلوماسي » والنفس الطويل مع الجار البريطاني المدلل..
وقبل أيام معدودات وحين أطلقت أزمة صامتة أو تصريح رسمي من المغرب بخصوص مغربية سبتة ومليلية قامت القيامة في إسبانيا ولم تقعد استُنفِرت الشوارع وخرجت المظاهرات الغاضبة تحت شعار
(سبتة إسبانية)
وأُبحِرَ أسطولٌ من مئة زورق يلوح بالأعلام الإسبانية قبالة الساحل وكأن حرباً عالمية ستندلع غداً!!
أيّ نفاقٍ هذا؟ وأيّ ازدواجية تسكن النخبة السياسية الإسبانية؟
حين تشهر بريطانيا في وجه مدريد سيف السيادة المطلقة وتنتزع منها الصخرة عينها في يوم عيدها الوطني تبتلع مدريد لسانها وتتحول إلى حمل وديع يبتسم لـ « الشريك الأوروبي » الحليف.. تما حين يتعلق الأمر بالجنوب بالشمال الأفريقي وبالمغرب الذي ينظر إلى أراضيه التاريخية تتحول مدريد فجأة إلى أسد هصور يُجيّش الجماهير ويستنهض الذاكرة ويصرخ في الشوارع ويحرق الإعلام كأنما يدافع عن وجوده الأخير!
إنها ليست مجرد مفارقة في المعاهدات أو البنود القانونية..
إنها عقدة النفسية الإسبانية عقدة الخوف التاريخي من إرث الإمبراطورية المغربية الممتد حتى اليوم مقابل الخنوع والواقعية المذلة أمام القوة الأنجلوسكسونية في الشمال.
إسبانيا تبدو كأنها حمل أليف وناعم أملس أمام بريطانيا لأنها تدرك حدود قوتها لكنها تحاول أن تمارس بطولة استعراضية في سبتة لتعوض بها عن الجبن السياسي الذي تعانيه فوق صخرة جبل طارق..
وأنا كمغربي لا أجد أي حرج في القول بأن جبل طارق أراضٍ إسبانية.. وبنفس القوة أقول للإسبان إن سبتة ومليلية وبقية الجزر هي أراضٍ مغربية..
انتصاراً للجغرافيا، وللحق التاريخي وللصدح بالحق دون طمعٍ أو خوف..
وبصوت وطني صريح:
لا نطلب من أحد أن يتخلى عن ذاكرته وإنما نطلب ألا يُطلب منا نحن المغاربة أن نتخلى عن ذاكرتنا التاريخية..
