أعطاب مشروع قانون العدول..
طارق القاسمي
الكاتب العام للمجلس الجهوي لعدول استئنافية سطات، سابقا.
إذا كان مشروع القانون المنظم لمهنة العدول المصادق عليه بالمجلس الحكومي يوم الخميس 20 نونبر 2025، قد أثار الجدل والنقاش لدى الرأي العام مؤخرا اثناء طرح سؤال شفوي بالبرلمان بسبب التراجعات التي عرفها هذا المشروع حسب ما جاء في السؤال المطروح، فإن الجدل سيتواصل أثناء مسطرة التشريع – مع الاشارة إلى أن أصوات عديدة رفضت المشروع وتنادي بسحبه- من خلال مكامن الخلل التي يتضمنها هذا المشروع، والتي تفرض ضرورة عرضه على المحكمة الدستورية للحسم في هذا الجدل من جهة، واحتراما لتراتبية القواعد الدستورية من جهة اخرى.
سنحاول الوقوف على أبرز الأعطاب في هذا المشروع على سبيل المثال لا الحصر:
أولا: آلية الايداع.. الحق في الاستفادة من خدمات صندوق الايداع والتدبير باعتباره مؤسسة وطنية عمومية اسقاط المادة 39 من الصيغة الأولى للمشروع خلق منتوجا تشريعيا مشوها ومعاقا. إذا افترضنا وقبلنا بهذا البعد الزجري الردعي الصارم للعدل حماية لمرفق التوثيق والمرتفقين حماية لأموالهم، (الباب العشر من المشروع تحت عنوان: المراقبة والبحث والتفتيش والتأديب ما يقارب 29 مادة من العنف والترهيب المعنوي)، فكيف يعطي واضع المشروع لنفسه الحق في إقصاء العدل من حقه في وسائل العمل آلية الايداع على سبيل المثال؟ أي الحق في ايداع ثمن البيع لدى جهة مؤهلة قانونا للاحتفاظ بها إلى حين ان تمر عملية البيع في أمن وأمان »، والتي تعتبر أساسا حقا لأطراف العقد في حماية وتأمين عملياتهم العقارية الذين اختاروا طواعية ابرامها أمام العدول!!!
ألم يضع المشرع ترسانة زجرية هائلة؟
أليس من حق المرتفق الذي اختار العدل لتوثيق معاملته أن يستفيد من خدمات صندوق الإيداع باعتباره مؤسسة عمومية؟
وهنا نطرح السؤال لماذا وضع صاحب المشروع نظارات شمسية سوداء اثناء صياغته للمشروع دون تكليف نفسه عناء الاطلاع على نص قانوني يعتبر مرجعا وطنيا بصريح النص، قانون بمثابة ميثاق للمرافق العمومية الذي نشر بالجريدة الرسمية عدد 7006، بتاريخ 22 يوليو 2021، تطبيقا لأحكام الفصل 157 من دستور المملكة، ونص في فقرته الأولى من مادته الثالثة على ما يلي:
» تعتبر أحكام هذا الميثاق إطارا مرجعيا وطنيا لمبادئ وقواعد
الحكامة الجيدة، يجب على السلطات الحكومية وجميع مسؤولي المرافق العمومية، كل فيما يخصه، التقيد بمضامينه والعمل على اتخاد جميع التدابير اللازمة لتنفيذه. »
ولأهمية هذا القانون الدستورية، فهو منشور أيضا باللغة الفرنسية، جريدة رسمية عدد 7106، بتاريخ 7/7/2022.
ثانيا. رسمية العقد
لماذا المشرع تعامل مع مفهوم رسمية العقد بسكيزوفرينية مذلة لمؤسسة العدل؟ اعترف للعدل برسمية العقد في القانون الجنائي بإقراره لعقوبات جنائية ثقيلة المادة 35/353/354 من مجموعة القانون الجنائي، وأقصاه من إضفاء الرسمية عليها مثلا بالرجوع إلى المادة46 من مشروع القانون رقم 16.22 المنظم لمهنة العدول مع تحفظنا على تسمية المشروع نجده قد نص على ما يلي: يختص العدل وفقا لمقتضيات هذا القانون، بتلقي وتحرير العقود والشهادات التي يفرض القانون إضفاء الصبغة الرسمية عليها، أو تلك التي يرغب الأطراف في اضفاء هذه الصبغة عليها، وكذلك تلك التي يسند له القانون اختصاص تلقيها وتحريرها. »
مما يوحي للقارئ أن العدل مختص بإضفاء الرسمية على العقد، خاصة مع طريقة التلقي الجديدة التي جاء بها المشروع والفريدة من نوعها وأسلوب طبق الأصل لطريقة اعداد الوثيقة عند الموثق لكن مختلفة الأثار والنتائج، ففي المشروع الرسمي تكتسبها الوثيقة ليس بتوقيع أطراف العلاقة التعاقدية أمام العدلين، بل تكتسبها بعد خطاب القاضي المكلف بالتوثيق المادة، 76/77/78 من المشروع المصادق عليه.
فيكون واضع المشروع قد وقع وضع سكيزوفريني ينم عن حالة مضطربة، فهو من جهة في باب الاختصاص يمنح العدل هذا الحق، الحق في اضفاء الرسمية، الباب الخامس الذي ينظم: الاختصاص واجراءات تلقي وتحرير العقود والشهادات، لكن سرعان ما يتراجع عنه في الباب السابع المعنون بالخطاب على العقود والشهادات، ويسنده صراحة لمؤسسة القاضي المكلف بالتوثيق، وهو بهذا التبويب الغريب يكون قد خلق نوعا من الارتباك والتشويش في ذهن الباحثين ورجال القانون من حيث الشكل، فمادام المشرع لازال مصرا على بقاء مؤسسة القاضي كإجراء شكلي، فكان عليه أن يتجرد من أنانية وأن يسلك ما سلكه المشرع في القانون الحالي بإدراج خطاب القاضي ضمن إجراءات تحرير الشهادة الباب الثاني تحرير الشهادة المادة 35 منه تتحدث عن خطاب القاضي كإجراء شكلي!!! وهو الصواب.
كما خلق أيضا تشويشا من حيث الموضوع فهو مختص بإضفاء الرسمية في الباب الخامس، وغير مختص في الباب السابع.
هذه أمثلة بسيطة عن سكيزوفرينية المشروع المصادق عليه.. أما عن سكيزوفرينية المشرع المغربي في قوانين أخرى، فنجده يتعامل مع العقد الرسمي بازدواجية المعايير، فالمحافظ العقاري يتحقق من العقد الرسمي شكلا وموضوعا ويضفي رقابته عليه المادة 72، من ظهير التحفيظ العقاري، إضافة إلى رقابة القاضي المكلف بالتوثيق فهي إذن رقابة مزدوجة على العقد الرسمي العدلي، في حين العقد الرسمي في قانون آخر لا يخضع لهذه الازدواجية في الرقابة!!!
مما سبق، ومن خلال هذه الأعطاب المعدودة على سبيل المثال لا الحصر، كما سبقت الاشارة، يمكننا القول أن هذا المشروع المصادق عليه يتضمن خللا وثقبا كبيرا شكلا وموضوعا، حاولنا الوقوف على بعضه، والذي مع وجوده لا يمكن تقبله او قبوله على حالته إلا بسحبه إن أمكن كخيار اول، اوالثريت في مناقشته، و محاولة ترميمه واصلاحه قدر المستطاع كخيار ثاني، مع ضرورة عرضه على المحكمة الدستورية إجباريا للحسم في النقط الخلافية، إحقاقا للحق وتحقيقا للأمن القانوني والتوثيقي المنشود، واحتراما لتراتبية القواعد الدستورية دون تمييز او إقصاء، أو تغليب فئة مهنية على أخرى.
