وحدة اليسار ضرورة ملحة..
البدالي صافي الدين :
أصبح موضوع وحدة الأحزاب اليسارية في بلادنا، يشكل اهتماما بالغا كمشروع مجتمعي ومذهبي في الوسط السياسي، حيث تعددت الأفكار والآراء من حوله، باعتباره أصبح ضرورة ملحة وأساسية في ظل توغل الليبرالية المتوحشة بكل تلوناتها وأدواتها في المشهد السياسي وتوغل الفساد وهيمنة المفسدين. وبذلك أصبح مشروع توحيد اليسار قضية مركزية وملحة لإنقاذ المشهد السياسي مما أصبح عليه من بؤس ومن هيمنة فلول الإقطاع الجديد والاستعمار المتجدد.
وإن توحيد اليسار ظل ولا يزال الأمل الوحيد لإنقاذ البلاد من الانهيار الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. ويظل المخرج الوحيد لاستعادة الإشعاع الفكري وتكريس الوعي السياسي وسط المجتمع وخلق نوع من الموازنة السياسية.
ولقد أثبتت التجارب بأن التشرذم الذي يعيشه اليسار في بلادنا ظلت تتغذى به الرجعية بكل أشكالها وأنواعها. وأن التشرذم الحالي ومن خلاله تشرذم الطبقة العاملة وتعدد النقابات القطاعية التي تقودها فعاليات من اليسار لا يزيد إلا من إضعاف قوة اليسار، مما يؤدي إلى تراجعه في الاستحقاقات الانتخابية المتعاقبة الجماعية والتشريعية، مما يجعل الاندماج، مثل فيدرالية اليسار الديمقراطي والتحالف مع الاشتراكي الموحد على الأقل في هذه الحقبة، مطلباً وأملا اجتماعيا منشودا.
أما المشككون في:
توحيد الأحزاب اليسارية من داخلها و من خارجها في بلادنا، انطلاقا ، حسب زعمهم ،من اختلافات تنظيمية أو تباين في الخطاب السياسي أو الايديولوجي، إنما ينتصرون للعدمية وللزعماتية والتفرقة لصالح تربع الأوليغارشية على كرسي التحكم في مسار الجماهير المغربية، و لأنهم ظلوا رهيني خطابات داخلية لا تدرك معناها الجماهير الشعبية التي تتقادفها الأدوات الإعلامية المخزنية و الأحزاب الرجعية من أجل تدجينها وجعلها طيعة و مطبعة مع واقعها المزري و غير قادرة على استيعاب المرحلة ، رغم ما يعرفه العالم من متغيرات عميقة على مستوى المناخ الفكري و الرقمنة و الاقتصاد المختلط، أي نظام يجمع بين آليات السوق الحر و الرأسمالية وتدخل الدولة في في هذا النظام، حپث يُسمح للأفراد والشركات الخاصة بامتلاك وسائل الإنتاج وتحديد الأسعار بناءً على العرض والطلب، بينما تتدخل الدولة في تنظيم الأسواق و توفير الخدمات العامة (مثل الصحة والتعليم)، وتحقيق العدالة هذا بالإضافة للرساميل العابرة للقارات .
في خضم هذه المتغيرات يجب أن نسأل أنفسنا عن مدى قدرة خطابنا على النفوذ إلى عمق المجتمع بجميع مكوناته. وقدرة سلوكنا على الاندماج وسط المجتمع بكل مستوياته الطبقية والفكرية والعقائدية وخلخلة الثوابت التي تحول دون تطوره والانعتاق من العبودية ومن الفكر الخرافي والشعوذة السياسية. ولنا مثل في دول أمريكا اللاتينية التي توحدت احزابها اليسارية وفق أهداف محددة وانطلاقا من واقع مزري تعيشه شعوب تلك الدول من استبداد واستغلال. وبالرغم من السيطرة المطلقة للأنظمة الديكتاتورية والمدعمة من أمريكا انتصرت الثورة الساندينية لشعب نيكاراغوا في الثمانينات وللديمقراطية. وقد عرفت هذه الدول موجتين تاريخيتين عُرفتا بـ « المد الوردي » حيث اعتمدت الأحزاب اليسارية في صعودها على استغلال السخط الشعبي تجاه السياسات النيوليبرالية، وتشكيل تحالفات عابرة للطبقات، وتبني برامج براغماتية تتمحور حول العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة دون إلغاء اقتصاد السوق بالكامل.
لقد انتصرت الأحزاب اليسارية في أمريكا الجنوبية من خلال موجات « المد الوردي » والتي تؤرخ لموجة صعود اليسار الديمقراطي بدءا من تسعينيات القرن الماضي واستمرت حتى العقد الحالي)، وذلك بالاعتماد على ركنين أساسيين: الركن الأول ويتجلى في صناديق الاقتراع كبعد استراتيجي يكرس الحق في تقرير مصير الشعب، الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. أما الركن الثاني فإنه يتجلى في توحيد الحركات الاجتماعية، وتحديث برامجها الاقتصادية حتى تتناسب وفق التطلعات الشعبية. إنه من أسباب وعوامل الانتصار التي حققتها أحزاب اليسار في هذه الدول كنموذج هو:
#استغلال السخط الشعبي ضد النيوليبرالية،
# استمرار صعود اليسار باستغلال الفشل الاقتصادي للسياسات اليمين وما ترتب عنها من تخلف وفقر ومن تفاقم الفوارق الاجتماعية واتساع رقعة الفقر.
# تبني استراتيجية « الجبهات الواسعة »: حيث نجحت الأحزاب اليسارية في تكوين تحالفات عريضة شملت النقابات العمالية والمثقفين والفنانين وحركات السكان الأصليين، والمنظمات النسوية، والحركات الطلابية، مما مكنها من كتلة ناخبة عريضة ومتماسكة وحاضرة في كل مناسبة انتخابية،
#التجديد في الخطاب السياسي ليكون أكثر مرونة والتركيز على ترسيخ المؤسسات الديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، مع تقديم ضمانات واعدة وقوية بإعادة توزيع الثروة ودعم العدالة الاجتماعية.
إن مشروع توحيد اليسار ليس بهين كما يظن البعض، بل هو مشروع سيظل تحت السيطرة المخزنية عن بعد من خلال اختراقه على المستوى الفكري والسلوكي حتى لاينتصر، كما أنه يتعرض إلى الاستقطاب، خاصة وسط أطره الواعدة لتشغيل مناصب عليا. لذلك فإن المشروع في حاجة إلى إعداد وفق التحولات التي يعرفها المناخ السياسي العالمي في علاقة من المناخ السياسي الوطني وتأثير ذلك على المجتمع واعتماد سياسة تدبير الاختلاف وفق قواعد حل الخلاف عبر التواصل البناء والهادف كما يحتاج، أي هذا المشروع، إلى المصالحة مع الذات ومع المحيط الشعبي بكل مكوناته الفكرية والثقافية والعقائدية..
