ليست أزمة الفكر الإسلامي في قلة النصوص، وإنما في الطريقة التي تعامل بها مع النصوص..

ليست أزمة الفكر الإسلامي في قلة النصوص، وإنما في الطريقة التي تعامل بها مع النصوص..
شارك

الصادق العثماني:

 من أكثر المفاهيم التي تعرضت لهذا الاختزال مفهوم الإيمان؛ فقد انتقل من كونه في القرآن الكريم حقيقةً وجوديةً متحركة، تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، إلى مفهوم كلامي جامد، انشغل العلماء بتعريفه وبتحديد حدوده المنطقية أكثر من انشغالهم باكتشاف مقاصده ووظيفته في بناء الإنسان. وهكذا تحول السؤال القرآني: كيف يصبح الإنسان مؤمنًا؟ إلى سؤال فلسفي آخر: ما هو الإيمان؟ ثم أصبح الجواب محصورًا في تعريفات متباينة، كل مدرسة تدافع عن صياغتها وكأنها تمثل الحقيقة النهائية.

إن القرآن الكريم لا يقدم تعريفًا اصطلاحيًا للإيمان، ولا يقيم عليه بناءً منطقيًا كما فعل المتكلمون، بل يعرضه بوصفه تجربة إنسانية شاملة، تبدأ بمعرفة الله، وتثمر اليقين، وتولد السكينة، وتنعكس عدلًا ورحمةً واستقامةً في واقع الإنسان. ولذلك فإن القرآن لم يسأل الناس: كيف تعرفون الإيمان؟ وإنما سألهم عن أثره في حياتهم، لأن قيمة الإيمان ليست في تعريفه، وإنما في قدرته على تغيير الإنسان.

وتأتي السنة النبوية لتؤكد هذا البناء القرآني بأوضح صورة في حديث جبريل المشهور، عندما جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان. فقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام بأنه: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا»، فجعل الإسلام عنوانًا للأعمال الظاهرة والشعائر العملية. ثم لما سأله عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، فاقتصر على أصول الاعتقاد، ولم يذكر الأعمال ضمن حقيقة الإيمان. وهذا التفريق النبوي ليس مجرد تنوع في التعبير، بل هو تأسيس منهجي يميز بين البعد الباطني الذي يقوم عليه الإيمان، والبعد العملي الذي يجسد الإسلام. فإذا اجتمع الاسمان افترق معناهما، وإذا انفرد أحدهما دخل فيه الآخر، وهو من القواعد الدقيقة التي قررها علماء الأصول في فهم النصوص الشرعية.

ومن هنا يلفت النظر أن القرآن يكرر في عشرات المواضع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وهذه الصيغة ليست مجرد أسلوب بياني، بل تحمل دلالة أصولية عميقة؛ إذ إن العطف يقتضي المغايرة، ولو كان العمل جزءًا من حقيقة الإيمان لما كان هناك معنى لعطفه عليه. فالقرآن يميز بين الأصل والثمرة، وبين الجوهر والأثر، وبين السبب والنتيجة. فالإيمان هو المنبع، والعمل هو الامتداد الطبيعي له، كما أن الشجرة غير ثمرتها، وإن كان الثمر لا يوجد عادة إلا بوجود الشجرة.

غير أن الفكر الكلامي، وهو يواجه صراعاته العقدية والسياسية، لم يبق وفيًا لهذا البناء القرآني والنبوي، بل أعاد تشكيل مفهوم الإيمان وفق حاجاته الجدلية. فأصبح السؤال: هل العمل جزء من الإيمان أم خارج عنه؟ وهل يزيد الإيمان وينقص؟ وهل مرتكب الكبيرة مؤمن أم كافر؟ وهي أسئلة فرضها الواقع السياسي والفكري أكثر مما فرضها النص القرآني، ثم تحولت مع الزمن إلى قضايا عقدية كبرى.

ومن هنا اشتهر تعريف الإيمان بأنه: « ما وقر في القلب وصدقه العمل ». ورغم ما يحمله هذا القول من قيمة تربوية عظيمة، فإنه لا يمثل نصًا نبويًا ثابتًا، كما أنه لا ينسجم تمام الانسجام مع الطريقة التي عرف بها الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث جبريل. فالعمل شاهد على صدق الإيمان وثمرة من ثماره، لكنه ليس جزءًا من حقيقته، وإلا لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أدخله في تعريف الإيمان كما أدخله في تعريف الإسلام.

أما المدرسة الأشعرية فقد اتجهت إلى أن الإيمان هو التصديق الجازم بما جاء به الوحي، وأن محل الإيمان هو القلب، أما النطق بالشهادتين فشرط لإجراء أحكام الإسلام في الدنيا، والأعمال من لوازم الإيمان وآثاره وليست من ماهيته. وقد أسهم هذا التصور في الحد من ظاهرة التكفير، لأنه ميز بين أصل الإيمان وبين كماله، وبين الاعتقاد وبين الامتثال العملي، وإن كان قد انشغل – شأنه شأن غيره من المدارس الكلامية – بالبحث عن الحد المنطقي للإيمان أكثر من انشغاله بوظيفته في صناعة الإنسان.

والذي يبدو من خلال القراءة المقاصدية للقرآن والسنة أن جميع هذه التعريفات، على اختلافها، قد تعاملت مع الإيمان باعتباره موضوعًا للتصنيف، بينما تعامل معه الوحي باعتباره مشروعًا للتحول. فالقرآن والسنة لا يريدان من الإنسان أن يحفظ تعريف الإيمان، وإنما أن يعيش الإيمان. ولذلك لم يجعل الوحي مركز الثقل في الجدل حول ماهيته، وإنما في تزكية القلب وإقامة العدل وصناعة الإنسان الصالح. ولهذا كان المنافقون يقومون بأعمال ظاهرة، ولم تنفعهم أعمالهم لغياب الإيمان، كما أن بعض المؤمنين وقعوا في الذنوب، ولم يسلبهم القرآن وصف الإيمان، لأن حقيقة الإيمان أعمق من مجرد الأداء العملي.

إن الإيمان، في الرؤية القرآنية، ليس فكرةً تسكن العقل، ولا لفظًا ينطق به اللسان، ولا حركةً تؤديها الجوارح، وإنما هو القوة التي توحد هذه الأبعاد جميعًا في اتجاه واحد هو عبودية الله واستخلاف الإنسان في الأرض. إنه حالة وجودية يعاد بها تشكيل الضمير، وتتحول بها الحرية إلى مسؤولية، والعلم إلى هداية، والعمل إلى رسالة. ومن هنا فإن الحاجة اليوم ليست إلى إعادة إنتاج الجدل الكلامي القديم، بل إلى تحرير مفهوم الإيمان من القيود التي فرضتها الصراعات التاريخية، والعودة به إلى فضائه القرآني والنبوي الرحب؛ حيث يصبح الإيمان مصدرًا للعمران لا للخصومة، وللمحبة والرحمة لا للإقصاء والكراهية، وللتزكية لا للتصنيف.. فالإيمان في القرآن ليس بطاقة هوية عقدية، وإنما هو مشروع دائم لصناعة الإنسان الذي أراده الله شاهدًا على الناس، وحاملًا لقيم العدل والرحمة والكرامة في أرض الله الواسعة.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *