فقه المواطنة والاغتراب للجاليات المسلمة في الغرب… مقاربة أصولية مقاصدية
الصادق العثماني:
لقد امتازت الشريعة الإسلامية بخاصيةٍ انفردت بها عن سائر الشرائع الوضعية، وهي الجمع بين ثبات الأصول ومرونة الفروع، وبين دوام المقاصد وقابلية الوسائل للتجدد بحسب تغير الزمان والمكان والأحوال. وهذه الخصيصة ليست مجرد وصف نظري، بل هي أساسٌ منهجي قام عليه البناء الأصولي للفقه الإسلامي، حتى قرر علماء الأصول أن الأحكام الاجتهادية ليست غايات في ذاتها، وإنما هي وسائل لتحقيق مقاصد الشريعة ورعاية مصالح المكلفين، وأن الاجتهاد يدور مع علله وجودًا وعدمًا، وأن الفتوى تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأعراف والأحوال، ما دامت النصوص القطعية والثوابت الشرعية محفوظة لا يعتريها تبديل ولا تغيير.
ومن هنا فإن النظر في واقع الجاليات المسلمة المقيمة في الدول الغربية يفرض على الفقيه المعاصر أن يتجاوز القراءة الحرفية لبعض الاجتهادات التاريخية، وأن يستحضر المقاصد الكلية للشريعة، وقواعدها العامة، قبل تنزيل الأحكام على واقع يختلف جذريًا عن الواقع الذي نشأت فيه كثير من اجتهادات الفقهاء المتقدمين.
فليس من منهج أهل الأصول أن يُنقل الحكم من بيئة إلى أخرى مع اختلاف علله ومناطاته، لأن ذلك يفضي إلى اضطراب الفتوى، وإهدار مقاصد التشريع، وهو ما نبه إليه الأئمة قديمًا حين جعلوا تحقيق المناط شرطًا لازمًا لصحة الاجتهاد.
وليس المقصود بهذا التقليل من شأن التراث الفقهي، أو الدعوة إلى القطيعة معه، فإن تراث الأمة هو ثمرة قرون طويلة من الاجتهاد والعلم، وهو المرجع الذي لا غنى للمجتهد عنه، غير أن الفرق كبير بين احترام التراث وبين تجميده، وبين الاستفادة من اجتهادات العلماء وبين تحويلها إلى أحكام أبدية لا تقبل المراجعة. فالفقهاء أنفسهم لم يدعوا العصمة لاجتهاداتهم، وإنما قرروا أن اجتهاد المجتهد مرتبط بزمانه ومكانه وما أحاط به من ظروف، ولذلك اختلفت فتاواهم باختلاف البيئات، بل تغير اجتهاد الإمام الواحد في المسألة الواحدة عندما تغير الواقع، كما هو معروف في اجتهادات الإمام الشافعي بين مذهبه العراقي ومذهبه المصري، وهو شاهد واضح على أن تغير الواقع قد يقتضي تغير الاجتهاد مع بقاء النصوص والمقاصد على حالها.
إن جانبًا مهمًا من الفقه السياسي الذي تشكل في القرون الأولى للإسلام كان وليد واقع دولي مختلف تمامًا عن العالم الذي نعيشه اليوم. فقد كانت الدولة آنذاك تُبنى على الانتماء الديني أو الإمبراطوري، وكانت العلاقات بين الأمم يغلب عليها منطق الحرب والهدنة، ولم تكن هناك مواثيق دولية ملزمة، ولا مفهوم للمواطنة المتساوية، ولا دساتير تكفل الحقوق لجميع السكان على اختلاف أديانهم.
وفي ذلك السياق ظهرت تقسيمات مثل دار الإسلام ودار الحرب ودار العهد، وهي تقسيمات اجتهادية قصد بها الفقهاء توصيف واقعهم السياسي والقانوني، ولم تكن نصوصًا شرعية مقصودة لذاتها، بدليل اختلاف الفقهاء أنفسهم في تعريفها وضوابطها وآثارها.
أما الدولة الوطنية الحديثة فقد قامت على أسس مختلفة؛ إذ أصبحت المواطنة هي مناط الحقوق والواجبات، وصار القانون العام هو المرجع في تنظيم العلاقات بين الأفراد، وأصبحت حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر مكفولة في كثير من الدول، كما نشأ نظام دولي جديد يقوم على الاتفاقيات والمواثيق والمؤسسات المشتركة. وهذه التحولات الكبرى تمثل تغيرًا حقيقيًا في مناط الأحكام الاجتهادية، الأمر الذي يجعل إعادة النظر في كثير من التطبيقات الفقهية القديمة ضرورة علمية قبل أن تكون مطلبًا فكريًا.
وقد قرر الإمام القرافي أن الجمود على المنقولات مع تغير الأعراف والوقائع ضلال في الدين، لأن الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد، وليس لإلزامهم بصور تاريخية فقدت عللها. كما قرر ابن القيم أن المفتي الذي يفتي الناس بمجرد المنقول من غير نظر في تغير الزمان والمكان والعرف والعادة فقد أضل وأُضل، لأن الفقه الحقيقي هو معرفة مراد الشارع في الواقع، لا مجرد حفظ الأقوال.
ومن هذا المنطلق فإن تنزيل كثير من الفتاوى القديمة المتعلقة بعلاقة المسلم بغير المسلمين، أو بالدولة، أو بالمجتمع، على واقع المسلمين في أوروبا والأمريكيتين وأستراليا، دون اعتبار لاختلاف المناطات، يوقع في إشكالات شرعية ومجتمعية كبيرة، إذ قد يؤدي إلى تصوير المسلم وكأنه يعيش في خصومة دائمة مع المجتمع الذي منحه حق الإقامة والمواطنة، أو إلى إشعاره بأنه غريب عن وطنه الذي ولد فيه أو نشأ فيه أو اختاره بإرادته، مع أن الإسلام لم يجعل الغربة وصفًا للأوطان، وإنما جعلها وصفًا للبعد عن الحق.
ومن القواعد الكبرى التي ينبغي استحضارها في هذا الباب أن الشريعة إنما جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأن الأحكام كلها دائرة مع هذه الغاية العظمى. ولذلك كانت المقاصد الخمسة؛ حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، هي الميزان الذي توزن به الاجتهادات، فما كان محققًا لها كان أقرب إلى روح الشريعة، وما كان معطلًا لها وجبت مراجعته مهما استند إلى اجتهادات سابقة.
فالمسلم الذي يعيش في دولة تحمي دمه، وتصون ماله، وتكفل له إقامة شعائره، وتحفظ له كرامته الإنسانية، لا يجوز أن يُدفع إلى خطاب فقهي يصنع القطيعة بينه وبين المجتمع، أو يزرع في نفسه الشعور بالصدام الدائم، لأن ذلك يناقض مقصد السلم، ويهدر مصلحة الدعوة، ويضر بمصالح المسلمين أنفسهم، فضلاً عن مخالفته للأصول العامة التي أمرت بالوفاء بالعهود، والعدل مع الناس، والإحسان إلى الخلق جميعًا.
ومن هنا فإن الحاجة إلى بناء فقه جديد للمواطنة والاغتراب ليست استجابة لضغط الواقع، ولا تنازلًا عن ثوابت الدين، وإنما هي استجابة لمقتضيات الاجتهاد الصحيح الذي يربط الأحكام بعللها، ويراعي اختلاف البيئات، ويستصحب مقاصد التشريع، ويحقق رسالة الإسلام في الرحمة والعدل والعمران.
