عبد الكريم الخطابي والاستقلال الناقص: كيف انتصر مشروع الدولة وخسر مشروع التحرير؟

عبد الكريم الخطابي والاستقلال الناقص: كيف انتصر مشروع الدولة وخسر مشروع التحرير؟
شارك

محمد السميري:

حين يتحدث المغاربة اليوم عن الاستعمار والاستقلال فإنهم يفعلون ذلك غالبًا من داخل الرواية الرسمية التي تقدم التاريخ وكأنه قصة بسيطة وواضحة: جاء الاستعمار، فقاومه الوطنيون، ثم عاد الملك من المنفى، فنال المغرب استقلاله، وانتهت القصة. لكن التاريخ الحقيقي أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فخلف هذه الرواية توجد صراعات كبرى بين مشاريع سياسية مختلفة، وداخل تلك الصراعات يبرز اسم عبد الكريم الخطابي باعتباره أحد أكثر الشخصيات إثارة للأسئلة في التاريخ المغربي المعاصر.

فالرجل الذي هزم إسبانيا في معركة أنوال سنة 1921، وأقام جمهورية الريف، وقاد واحدة من أعظم حركات التحرر في القرن العشرين، انتهى به الأمر رافضًا العودة إلى المغرب بعد الاستقلال، ومصرًا حتى وفاته سنة 1963 على أن المغرب لم يتحرر فعلًا. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ كيف يمكن لرجل قضى حياته يقاتل من أجل الاستقلال أن يرفض الاعتراف بالاستقلال عندما تحقق؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة إلى جذور الأزمة قبل الحماية نفسها.

قبل سنة 1912 لم يكن المغرب مستعمرة بالمعنى المباشر، لكنه لم يكن أيضًا دولة مستقلة بالمعنى الكامل. فمنذ القرن التاسع عشر بدأت الدولة المغربية تدخل في دوامة من الأزمات المالية والعسكرية والإدارية. كانت أوروبا تعيش الثورة الصناعية وتبني جيوشًا حديثة واقتصادات قوية، بينما كانت الدولة المغربية عاجزة عن مواكبة هذا التحول التاريخي. ومع كل هزيمة عسكرية أو أزمة مالية كانت التبعية للخارج تتعمق أكثر.

أصبحت الدولة تقترض الأموال من البنوك الأوروبية، وأصبحت القوى الأجنبية تحصل على امتيازات اقتصادية متزايدة، وأصبح السفراء والقناصل الأوروبيون يتدخلون في شؤون البلاد بشكل متصاعد. لم يدخل الاستعمار فجأة، بل دخل تدريجيًا عبر الاقتصاد والديون والامتيازات والتدخلات السياسية قبل أن يدخل عبر الجيوش.

في هذه المرحلة كان المخزن يحاول الحفاظ على بقائه أكثر من محاولته بناء دولة حديثة قادرة على مواجهة التحديات الجديدة. ولذلك لم يكن السؤال المركزي بالنسبة للنخب الحاكمة هو كيف نبني مجتمعًا قويًا، بل كيف نحافظ على النظام القائم في ظل الضغوط الخارجية المتزايدة. ومن هنا بدأت تتشكل الفجوة بين منطق المحافظة على السلطة ومنطق التحرر الوطني.

عندما فرضت فرنسا معاهدة فاس سنة 1912 لم يكن ذلك مجرد احتلال عسكري، بل كان إعلانًا عن نهاية مرحلة تاريخية كاملة. صحيح أن السلطان بقي موجودًا، وأن المؤسسات التقليدية استمرت شكليًا، لكن السلطة الفعلية انتقلت إلى المقيم العام الفرنسي. أصبحت القرارات الكبرى تصنع في الرباط وباريس أكثر مما تصنع داخل مؤسسات الدولة المغربية نفسها.

منذ ذلك الوقت ظهر اتجاهان مختلفان في التعامل مع الاستعمار.

الاتجاه الأول اعتبر أن موازين القوى لا تسمح بالمواجهة المباشرة، وأن المطلوب هو التكيف مع الواقع الجديد ومحاولة انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب عبر التفاوض والإصلاح التدريجي.

أما الاتجاه الثاني فكان يرى أن الاحتلال لا يمكن إصلاحه ولا التعايش معه، وأن أي مشروع وطني حقيقي يجب أن يبدأ بالمقاومة المسلحة والتحرير الكامل.

في هذا الاتجاه الثاني سيظهر عبد الكريم الخطابي.

لم يكن الخطابي مجرد قائد قبلي كما تحاول بعض القراءات اختزاله. لقد كان رجلًا مطلعًا على التحولات العالمية، درس العلوم الدينية واللغة والإدارة، وعمل فترة داخل مؤسسات الإدارة الإسبانية قبل أن يكتشف حدود الإصلاح من الداخل. ومع الوقت أصبح مقتنعًا بأن الاستعمار ليس مشروعًا لتحديث المغرب كما كانت تدعي القوى الأوروبية، بل مشروعًا للهيمنة والسيطرة ونهب الموارد.

عندما اندلعت حرب الريف لم يكن الخطابي يدافع عن قبيلته فقط، بل كان يحاول بناء نموذج سياسي جديد بالكامل. لهذا السبب لم يكتف بقيادة المقاومة العسكرية، بل أنشأ مؤسسات إدارية وقضائية وتنظيمية حديثة نسبيًا، وأعلن جمهورية الريف. كانت تلك التجربة تحمل في جوهرها فكرة مختلفة عن الدولة والمجتمع والسلطة.

لقد كان الخطابي يؤمن بأن الشعب هو مصدر الشرعية، وأن التحرر لا يتحقق عبر المفاوضات بين النخب، بل عبر مشاركة الناس أنفسهم في صنع مصيرهم. ولذلك كانت جمهورية الريف بالنسبة للاستعمار أكثر خطورة من الانتصارات العسكرية نفسها. فالجيوش يمكن هزيمتها، لكن الأفكار التي تفتح أفقًا جديدًا للشعوب يصعب القضاء عليها.

ولهذا السبب تحديدًا تحالفت فرنسا وإسبانيا لأول مرة بشكل واسع لسحق التجربة الريفية. لم تعد المسألة مجرد تمرد محلي كما كانت الدعاية الاستعمارية تزعم، بل أصبحت تهديدًا استراتيجيًا لمجمل النظام الاستعماري في شمال إفريقيا.

وهنا تظهر إحدى أكثر القضايا حساسية في التاريخ المغربي الحديث: علاقة المخزن بالحرب ضد الخطابي.

ففرنسا لم تعتمد فقط على قوتها العسكرية، بل سعت أيضًا إلى استخدام الشرعية السلطانية ضد المقاومة الريفية. وقد أشارت وثائق تاريخية متعددة إلى أن السلطات الاستعمارية دفعت في اتجاه تقديم الخطابي باعتباره خارجًا على السلطة الشرعية، وهو ما وفر غطاءً سياسيًا ودينيًا للحرب ضده. لم يكن الصراع إذن بين الريف والاستعمار فقط، بل أصبح أيضًا صراعًا بين تصورين مختلفين للشرعية السياسية: شرعية تستمد نفسها من المقاومة والتحرير، وشرعية تستمد نفسها من الاستمرارية التاريخية للمؤسسة السلطانية.

ومنذ تلك اللحظة بدأ يتشكل الشرخ الذي سيستمر لعقود بين مشروع عبد الكريم الخطابي ومشروع الدولة الذي سيتبلور لاحقًا بعد الاستقلال.

من هزيمة جمهورية الريف إلى صدام الخطابي مع الحركة الوطنية وحزب الاستقلال، وكيف ظهر الخلاف حول معنى الاستقلال نفسه.

عندما استسلم عبد الكريم الخطابي سنة 1926 لم يكن ذلك نتيجة هزيمة عسكرية بالمعنى التقليدي فقط، بل نتيجة اختلال هائل في موازين القوى. فبعد سنوات من القتال وجدت جمهورية الريف نفسها في مواجهة تحالف دولي ضخم ضم فرنسا وإسبانيا، استخدم مئات الآلاف من الجنود والطائرات والمدفعية والأسلحة الكيميائية. لقد كانت إحدى أولى الحروب في القرن العشرين التي استُخدمت فيها الغازات السامة بشكل واسع ضد السكان المدنيين والمقاتلين على السواء، وهي حقيقة أصبحت اليوم موثقة في عدد كبير من الدراسات الإسبانية والفرنسية والمغربية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس لماذا هُزم الخطابي عسكريًا، بل لماذا بقي مشروعه حيًا بعد الهزيمة؟

السبب أن الرجل لم يكن يقود مجرد حرب، بل كان يحمل تصورًا مختلفًا لمعنى التحرر. ففي الوقت الذي كانت فيه قطاعات واسعة من النخب المغربية تفكر في كيفية إصلاح العلاقة مع القوة الاستعمارية أو التخفيف من آثار الاحتلال، كان الخطابي يفكر في شيء آخر تمامًا: كيف يمكن للشعوب المغاربية أن تتحرر جذريًا من الهيمنة الأجنبية؟

ولهذا السبب لم تنته قصته بالمنفى.

بعد سنوات قضاها في جزيرة لارينيون بالمحيط الهندي تحت الرقابة الفرنسية، سنحت له الفرصة سنة 1947 أثناء نقله إلى فرنسا. فعندما توقفت السفينة في مصر حصل على اللجوء السياسي وبقي في القاهرة حتى وفاته سنة 1963. وهناك بدأت المرحلة الأقل شهرة في حياته، لكنها ربما كانت الأكثر أهمية من الناحية السياسية والفكرية.

في القاهرة لم يعد الخطابي قائد حرب ريفية فقط، بل أصبح أحد أبرز رموز حركات التحرر في العالم العربي وشمال إفريقيا. كانت مصر آنذاك مركزًا للحركات المناهضة للاستعمار، وكان المناخ السياسي يسمح بظهور مشاريع تتجاوز الحدود القطرية الضيقة.

من هذا المنطلق أسس سنة 1948 لجنة تحرير المغرب العربي، التي جمعت مناضلين من المغرب والجزائر وتونس. لم يكن هدف اللجنة إصلاح نظام الحماية أو تحسين شروط التفاوض مع فرنسا، بل تحرير كامل المنطقة المغاربية بواسطة المقاومة المسلحة.

هنا بدأ يظهر بوضوح التناقض بين رؤيتين مختلفتين للاستقلال.

الرؤية الأولى، التي كان يمثلها الخطابي، ترى أن الاستعمار منظومة شاملة لا تقتصر على الوجود العسكري. ولذلك فإن خروج الجنود الأجانب لا يعني بالضرورة نهاية الاستعمار. فقد يبقى النفوذ الاقتصادي، وقد تبقى التبعية السياسية، وقد تبقى البنية الإدارية التي أنشأها المستعمر، وقد تبقى النخب المرتبطة بمصالحه.

أما الرؤية الثانية، التي تبنتها قطاعات واسعة من الحركة الوطنية، فكانت أكثر براغماتية. فقد اعتبرت أن الظروف الدولية لا تسمح بحرب تحرير طويلة، وأن تحقيق استقلال سياسي معترف به دوليًا هو الخطوة الأولى، على أن تُستكمل بقية المهام لاحقًا.

في الظاهر يبدو الخلاف تقنيًا حول الوسائل، لكنه في العمق كان خلافًا حول طبيعة المشروع الوطني نفسه.

كان الخطابي ينظر إلى التحرير باعتباره عملية اجتماعية وسياسية واقتصادية متكاملة. أما كثير من قادة الحركة الوطنية فكانوا يركزون على بناء دولة وطنية مستقلة ولو داخل حدود التوازنات الدولية القائمة.

من هنا بدأت المسافة تتسع بين الخطابي وبعض قيادات الحركة الوطنية المغربية، وخاصة داخل حزب الاستقلال.

لقد كان الحزب يمثل القوة السياسية الأكثر تنظيمًا داخل المغرب خلال الأربعينيات والخمسينيات، ونجح في تعبئة قطاعات واسعة من المجتمع ضد الحماية. لكن ذلك لا يمنع من وجود خلافات جوهرية بينه وبين الخطابي.

فالحزب راهن أساسًا على العمل السياسي والضغط الدبلوماسي والتفاوض، بينما ظل الخطابي مقتنعًا بأن الاستعمار لا ينسحب إلا تحت ضغط السلاح.

وكان يرى أن فرنسا لا تتفاوض إلا عندما تشعر بأن تكلفة البقاء أصبحت أعلى من تكلفة الرحيل. ولذلك كان يعتبر أن المقاومة المسلحة ليست مجرد خيار من بين خيارات متعددة، بل شرطًا أساسيًا لأي استقلال حقيقي.

هذا الخلاف لم يكن مجرد نقاش نظري. فقد انعكس على المواقف العملية من الأحداث.

ففي الوقت الذي كان فيه الخطابي يدعو إلى تعميم الكفاح المسلح على كامل المغرب العربي، كانت قطاعات من النخبة الوطنية تبحث عن تسوية سياسية تنهي نظام الحماية وتسمح بقيام دولة مغربية مستقلة.

وهنا نصل إلى إحدى أكثر المحطات إثارة للجدل في التاريخ المغربي المعاصر: مفاوضات إيكس ليبان سنة 1955.

بالنسبة للرواية الرسمية، تمثل هذه المفاوضات خطوة حاسمة في طريق الاستقلال. أما بالنسبة للخطابي، فقد كانت تعبيرًا عن انتقال السلطة من الاستعمار المباشر إلى صيغة جديدة أكثر تعقيدًا.

لم يكن اعتراضه نابعًا من رفض الاستقلال في حد ذاته، بل من تصوره لطبيعة ذلك الاستقلال. فقد كان يخشى أن يؤدي الاتفاق إلى إعادة إنتاج البنية القديمة نفسها مع تغيير الواجهة فقط.

كان يسأل سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: ماذا يعني أن يرحل المستعمر إذا بقي الاقتصاد تابعًا؟ ماذا يعني رفع العلم الوطني إذا استمرت المصالح الأجنبية تتحكم في القرارات الكبرى؟ ماذا يعني الاستقلال إذا لم يشارك الشعب فعليًا في تقرير مصيره؟

هذه الأسئلة هي التي جعلته يرفض الاحتفال بما اعتبره كثيرون انتصارًا تاريخيًا.

وعندما حصل المغرب على استقلاله سنة 1956 لم يعد الخطابي إلى البلاد، رغم الدعوات المتكررة التي وُجهت إليه. وقد فُسر هذا القرار بطرق مختلفة، لكن الثابت أنه كان يرى أن معركة التحرير لم تنته بعد.

ومن هنا بدأ التناقض الكبير الذي سيطبع المغرب بعد الاستقلال: فبينما كانت الدولة الجديدة تسعى إلى ترسيخ سلطتها وبناء مؤسساتها، كانت فئات من المقاومين وجيش التحرير تعتبر أن أهداف الكفاح لم تتحقق بالكامل.

كانت الدولة تبحث عن الاستقرار، بينما كان آخرون يتحدثون عن استكمال الثورة.

وكان هذا التناقض مرشحًا للانفجار، خاصة في المناطق التي دفعت أثمانًا باهظة خلال سنوات المقاومة، وعلى رأسها الريف.

هناك، في المنطقة التي شهدت تجربة عبد الكريم الخطابي، لم يكن كثير من الناس ينظرون إلى الاستقلال بالطريقة نفسها التي كانت تنظر بها النخب السياسية في المدن الكبرى. فقد ظل الإحساس قويًا بأن الريف قدم تضحيات هائلة، لكنه وجد نفسه مهمشًا داخل الترتيبات الجديدة.

ومن هذه الأرضية ستولد الأزمة التي ستنفجر بعد سنوات قليلة في أحداث الريف أواخر الخمسينيات.

من الاستقلال إلى انتفاضة الريف 1958-1959، وموقف الخطابي من الدولة الجديدة، وإشكالية الذاكرة والتاريخ والصراع حول من يملك رواية الماضي.

إذا كان الجزء الأول من هذه الدراسة قد تناول أزمة الدولة المغربية قبل الحماية وصعود مشروع عبد الكريم الخطابي، وإذا كان الجزء الثاني قد توقف عند الصدام بين منطق التحرير الشامل ومنطق الاستقلال التفاوضي، فإن الجزء الأخير يقودنا إلى السؤال الذي ما زال يثير الجدل إلى اليوم: ماذا حدث بعد الاستقلال؟ ولماذا ظل اسم عبد الكريم الخطابي حاضرًا في النقاش السياسي المغربي رغم أنه لم يعد إلى بلده بعد سنة 1956؟

لفهم هذه المرحلة يجب التحرر أولًا من صورة مبسطة ترسخت في الوعي العام، وهي أن الاستقلال كان نهاية الصراع. ففي الواقع، بالنسبة إلى عدد من المقاومين وجيش التحرير، لم يكن الاستقلال سوى بداية مرحلة جديدة من الصراع حول طبيعة الدولة التي ستقوم بعد رحيل الإدارة الاستعمارية المباشرة.

كان هناك تصوران مختلفان للمستقبل.

التصور الأول، الذي انتصر عمليًا، كان يرى أن الأولوية هي بناء دولة مركزية قوية، قادرة على فرض الاستقرار وتوحيد البلاد وإعادة بناء المؤسسات. ومن هذا المنظور اعتُبرت أي قوة مسلحة خارج إطار الدولة تهديدًا لوحدتها.

أما التصور الثاني، الذي كان قريبًا من رؤية الخطابي وعدد من قادة جيش التحرير، فكان يرى أن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا بتحول اجتماعي واقتصادي عميق، وباستمرار الضغط من أجل تصفية بقايا النفوذ الاستعماري واستكمال تحرير ما تبقى من الأراضي الخاضعة للسيطرة الأجنبية.

كان الصدام بين هذين المنطقين شبه حتمي.

فالدولة الجديدة كانت تريد احتكار الشرعية والسلاح والقرار السياسي، بينما كانت فئات من المقاومين تنظر إلى نفسها باعتبارها صاحبة الفضل الأكبر في التحرير وترفض أن تتحول إلى مجرد صفحة من الماضي.

في هذا السياق برزت قضية الريف من جديد.

فالريف لم يكن مجرد منطقة جغرافية في شمال المغرب، بل كان يحمل ذاكرة خاصة. هناك وقعت معركة أنوال، وهناك نشأت جمهورية الريف، وهناك تعرض السكان للقصف المكثف خلال حرب العشرينيات. ولهذا ظل الوعي السياسي في المنطقة متأثرًا بتجربة مختلفة عن كثير من مناطق البلاد.

بعد الاستقلال شعر جزء من سكان الريف بأن تضحياتهم لم تُترجم إلى مشاركة فعلية في السلطة أو التنمية. وتراكمت الشكاوى المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، قبل أن تتحول إلى احتجاجات واسعة أواخر سنة 1958.

ومنذ ذلك الحين دخل المغرب واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخه المعاصر.

تعاملت الدولة مع الأحداث باعتبارها تمردًا يهدد الاستقرار والوحدة الوطنية، بينما نظر إليها كثير من أبناء المنطقة باعتبارها تعبيرًا عن مطالب اجتماعية وسياسية مشروعة. وبين الروايتين بقيت الحقيقة التاريخية موزعة بين شهادات متعددة ووثائق لم يُكشف عن جميعها بعد.

الثابت تاريخيًا أن العمليات العسكرية التي رافقت تلك الأحداث كانت عنيفة، وأن المنطقة عرفت اعتقالات واسعة وسقط فيها قتلى وجرحى، وأن آثار تلك المرحلة تركت جروحًا عميقة في الذاكرة الجماعية للريف.

أما فيما يتعلق باستعمال أسلحة كيميائية خلال أحداث 1958-1959، فالمؤكد والموثق هو استخدام فرنسا وإسبانيا للغازات السامة أثناء حرب الريف في عشرينيات القرن العشرين.

لكن بغض النظر عن تفاصيل هذه النقطة، فإن ما لا خلاف عليه هو أن الريف خرج من تلك المرحلة وهو يحمل شعورًا قويًا بالخذلان التاريخي. فقد رأى كثير من أبنائه أن المنطقة التي قدمت واحدة من أعظم تجارب المقاومة في تاريخ المغرب وجدت نفسها بعد الاستقلال في موقع الشبهة بدل موقع التكريم.

في هذه الأثناء كان عبد الكريم الخطابي يتابع الأحداث من القاهرة.

لقد رفض العودة إلى المغرب ليس لأنه رفض فكرة الدولة الوطنية، بل لأنه كان يرى أن المشروع الذي ناضل من أجله لم يتحقق بالكامل. ومن خلال تصريحاته ورسائله خلال سنواته الأخيرة يتضح أنه ظل مقتنعًا بأن التحرر الحقيقي لا يقتصر على استبدال الإدارة الأجنبية بإدارة وطنية، بل يقتضي تحرير الاقتصاد والسياسة والإرادة الشعبية من كل أشكال التبعية.

وهنا تكمن أهمية الخطابي التاريخية.

فالرجل لا يمثل فقط قائدًا عسكريًا انتصر في معركة أنوال، بل يمثل أيضًا سؤالًا لم يُحسم إلى اليوم: ما معنى الاستقلال؟

هل الاستقلال هو استرجاع السيادة القانونية للدولة فقط؟

أم هو أيضًا إعادة توزيع السلطة والثروة وتحقيق المشاركة الشعبية والعدالة الاجتماعية؟

هل يكفي أن يرحل المستعمر لكي نعتبر أن مشروع التحرر قد اكتمل؟

أم أن التحرر عملية طويلة قد تستمر لعقود بعد خروج الجيوش الأجنبية؟

هذه الأسئلة هي التي جعلت الخطابي يتجاوز حدود زمنه. فسواء اتفق المرء مع مواقفه أم اختلف معها، يصعب إنكار أنه كان ينظر إلى القضية الوطنية من زاوية أوسع من مجرد إنهاء الحماية.

ومن هنا يمكن فهم سبب استمرار الجدل حوله حتى اليوم.

فالتاريخ ليس مجرد صراع بين أشخاص، بل هو صراع بين رؤى مختلفة للمستقبل. وفي المغرب الحديث يمكن القول إن المواجهة الحقيقية لم تكن فقط بين الاستعمار والمقاومة، بل كانت أيضًا بين تصورين للتحرر: تصور رأى أن بناء الدولة هو الأولوية القصوى حتى لو اقتضى ذلك التسويات والتدرج، وتصور آخر رأى أن أي تسوية لا تحقق التحرير الكامل قد تتحول إلى شكل جديد من أشكال الاستمرار التاريخي للنظام القديم.

لقد انتصر مشروع الدولة من الناحية السياسية والمؤسساتية، وأصبح هو الرواية الرسمية التي دُرست في المدارس واحتلت موقعها في الذاكرة الوطنية. أما مشروع الخطابي فقد خسر معركة السلطة، لكنه لم يختفِ من التاريخ، لأنه بقي يعيش في صورة السؤال الذي لم يتوقف المغاربة عن طرحه جيلاً بعد جيل:

هل كان الاستقلال الذي تحقق سنة 1956 نهاية معركة التحرر، أم كان بداية فصل جديد منها؟

وربما لهذا السبب بالذات ما زال عبد الكريم الخطابي، بعد أكثر من ستة عقود على وفاته، حاضرًا في النقاش العمومي أكثر من كثير من السياسيين الذين انتصروا عليه في زمنهم. فالأشخاص قد يغيبون، أما الأسئلة الكبرى التي يطرحونها فغالبًا ما تبقى حية أطول من الجميع.

المراجع:

•  محمد العربي المساري، محمد عبد الكريم الخطابي: آراء ومواقف (1926-1963).

•  محمد العربي المساري، عبد الكريم الخطابي والتاريخ المحاصر.

•  عبد الله العروي، تاريخ المغرب: تحيين وتركيب.

•  ماريا روسا دي مادارياغا، محمد بن عبد الكريم الخطابي والكفاح من أجل الاستقلال.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *