الصهيونية كاختراع أوروبي: قراءة نقدية في سياق الإمبريالية، العلمانية، والنص الديني

شارك

محمد السميري:

لقد مثّل كتاب سونيا دايان هيرتسبرون، الصهيونية، اختراع أوروبي: نشأة أيديولوجيا، الصادر عن دار لوكس إيديتور، 2025، مساهمة مفصلية في إعادة النظر في جذور الصهيونية ونقد الإيديولوجيا التي قامت عليها. تبيّن هيرتسبرون، المنضوية فكريًا في سياق فلسفة فرانز فانون وتأثيرات إدوارد سعيد، أن الصهيونية لم تكن امتدادًا طبيعيًا للتقاليد الدينية اليهودية الحاخامية، بل هي اختراع أوروبي يستمد جوهره من شبكات الهيمنة التي أنجبتها الحداثة الاستعمارية الأوروبية. من هنا يتضح أن المشروع الصهيوني هو نتاج تاريخي وسياسي يلتقي فيه خطاب القومية الحديثة مع الإمبريالية الأوروبية وتوظيف النص الديني لخدمة أغراض استيطانية، وليس نتيجة رغبة روحية أو دينية طبيعية.

يفتح هذا الطرح نافذة نقدية لإعادة قراءة ليس فقط تاريخ الصهيونية، بل أيضًا الدور الأوروبي في ترويجها ودعمها، وفي الوقت نفسه يكشف عن ازدواجية مزعجة في الخطاب الأوروبي المعاصر تجاه ما يُسمّى بـ »العلمانية ». فبينما تدافع أوروبا عن العلمانية على المستوى النظري، فإنها، حين يتعلق الأمر بالصهيونية، تتغاضى عن استخدام الإيديولوجية الدينية لتبرير أطروحات استيطانية، فتُكيل المكيالَين: علمانية تُستعاد كقيمة حميدة في المناخ السياسي العام، وأخرى تُغضُّ عنها حين تخدم شرعية مشروع سياسي استعماري. هذه الممانعة الأوروبية في مواجهة الطروحات النقدية للصهيونية تعكس في جوهرها اللّا تفكير الاستعماري الذي حدده سعيد في تحليله للاستشراق، والذي يستمر في تشكيل الأدوات الفكرية والسياسية التي تتعامل بها أوروبا مع التاريخ ومستقبل فلسطين.

يمكن فهم الصهيونية، وفق هيرتسبرون، كاستجابة قومية أوروبية حديثة، وليست امتدادًا طبيعياً للتاريخ الديني اليهودي. ففي كتابه الدولة اليهودية (1896)، وضع تيودور هيرتزل فكرة الدولة اليهودية كحلّ لـ »المسألة اليهودية » في أوروبا الحديثة. غير أن هذه الفكرة لم تنشأ في فراغ؛ بل كانت تماهيًا مع مشاريع القومية الأوروبية الحديثة التي رأَت في وجود دولة قومية هوية للتعبير عن كينونة شعب. وبناءً على ذلك فإن التحوّل من مفهوم « اليهودي الذي يصلي » إلى « اليهودي كأمة سياسية » ليس وليد نصوص دينية بقدر ما هو نتاج شبكة من الأفكار السياسية ومناخات الهيمنة الأوروبية الحديثة (انظر ياكوف ي. باور، السؤال اليهودي، 1974).

تكمن أهمية هيرتسبرون في أنها لا تقف عند مجرد تحليل سياسي أو تاريخي؛ بل تمتد إلى مقاربة نقدية للنص الديني نفسه الذي يُستغل في السياق السياسي. ففي حين يرى التراث اليهودي التقليدي في التوراة نصًا روحيًا وشعائريًا، فإن المشروع الصهيوني المبكر عمل على تحويل هذا النص إلى خارطة تاريخية وجغرافية تُبرّر إقامة كيان سياسي على أرض فلسطين. هذا التأويل الحرفي للنص الديني وإخراجه من سياقه التاريخي، يذكرنا بتحليل إدوارد سعيد في الاستشراق (1978) الذي يبيّن كيف يُستَخدم الخطاب لتقديم صورة مفيدة للسلطة، ويتجاوز هدفه الحقيقي بوصفه أداة للفهم. ومع ذلك، فإن التأويل الصهيوني للتوراة كان في جوهره سياسيًا واستعماريًا أكثر من كونه قراءة دينية صرفًا.

تاريخيًا، لم يكن هناك، قبل القرن التاسع عشر، فهم موحّد لفكرة « العودة إلى الأرض » تقود الجماعات اليهودية في الشتات إلى السعي لترسيخ كيان سياسي في فلسطين. كانت الصلاة باتجاه القدس والمفهوم الصوفي للحنين جزءًا من الممارسة الدينية، وليس خطة سياسية لإقامة دولة ذات سيادة. ومع بزوغ عصر القومية الأوروبية، أخذت الأفكار تتقاطع بين حاجات الدولة الأمة لتعريف نفسها كهوية متجانسة، وبين فكرة امتلاك أرض خاصة تستند إلى سرديات تاريخية تم تفسيرها بعين قومية.

خلال المرحلة المبكرة لتطبيق المشروع، لعبت القوى الإمبريالية الأوروبية، وبالأخص بريطانيا العظمى، دورًا جوهريًا في تيسير إقامة قواعد الاستيطان اليهودي في فلسطين بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية. وقد أظهر الباحث رشيد الخالدي في كتابه مائة عام من الحرب على فلسطين (2020) أن إعلان وعد بلفور لم يكن مجرد خطاب دبلوماسي بعيد عن الاستراتيجيات الإمبريالية، بل كان تعبيرًا عن توافق بين المصالح الاستعمارية البريطانية والطموحات الصهيونية في تثبيت الوجود الأوروبي في الشرق الأوسط. ولم يقتصر الدعم على الحسنة الدبلوماسية بل امتد ليشمل بنى إدارية وقانونية مكنت من توسيع نفوذ الهجرة اليهودية، وتأسيس مؤسسات اقتصادية وسياسية من أجل المشروع القومي الجديد.

ومع تراجع الهيمنة البريطانية تدريجيًا بعد الحرب العالمية الثانية، لم تتراجع الإمبريالية، بل انتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية كقوة دولية صاعدة. وهذا الانتقال لم يكن عابرًا؛ فقد أخذت الولايات المتحدة نهجًا يشبه في جوهره النمط الاستعماري الأوروبي في ممارساته، لا سيّما في سياسته الداخلية تجاه السكان الأصليين من الهنود الحمر، والذين طُرح عليهم نفس المنطق: أرض « فارغة » تستحق أن تُملَك وتُستغل من قبل الغزاة القادمين. وقد باتت الولايات المتحدة، منذ منتصف القرن العشرين، الراعي الرئيسي للمشروع الصهيوني، سياسيًا وعسكريًا، بل وأيديولوجيًا في بعض المواقف، مما مكن من ترسيخ المشروع وتطويره عبر دعم لا محدود في المحافل الدولية، اقتصاديًا، وأمنيًا، ودبلوماسياً.

في تحليلٍ معاصر، أثبت إيلان بابي في كتابه التطهير العرقي لفلسطين (2006) كيف أن الاستراتيجية الصهيونية ليست مجرد احتلال مرحلي للأرض، بل عملية منظمة لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي لصالح الدولة اليهودية الجديدة. هذا التوثيق التاريخي يكمل تحليل هيرتسبرون من حيث ارتباط الإيديولوجيا الاستعمارية بنتائج فعلية على الأرض: تهجير جماعي للسكان الأصليين الفلسطينيين واستبدالهم ببنية اجتماعية وديموغرافية جديدة. كما قدم ماكسيم رودينسون في دراسته عن طبيعة الدولة الصهيونية (1973) وجهة نظر مؤيدة لتحليلها باعتبارها دولة استعمارية استيطانية بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ.

تكمن أهمية طرح هيرتسبرون في أنه يكسر السرديات التقليدية التي تُقدّم الصهيونية كحركة تحرر قومي طبيعي، أو كاستجابة لاضطهاد ديني تاريخي. فهذه السرديات غالبًا ما تُستخدم لإضفاء شرعية على ممارسات هي في جوهرها أيديولوجية وسياسية. ونرى في ذلك صدى التحليل الذي قدمه إدوارد سعيد حين تحدث عن كيفية إعادة تشكيل التاريخ لخدمة السلطة، وكذلك في الموقف الفانوني من أن الاستعمار يستهدف السيطرة على الذات واللغة والتاريخ وليس فقط السيطرة على الأراضي. لذا فإن قراءة هيرتسبرون تعيد الاعتبار إلى الحقيقة التاريخية وتكشف عن ازدواجية الخطاب الأوروبي: الدفاع عن العلمانية حين يتعلّق الأمر بقيم عامة، والتساهل مع التوظيف الديني حين يخدم مصالح سياسية واستراتيجية.

الأمر لا يقتصر على مجرد نقد الماضي، بل يشمل تأملاً في المستقبل السياسي: إذا ظلت الصهيونية معلّقة على سردية دينية مترابطة مع دعم القوى الاستعمارية، فسيستمر العنف والاستبعاد. أما إذا تم الاعتراف بالطابع التاريخي السياسي للصهيونية، وتجاوز قراءة النص الديني كمرجع جغرافي، فإن ذلك يفتح باب التفكير في بدائل سياسية تحقق العدل والمساواة للسكان الفلسطينيين والإسرائيليين على حدّ سواء، كما تشير بعض المناهج المقارنة التي تدعو إلى دولة مشتركة أو أطر جديدة للتعايش تتحرّر من الثنائيات الاستعلائية.

في نهاية المطاف، لا يمكن فصل تحليل هيرتسبرون عن السياقات التاريخية والسياسية التي تشكلت فيها الصهيونية، ولا عن الأيديولوجيات التي دعمها الغرب، سواء في مرحلة الإمبراطورية البريطانية أو في فورة الهيمنة الأمريكية. إن طرحها ليس مجرد نقد نظري، بل دعوة لإعادة التفكير في الأسس التي بُنيت عليها السياسات الدولية تجاه فلسطين وإسرائيل، وفي كيفية قراءة التاريخ والنصوص التي طالما استُخدمت لتبرير الهيمنة والاستيطان.

       المراجع

  • فرانز فانون، المقهورون في الأرض.
  • إدوارد سعيد، الاستشراق.
  • رشيد الخالدي، مائة عام من الحرب على فلسطين.
  • إيلان بابي، التطهير العرقي لفلسطين.
  • ماكسيم رودينسون، إسرائيل: دولة استعمارية استيطانية؟
  • ياكوف ي. باور، السؤال اليهودي: خلفيته التاريخية وحلوله المختلفة.
  • تيودور هيرتزل، الدولة اليهودية.
  • سونيا دايان هيرتسبرون، الصهيونية، اختراع أوروبي. نشأة أيديولوجيا

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *