القنيطرة بين أمجاد الذاكرة وارتباك الحاضر.. دينامية العامل وانتظارات الإقلاع

شارك

ادريس السدراوي :

ليست القنيطرة مجرد مدينة عابرة في الخريطة، بل هي حكاية مغربية عميقة الجذور، كُتبت فصولها بين ضفاف نهر سبو وامتداد المهدية، حيث تعاقبت الأجيال على صناعة مجد اقتصادي وزراعي وصناعي جعل منها، في زمن قريب، قطبًا واعدًا في شمال غرب المملكة. كانت المدينة عنوانًا للحيوية، وفضاءً لتلاقي الفلاحة والصناعة والخدمات، ومجالًا مفتوحًا أمام طموحات الطبقة الوسطى..

غير أن هذه الصورة بدأت تتآكل تدريجيًا؛ فالقنيطرة التي كانت تنافس وتفرض حضورها، أضحت تعرف تراجعًا ملحوظًا على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ لم تعد بنفس القدرة على استقطاب الاستثمار، ولا على خلق فرص الشغل الكافية لاستيعاب طاقات شبابها، كما تراجعت دينامية الفعل الثقافي، وضاق هامش المبادرات الاجتماعية، لتجد نفسها في موقع التبعية لمدن الجوار، بدل أن تكون شريكًا متكافئًا في التنمية..

دينامية ميدانية تقودها السلطة الإقليمية

ورغم هذا التراجع، تبرز مؤشرات إيجابية لا يمكن تجاهلها، من خلال حركية واضحة في عدد من الأوراش المرتبطة بتأهيل البنية التحتية، وتحسين الفضاءات العمومية، وتعزيز سياسة القرب؛ وهي جهود تُسجل للسلطة الإقليمية، وعلى رأسها عامل الإقليم، الذي اختار الاشتغال الميداني والتتبع اليومي للمشاريع، في محاولة لإعادة التوازن لمدينة أنهكتها سنوات من الانتظارية؛كما شكلت لحظة الفيضان التي عرفتها بعض مناطق الإقليم اختبارًا حقيقيًا لنجاعة التدبير الترابي، حيث برز حضور العامل ميدانيًا إلى جانب مختلف المتدخلين، في تعبئة سريعة لمواجهة تداعيات الأزمة، ومواكبة المتضررين، بما عكس مقاربة قائمة على القرب والتفاعل المباشر مع انشغالات الساكنة..

غير أن مرحلة ما بعد الأزمة تطرح تحديات لا تقل أهمية، خاصة في ما يتعلق بالتعويضات المادية عن الأضرار، ووضعية البنايات المتضررة أو المهددة؛ وهي ملفات تتطلب تسريع المعالجة، وضمان الشفافية والإنصاف، بما يحفظ كرامة المتضررين ويعزز منسوب الثقة ؛اوراش مهيكلة وانتظارات معلقة ؛موازاة ذلك، لا تزال المدينة في حاجة إلى تسريع إخراج عدد من الأوراش المهيكلة المرتبطة بالتشغيل، وتأهيل الأحياء، وتعزيز البنيات الثقافية والرياضية، وتحسين جاذبية الاستثمار؛ فالتحدي لا يكمن فقط في إطلاق المشاريع، بل في ضمان نجاعتها واستدامتها ضمن رؤية استراتيجية واضحة..

كما يظل ملف الأراضي السلالية من بين القضايا التي تستوجب معالجة دقيقة وعادلة، في ظل مطالب متزايدة لذوي الحقوق بضرورة الوضوح والإنصاف، بما يحول هذا الملف من مصدر توتر إلى رافعة للتنمية المحلية..

مدن بدون صفيح.. الحاجة إلى مقاربة اجتماعية

وفي سياق برنامج “مدن بدون صفيح”، تبرز إشكالية إقصاء بعض الأسر من الاستفادة، رغم أوضاعها الاجتماعية الهشة. فبين احترام الضوابط القانونية، وضرورة اعتماد مقاربة اجتماعية منصفة، يظل التحدي قائمًا في إيجاد حلول تحفظ كرامة المواطنين، وتجنب إعادة إنتاج الهشاشة في أشكال جديدة..

غياب الانسجام السياسي

في مقابل هذه الدينامية الإدارية، يطرح سؤال جوهري حول دور المنتخبين، سواء على مستوى البرلمان أو المجالس المنتخبة، حيث يلاحظ غياب مبادرات قوية قادرة على مواكبة هذه الجهود أو تعزيزها. بل إن بعض الممارسات، في حالات معينة، تعكس اختلالًا في فهم أدوار المسؤولية التمثيلية، وتطرح تساؤلات حول مدى التزام بعض الفاعلين السياسيين بقضايا المدينة..

الرياضة.. مؤشر على تراجع أعمق

ولا يمكن الحديث عن وضع القنيطرة دون التوقف عند تراجع النادي القنيطري، أحد رموز الكرة الوطنية، والذي يعيش أزمة متعددة الأبعاد. هذا التراجع لا يعكس فقط وضع فريق، بل يعكس جزءًا من واقع المدينة، حيث تتقاطع إشكالات الحكامة وضعف الاستثمار في الشباب والبنيات التحتية..

خاتمة

القنيطرة اليوم أمام فرصة حقيقية لاستعادة توازنها، في ظل دينامية ميدانية واضحة تقودها السلطة الإقليمية، وعلى رأسها عامل الإقليم، الذي أبان عن حضور فعلي وتفاعل مباشر مع انتظارات الساكنة، ان هذه المقاربة تستحق التثمين والدعم، غير أن تحقيق الإقلاع الحقيقي للمدينة يظل رهينًا بانخراط باقي المتدخلين، خاصة المنتخبين والمؤسسات المعنية، في نفس منسوب الجدية والالتزام، وبنفس الإيقاع العملي فبرهان المرحلة اليوم ليس في تشخيص الأعطاب، بل في توحيد الجهود، وتسريع وتيرة العمل، وجعل مصلحة القنيطرة فوق كل اعتبار..

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *