من أوجه الشبه بين السياسة والنخاسة أن يرتدي « ذئب » وزرة الإنقاذ…!
بقلم حسن برني زعيم
ها قد حل الموسم السنوي لـ « التوبة السياسية »: فقد بدا شيء كالنفاق يعبر الجهات ومتاجر المواقف والتز كيات والانتقالات وسيناريوهات فصول تشكيل الحكومات.
ومع اقتراب موعد ترميم صناديق الاقتراع وطلائها، فتحت فجأة « حنفيات » الحنان السياسي. وفجأة، تذكرت أحزابنا الموقرة—سواء تلك التي تتربع على كراسي « التدبير » الآن أو التي كانت « تؤثث » المشهد سابقاً—أن هناك مواطنا يطحنه غلاء المحروقات، وأن قفة العيش أصبحت أثقل من برامجها الانتخابية.
إنه مشهد سريالي بامتياز؛ أحزاب شاركت وباركت، أو « بصمت » بالعشرة على قرارات تحرير سوق المحروقات، تأتي اليوم لتتباكى على سعر اللتر الواحد منها! وكأن الذي وقع على « التحرير » كان كائنا فضائيا وليس وزيرا « محترما » ينتمي لنفس الهيئة التي تطالب اليوم بالإنقاذ. إنها عمليات « الماكياج » السياسي في أبشع تجلياته، حيث يراد للمواطن أن ينسى أن من أشعل الحريق هو نفسه من يرتدي اليوم خوذة الإطفائي.
ماذا عن إرث « الخوصصة » و »المغادرة الطوعية »؛ (أو حينما بدأ القضم في عظم الدولة):
لا يمكن فهم هذا العبث دون العودة إلى « الجنايات » التاريخية التي ارتكبتها حكومات « التناوب » وما تلاها وما قبلها، فمنذ أن فتحت حكومة التناوب في عهد عبد الرحمن اليوسفي باب الخوصصة على مصراعيه مابين 1998 و2002، والقطاع العام يباع « بالتقسيط » تحت مبررات التحديث. ثم جاءت « عبقرية » المغادرة الطوعية التي أفرغت الإدارة من أدمغتها، وصولا إلى طعن التعليم عبر عملية تقليص ساعات الدراسة في بعض المواد وزيادة عدد الأقسام في برنامج الأستاذ وكأن عقل التلميذ المغربي يحتاج « حمية » معرفية، إذ عمل حرمان التلاميذ من « التفويج » على تحويل القسم إلى ما يشبه «علبة سردين بشرية » بصيغة الاكتظاظ الناعم!
وحينما نزلت بدعة « التعاقد » جعلت الأستاذ يعيش حالة اضطراب في وظيفته حينما يقارن وضعيته بموظفي الدولة. ولم تكتف حكومة عبد الإله بنكيران بهذا بل حددت سن التوظيف في ثلاثين سنة! وهذا ما حرم فئة عريضة من الشباب من الاتحاق بقافلة المتعاقدين.
وأما ساعة « غرينيتش » الموءودة فقد كانت من عبقريات الفكر المحافظ! تلك الساعة الزائدة التي سرقت من نوم المغاربة ومن فجر أطفالهم، فقط لترضى عنا « بورصات » الخارج وبنوكه وشركاته العابرة للقارات؛ والغريب في هذا أن الأحزاب التي دافعت عنها ورسختها هي التي تتبنى اليوم مشروع إلغائها! وما ذلك سوى ركوب على موجات احتجاج المجتمع.
وأما الأسعار الحارقة من الغاز إلى الفرماج فقد انتبهت إليها الأحزاب المتناطحة على الكراسي انتباهة مفاجئة قبيل موعد الانتخابات…!
ولنذكر بديناصورات الكراسي؛ تلك الوجوه التي « شاخت » ولم تشبع!
أما المشهد الأكثر « كوميديا » (أو تراجيديا)، فهو زحف هذه الوجوه « المحنطة » التي صار الشيب ناطقا باسمها والتي تاهت بين مشية الغراب ومشية الحمامة، وباتت تعتقد أنها وجوه صالحة لكل العصور، من عهد « الفاكس » إلى عهد « الذكاء الاصطناعي »، وما زالت توزع الوعود نفسها بأسنان بديلة. هؤلاء الذين « شاخوا » في الكراسي حتى سمعناها تستغيث، لا يجدون حرجا في الحديث عن « التشبيب » و »التغيير »، وهم العقبة الأولى أمام أي تغيير أو تشبيب حقيقي.
وأما حمى « المستقلين » فقد انتشرت من « البحر » إلى « البرلمان ». ففي خصم العبث الحزبي ظهر مترشحون مستقلون » كالفطر بعد المطر، ولعل نموذج « المراكشي الحوات » ليس إلا عينة من هذا المشهد؛ حيث يختلط « البيزنس » بالسياسة، وتصبح « السمكة » شعارا للصيد في مياه الانتخابات وتياراتها الجارفة، ولعل في هذه القفزة محاولة لغسل اليد من دماء الأحزاب الملطخة بالفشل، عبر ركوب صهوة « الاستقلالية » للوصول إلى «الغنيمة » نفسها.
فهل نحن أمام انتخابات أم « تكرير » للمخزون القديم؟
إن ما نراه اليوم ليس صراع برامج، بل هو » مزاد علني في بازار كبير «، فالأحزاب تبيعنا الوهم مغلفا بورق « السلوفان »، والوجوه القديمة تحاول بوسيلة « بوتوكس » التجاعيد السياسي للبقاء في المشهد.
ولكن، عندما يسمع المواطن أن حزبا كان في الحكومة (أو ما يزال) ينتقد غلاء الأسعار، لا شك سيتذكر جيدا من وضع القوانين التي تسمح بهذا الغلاء. وسيظل يتذكر أن السياسة في بلادنا ليست « فن الممكن »، بل هي « فن نسيان ما فعله هؤلاء بنا بالأمس ».
فلنربط الأحزمة… العرض الكوميدي الانتخابي قد بدأ، والتذاكر أصوات ووعود وتزكيات وذكريات. فهل ما مضى هو نفسه آت…؟
