قاطرة التطور البشري بين طموح البناء وسيف العنف.
بقلم، محمد خوخشاني.
بقلم، محمد خوخشاني.
يشبه التاريخ البشري مسيرة معرفية طويلة، تتخللها ومضات من العبقرية وسيول من الدماء. من أولى الأدوات الحجرية إلى الخوارزميات التنبؤية، لم يتوقف الإنسان عن دفع حدوده. غير أن العنف، في كل قفزة إلى الأمام، يذكّر بوجوده – ليس كحادث عابر، بل كنزعة بنيوية قادرة على تحويل قرون من التقدم إلى غبار. واليوم، يعيد هذا التهديد تشكيل نفسه: حروب هجينة، إرهاب معولم، قانون الأقوى متنكراً في ثياب الواقعية السياسية. لم يعد السؤال هو ما إذا كانت البشرية قادرة على الابتكار، بل ما إذا كانت ستستطيع منع نفسها من الهاوية.
أولاً: خيط الزمن – عندما تدفع الثورات ثمنها بالدم.
لكل تحول تقني أو ديموغرافي كبير ظله الممتد.
● عصور ما قبل التاريخ والثورة الزراعية: قبل 12 ألف سنة، رفع الاستقرار السكاني عدد سكان العالم من بضعة ملايين إلى 250 مليون نسمة في عهد الإمبراطورية الرومانية. لكن هذا « التحرر » كان فخاً: كان الصياد-جامع الثمار يعمل 15 ساعة أسبوعياً، بينما عمل الفلاح 60 ساعة مقابل غذاء أقل تنوعاً. يذكّر عالم الأنثروبولوجيا جيمس سكوت أن أولى التسلسلات الهرمية وأول الجيوش وُلدت من إدارة المخزون – ومن الصراعات على الأرض.
● العصور القديمة وثمن الإمبراطوريات: الكتابة، المدونات القانونية (حمورابي، نحو 1750 ق.م)، الفلسفة – لكن أيضا العبودية المنهجية. في أوجها، ضمت روما ما يصل إلى 40% من العبيد. في الصين، كلف سور الصين العظيم (أسرة تشين) حياة نحو مليون عامل مسخّر: متر حجر مقابل ميت، وفقاً للمؤرخين. للمقارنة، يُقدّر إجمالي ضحايا الإرهاب في العالم بين 2000 و2020 بنحو 300 ألف – أي أقل بعشر مرات من ذلك المشهد الجنائزي الواحد.
● العصور الوسطى: الانقلاب الكبير شرق-غرب: بينما كانت أوروبا الغربية تغرق في إقطاعية حيث 99% من الفلاحين لا يقرؤون ولا يكتبون، تألقت بغداد. ضم بيت الحكمة (القرنين التاسع والثالث عشر) أكثر من مليون نسمة – بينما لم يتجاوز عدد سكان لندن آنذاك 20 ألفا – ومئات المكتبات. حفظ الحضارة العربية-الإسلامية المعارف اليونانية والهندية والفارسية وأغنتها. كأكثر من رقم دال: بين عامي 800 و1200، كان تٌنشر في بغداد كتب أكثر مما نُشر في كل العالم المسيحي اللاتيني.
● العصر الحديث: الآلة والإبادة الجماعية: رفعت الثورة الصناعية متوسط العمر المتوقع عالمياً من 30 عاماً (القرن الثامن عشر) إلى أكثر من 72 عاماً اليوم، وهبطت الأمية من 88% (1800) إلى 14%. لكن هذه التطورات رُويت بالبترول والدم. أظهرت الحرب العالمية الأولى (20 مليون قتيل) والثانية (70 إلى 85 مليوناً، أي 3% من بشرية ذلك الوقت) ما يمكن أن تنتجه التكنولوجيا دون أخلاق: في 1945، قتل في كل من هيروشيما وناغازاكي أكثر من 200 ألف مدني في ثانية. اليوم، يعادل الترسانة النووية العالمية 3 آلاف مرة قنبلة هيروشيما – ما يكفي لإبادة الكوكب عدة مرات.
● العصر المعاصر: وهم الرقمنة: نعيش عصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والإنترنت. لكن العنف تحول: هجمات إلكترونية، حروب اقتصادية، إرهاب غير متماثل. قدّر معهد الاقتصاد والسلام تكلفة النزاعات المسلحة عالمياً في 2022 بنحو 17.5 تريليون دولار – أي 13% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. أكثر من مجرد استنزاف، هو إعادة توجيه هائلة للمواهب والموارد نحو التدمير.
ثانياً: السيف – لماذا العنف هو الخطر الوجودي الحقيقي.
التهديد الأشد ليس المجاعة ولا ندرة الطاقة، بل تطبيع قانون الغاب. الإرهاب (الديني، السياسي، الحكومي) وحروب الغزو لا تكتفي بالقتل: بل تفكك مؤسسات التعاون، وتقوض الثقة، وتعِدّ بقانون الأقوى.
رقم أساسي: وفقاً لتقرير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) لعام 2023، بلغت النفقات العسكرية العالمية 2.240 تريليون دولار، بارتفاع 9% في سنة واحدة. هذا الرقم يفوق الناتج المحلي الإجمالي لروسيا أو كندا. للمقارنة: 50 مليار دولار سنوياً تكفي لاستئصال الجوع من العالم (برنامج الأغذية العالمي). بعبارة أخرى: شهر واحد من سباق التسلح يسدد جوع 800 مليون إنسان لعقد كامل.
والأسوأ: تطبيع الرعب. في 2023، بلغ عدد النازحين قسراً 110 ملايين (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)، رقم قياسي. أظهرت الإبادة الجماعية في رواندا (1994، 800 ألف قتيل في 100 يوم) كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يتفرج. «قانون الغاب» ليس استعارة: إنه التخلي عن القانون، ازدراء اتفاقيات جنيف، إفلات جرائم ضد الإنسانية من العقاب.
ثالثاً: خمسة دروس لانتشاد.
تجنب العودة إلى الظلمات يفرض تحويل الذاكرة إلى بوصلة.
1. حوار، لا صدام حضارات: يعلمنا تاريخ الانهيارات (روما، المايا، الخمير) أن الحضارة تموت بظلمها الداخلي، لا من الخارج. استبدال الهيمنة بالتكامل الثقافي شرط للبقاء.
2. أخلاق قبل تكنولوجيا: يولد الذكاء الاصطناعي بالفعل صوراً وفيديوهات مزيفة قادرة على زعزعة الانتخابات. بحلول 2025، قد تُنشر طائرات بدون طيار مستقلة (قاتلة دون تدخل بشري). هناك حاجة ملحة لتجميد الأسلحة المستقلة، تماماً كما كانت معاهدة حظر التجارب النووية.
3. مصالحة بيئية: لا تزال الصين تصدر 30% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، لكنها تستثمر بكثافة في الطاقة المتجددة. كوستاريكا، التي ألغت جيشها في 1948، تنتج 99% من كهربائها بدون وقود أحفوري وضاعفت غاباتها الاستوائية. دليل على أن السلام مع الطبيعة ممكن – شرط تقديم الحياة على المكانة العسكرية.
4. عدالة توزيعية: الفوارق المدققة تغذي العنف. رواندا ما بعد الإبادة ليست فقط معجزة مصالحة (محاكم غاتشاتشا)؛ بل نموذج اقتصادي أيضاً: نمو 8% سنوياً، تغطية صحية لـ 95% من السكان، حظر الأكياس البلاستيكية منذ 2008. الاستثمار في التعليم والصحة يكلف أقل من تمويل جيوش لقمع غضب المهمشين.
5. تعزيز القانون الدولي: الأمم المتحدة، المولودة عام 1945، لم تعد تملك وسائل أداء مهمتها. حق النقض (الفيتو) يشل مجلس الأمن. إصلاح يفرض تحكيماً ملزماً ومتساوياً – دون ازدواجية المعايير – أمر حيوي. العالم لا يحتاج إلى دركي عالمي، بل إلى محكمة عدل عالمية حقيقية.
الخلاصة: التاريخ يكتب الآن.
صانعو القرار اليوم يمسكون بخيط رفيع كالشعرة: نفس الخيط الذي يفصل طموح البناء عن غريزة التدمير. إذا استمررنا في إنفاق 2.2 تريليون دولار سنوياً على الحرب والاستعداد لها، فلن يكون القرن الحادي والعشرون قرن الأنوار الرقمية، بل قرن الغاب عالي التقنية – حيث يملي الأكثر تسلحاً قانونه، ويصبح التقدم مجرد كلمة فارغة. الطريق الآخر موجود: اسمه العدالة، التعاون، الذاكرة الفاعلة لجراحنا. اختيار الحياة هو التخلي عن العنف كأداة سياسية. لا أقل من ذلك، لا أكثر.
