كارل ماركس: شبحٌ لم يغادر الرأسمالية

كارل ماركس: شبحٌ لم يغادر الرأسمالية
شارك

______________

محمد السميري:

في زمنٍ تُقاس فيه قوة الدول بحجم شركاتها التكنولوجية، ويُختزل فيه الإنسان إلى “مستخدم” أو “مستهلك”، يعود اسم كارل ماركس إلى الواجهة، كما لو أنه لم يغادرها يومًا. بعد أكثر من ثلاثة عقود على انهيار الاتحاد السوفيتي، لا يزال ماركس يثير الجدل: هل هو مفكر تجاوزه الزمن، أم ناقد لم نفهمه بعد؟

ليست المفارقة في استمرار حضوره، بل في طبيعة هذا الحضور. فالعالم الذي اعتُبر انتصارًا نهائيًا للرأسمالية، يبدو في كثير من ملامحه أقرب إلى تأكيد تحليلات ماركس منه إلى دحضها.

عندما كتب ماركس، إلى جانب فريدريك إنجلز، البيان الشيوعي، لم يكن يقدم نظرية اقتصادية بقدر ما كان يطلق صرخة تاريخية: العالم يتغير، والصراع الطبقي هو محرك هذا التغير. كان النص حادًا، مباشرًا، ومشحونًا بنبرة ثورية تعكس زمنه؛ زمن الثورات الأوروبية والقلق من صعود طبقة جديدة: البرجوازية الصناعية.

لكن العمل الأهم جاء لاحقًا، في رأس المال، حيث تخلى ماركس عن اللغة الخطابية ليشرّح الرأسمالية بأدوات تحليلية دقيقة. لم يعد السؤال: من يحكم؟ بل: كيف يعمل النظام نفسه؟

في قلب هذا التحليل، تظهر فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة العمق: الربح لا يأتي من السوق فقط، بل من العمل. أو بتعبير أدق: من الفرق بين ما ينتجه العامل وما يحصل عليه. هذا الفرق هو ما سماه ماركس “فائض القيمة”، وهو، في نظره، السر الخفي لتراكم الثروة في النظام الرأسمالي.

______________

حكاية بسيطة: من أين يأتي الربح؟

لنفترض عاملًا يقضي يومه في مصنع. ينتج خلال ساعات عمله سلعًا تُباع بأضعاف أجره. الفارق لا يختفي، بل يتراكم. هنا تحديدًا، يرى ماركس أن الرأسمالية لا تقوم فقط على التبادل، بل على علاقة غير متكافئة: عامل يُنتج أكثر مما يُدفع له.

قد يبدو هذا التفسير تقليديًا في زمن المصانع، لكن المفارقة أنه يستعيد راهنيته اليوم، في زمن الخوارزميات والعمل الرقمي. فالمبرمج، أو صانع المحتوى، أو حتى المستخدم العادي، يساهم في إنتاج قيمة اقتصادية هائلة—لكن من يملك هذه القيمة؟

______________

ماركس… والآخرون الذين تحدثوا باسمه

ربما كان أكثر ما أساء إلى ماركس هو ما كُتب وطُبّق باسمه. فـ »الماركسية » التي تحولت إلى أيديولوجيا رسمية في الاتحاد السوفيتي، خصوصًا في عهد جوزيف ستالين، لم تكن مجرد امتداد لفكره، بل إعادة تشكيل له.

الدولة التي كان يُفترض أن “تذبل” في أفق ماركس، تحولت إلى جهاز مركزي ضخم يحتكر كل شيء. العمال الذين كان يفترض أن يديروا الإنتاج، أصبحوا جزءًا من آلة بيروقراطية. وبين الفكرة وتطبيقها، نشأت فجوة لم تُغلق حتى اليوم.

ولعل عبارة ماركس الشهيرة—“أنا لست ماركسيًا”—تبدو اليوم أقل مفارقة مما كانت عليه.

______________

العالم العربي: اشتراكية بلا ماركس؟

في السياق العربي، دخلت أفكار ماركس متأخرة، وغالبًا عبر السياسة لا عبر الفلسفة. تجربة جمال عبد الناصر، مثلًا، تبنّت شكلًا من “اشتراكية الدولة”، لكنها كانت مشدودة أكثر إلى ضرورات التحرر الوطني وبناء الدولة، منها إلى التحليل الماركسي الدقيق للرأسمالية.

هكذا، أصبح ماركس حاضرًا كرمز، وغائبًا كنص.

______________

الرأسمالية الرقمية: هل تغيّر شيء؟

اليوم، لم تعد المصانع وحدها هي مركز الإنتاج. المنصات الرقمية، البيانات، الذكاء الاصطناعي—كلها أعادت تشكيل الاقتصاد. شركات مثل Amazon أو Google لا تبيع فقط منتجات، بل تدير عوالم كاملة من البيانات والعمل غير المرئي.

لكن، رغم هذا التحول، يظل سؤال ماركس قائمًا: من يملك وسائل الإنتاج؟

قد تكون هذه الوسائل اليوم خوادم وخوارزميات بدلًا من آلات ومصانع، لكن العلاقة الأساسية لم تتغير كثيرًا: إنتاج جماعي، وملكية خاصة. وهنا تحديدًا، يستعيد تحليل ماركس قوته التفسيرية.

______________

مفارقة العصر: وفرة بلا عدالة

كان من المفترض أن تؤدي التكنولوجيا إلى تقليل العمل وزيادة الرفاه. لكن الواقع يكشف عن مفارقة: إنتاجية غير مسبوقة، مقابل تفاوت متزايد. ثروات تتراكم في يد قلة، بينما تتسع دائرة الهشاشة.

هل أخطأ ماركس في توقعاته؟ ربما. لكنه، في المقابل، أصاب في تشخيص التناقض: نظام ينتج الثروة بشكل جماعي، لكنه يوزعها بشكل غير متكافئ.

______________

لماذا نقرأ ماركس اليوم؟

ليس لأننا نبحث عن بديل جاهز، ولا لأننا نريد إحياء أيديولوجيا قديمة. بل لأننا نحتاج إلى أدوات لفهم عالم معقد.

ماركس لا يقدم وصفة، بل يطرح أسئلة:

•      من ينتج؟

•      من يملك؟

•      ومن يستفيد؟

في زمن تختلط فيه الحدود بين العمل والحياة، بين الإنتاج والاستهلاك، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

______________

أخيرًا: شبح… أم مرآة؟

في افتتاحية البيان الشيوعي، كتب ماركس: “شبح يجوب أوروبا… شبح الشيوعية”.

اليوم، ربما لم يعد الشبح هو الشيوعية، بل ماركس نفسه.

ليس كأيديولوجيا تخيف،

بل كمرآة تعكس تناقضات عالم لم يحسم أسئلته بعد.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *