العلم في زمن التعقيد.. من يقين البساطة إلى لايقين المعرفة المركبة.
الدكتور محمد حمزة:
يُعدّ عصرُ المعرفة الحديثة عصرَ التعقيد والحقيقة المؤقتة واللايقين، الذي لا يعترف إلا بيقين واحد هو يقين الحركة والنسبية وتجدد المعرفة..
وتبقى التحديات الأكثر صعوبة، كما يقول المفكر الفرنسي Edgar Morin، هي تغيير طرق تفكيرنا لمواجهة هذا التعقيد المتصاعد، ومعرفة المعرفة باعتبارها سلاحًا لمواجهة الأخطار الدائمة، وتجنب الوقوع في الخطأ والوهم اللذين لا يكفّان عن التشويش على العقل الإنساني..
إنها معرفة تسمح بتمثّل العلاقات والتفاعلات بين الأجزاء والكل داخل عالم يتسم بالتعقيد..
إن العلاقة القائمة بين الذات والموضوع في المعرفة العلمية علاقة معقدة؛ فلا وجود لواقعة علمية تستند إلى معطيات مباشرة فقط دون مبادئ عقلية، كما لا وجود لمبادئ عقلية من دون معطيات تجريبية. ولما كان العلم يهدف إلى تحقيق المعرفة النظرية، فإن هذه الأخيرة هي ثمرة العلاقة المركبة بين العقل والطبيعة..
وإذا كانت العلاقة بين الذات والموضوع قد فُهمت، في المراحل المبكرة من تطور العلم، على أنها حوار بين ذات وموضوع مناقض لها، فإن العلم المعاصر قد بيّن مدى تعقيد هذه العلاقة وتشابكها..
لقد أفضى تطور العلم الفيزيائي الحديث إلى الكشف عن تعقيد الواقع؛ فبدل البساطة الفيزيائية والمنطقية المفترضة، تم اكتشاف التعقيد الميكروفيزيائي في أقصى حدوده. فالذرة لم تعد تُعدّ الوحدة الأساسية البسيطة، بل هي تجمع لمكونات عديدة معقدة يصعب تمثيلها تمثيلاً كاملاً، كما أن الكون نفسه سيرورة تجمع بين التفكك والتنظيم في آن واحد. ومن هنا، فإن الفكر المركب وحده هو القادر على الإحاطة بهذا الواقع..
وقد أشار الفيلسوف Georg Lukács في أواخر حياته إلى ضرورة تصور المركب بوصفه معطى أوليًا، قائلاً: «يجب تصور المركب كعنصر أولي موجود»، ليستنتج من ذلك ضرورة معالجة المركب بوصفه مركبًا أولًا، ثم الانتقال إلى تحليل عناصره وسيروراته..
يرى Edgar Morin أن التعقيد ظاهرة كمية ناتجة عن كثافة التفاعلات والتداخلات بين عدد كبير من الوحدات، كما هو الحال في الذرة أو الخلية، حيث تتضمن كل واحدة منها قدرًا من اللايقين، واللاتحديد، والظواهر الاحتمالية..
إن التعقيد هو في جوهره تعبير عن اللايقين، وهو ما يعني تراجع الحتمية التي ميزت العلم الكلاسيكي. فبفضل تطور علم الفلك على المستوى الماكروفيزيائي، والفيزياء على المستوى الميكروفيزيائي، أصبحنا نعلم أن أجسامنا تحمل جزيئات تعود إلى الثواني الأولى من نشأة الكون. فكياننا المادي يحتوي على ذرات من الكربون تكونت في قلب نجوم سبقت شمسنا، كما نحمل في داخلنا آثار الخلايا الحية الأولى لظهور الحياة على كوكب الأرض..
لقد فتحت الفيزياء الميكروية الطريق أمام تصور جديد لعلاقة الملاحظ بالملحوظ، كما كشفت عن طبيعة مزدوجة ومركبة للمادة، حيث يمكن للجسيمات أن تظهر تارة كموجات وتارة كجسيمات. ومن هنا، فإن التعقيد يرتبط دائمًا بالصدفة، وباللايقين المتجذر داخل أنساق منظمة وغنية، حيث يتداخل الاستقرار مع الاختلال في توازن دينامي مستمر..
وعندما كان العلماء يتحدثون عن البساطة الجوهرية للطبيعة، كانوا يفترضون أن الكون قائم على مبادئ بسيطة. ورغم تعقيد الظواهر الفيزيائية الملاحظة، فقد كان الاعتقاد السائد أن القوانين الأساسية للطبيعة بسيطة في جوهرها. غير أن هذا التصور كان مرتبطًا بحدود المعرفة العلمية في بداياتها، إذ لم تكن الأدوات النظرية والتجريبية آنذاك تسمح بفهم ما هو معقد..
