وفاء سلطان وظاهرة نقد الإسلام في السياق المعاصر: بين التحولات الفكرية وصعود الخطاب اليميني الغربي
محمد السميري:
مقدمة
شهد العالم العربي منذ نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين تصاعدًا لافتًا لخطابات نقد الدين الإسلامي، سواء من داخل المجال الإسلامي نفسه أو من خارجه، لكن بعض هذه الخطابات لم يقتصر على نقد البنية الدينية أو التراثية، بل تحول إلى رؤية حضارية كاملة ترى أن الإسلام ذاته يمثل أصل الأزمة التاريخية والسياسية والثقافية في المجتمعات العربية والإسلامية. ضمن هذا السياق برز اسم وفاء سلطان بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الإعلام العربي والغربي، ليس فقط بسبب نقدها الحاد للإسلام، بل بسبب تموضع خطابها داخل لحظة عالمية تميزت بصعود خطاب “الحرب على الإرهاب” وتنامي التيارات اليمينية والمحافظة الجديدة في الولايات المتحدة وأوروبا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
لا يمكن فهم ظاهرة وفاء سلطان باعتبارها مجرد حالة فردية مرتبطة بتجربة شخصية مع الدين أو المجتمع، لأن خطابها سرعان ما تحوّل إلى مادة إعلامية وسياسية استثمرتها قنوات ومراكز بحثية ومنصات مرتبطة باليمين الغربي المحافظ، كما أصبحت تُقدَّم بوصفها “الصوت العربي المسلم السابق” الذي يؤكد السردية الغربية حول “أزمة الإسلام”. وهنا تبرز أهمية دراسة هذه الظاهرة لا من زاوية أخلاقية أو سجالية، بل بوصفها تعبيرًا عن تحولات أعمق تتعلق بالعلاقة بين الدين والسياسة والاستشراق والإمبريالية الثقافية وإعادة تشكيل صورة الإسلام في المجال العالمي.
من هي وفاء سلطان؟ من الطب إلى “الحرب الفكرية”
وفاء سلطان هي سورية الأصل. وُلدت في مدينة بانياس في سوريا عام 1958 تقريبًا، ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة في أواخر الثمانينيات حيث حصلت لاحقًا على الجنسية الأمريكية. أما من حيث التخصص، فهي طبيبة نفسية. درست الطب في جامعة حلب وتخرجت منها في الثمانينيات قبل انتقالها إلى أمريكا.
وتُقدَّم غالبًا في الإعلام الغربي باعتبارها “مسلمة سابقة” أو “إصلاحية عربية” تتحدى الإسلام التقليدي. غير أن شهرتها الحقيقية بدأت بعد ظهورها التلفزيوني الشهير على قناة الجزيرة سنة 2006، حين دخلت في سجال حاد مع الداعية الإسلامي إبراهيم الخولي، وصرحت بأن “الصراع الحقيقي ليس بين الحضارات بل بين العقلانية والبربرية”، معتبرة أن الثقافة الإسلامية تعاني من بنية عنيفة متجذرة في النصوص المؤسسة نفسها.
تحولت تلك المقابلة بسرعة إلى حدث إعلامي عالمي؛ فقد أعادت وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية وغربية نشر المقطع بوصفه “دليلًا داخليًا” على أزمة الإسلام، بينما جرى تقديم وفاء سلطان كصوت “التنوير القادم من داخل العالم الإسلامي”. لكن هذا التقديم لم يكن بريئًا أو منفصلًا عن المناخ السياسي العالمي آنذاك؛ فقد كانت الولايات المتحدة تعيش ذروة مشروع “المحافظين الجدد” بعد غزو العراق وأفغانستان، وكانت الحاجة قائمة لإنتاج خطاب ثقافي يبرر التدخلات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط عبر تصوير المشكلة باعتبارها كامنة في الثقافة الإسلامية ذاتها.
ضمن هذا السياق صدر كتابها “آخر أيام محمد” الذي أثار جدلًا واسعًا. في هذا الكتاب لا تكتفي الكاتبة بانتقاد المؤسسات الدينية أو التأويلات التاريخية، بل تعيد قراءة السيرة النبوية من منظور نفسي وسياسي حاد، وتقدم صورة للنبي محمد باعتباره مؤسسًا لمنظومة عنف تاريخية استمرت عبر القرون. وقد اعتبر كثير من النقاد أن الكتاب لا ينتمي إلى البحث التاريخي الأكاديمي بقدر ما ينتمي إلى الأدب السجالي والإيديولوجي، لأنه يعتمد الانتقاء وإعادة التأويل أكثر من اعتماده منهجية نقدية تاريخية صارمة.
من نقد الدين إلى إعادة تعريف الصراع العالمي
تكمن أهمية ظاهرة وفاء سلطان في أن خطابها لا يتوقف عند حدود نقد العقيدة، بل يتحول إلى تصور شامل للعالم. فهي تنطلق من فرضية مركزية مفادها أن الإسلام ليس مجرد دين، بل بنية حضارية تنتج العنف والاستبداد والتخلف. ومن هنا يصبح الصراع في الشرق الأوسط، وفق رؤيتها، صراعًا ثقافيًا ودينيًا لا سياسيًا أو استعماريًا.
هذا التحول بالغ الأهمية، لأنه ينقل مركز التفسير من التاريخ والسياسة والاقتصاد إلى الثقافة والدين. فبدل تحليل القضية الفلسطينية مثلًا باعتبارها قضية استعمار استيطاني واحتلال عسكري وتهجير تاريخي، يجري اختزالها إلى نتيجة لـ“الكراهية الإسلامية لليهود”. وبدل تفسير الاستبداد العربي من خلال الدولة الريعية والبنية الطبقية والإرث الاستعماري، يصبح الإسلام نفسه هو “العائق الجوهري أمام الحداثة”.
هذا النوع من التفكير ينسجم بوضوح مع الخطاب الذي انتشر في الغرب بعد 11 سبتمبر، خاصة لدى تيارات المحافظين الجدد والمفكرين المرتبطين بما سُمي “صدام الحضارات”. فقد جرى تقديم العالم الإسلامي بوصفه فضاءً ثقافيًا مأزومًا وعنيفًا بطبيعته، يحتاج إلى إعادة تشكيل ثقافي وسياسي تحت الهيمنة الغربية.
ومن هنا نفهم لماذا لاقت وفاء سلطان احتفاءً واسعًا في أوساط اليمين الأمريكي والإسرائيلي؛ فهي لم تكن مجرد ناقدة للدين، بل كانت تقدم “شهادة داخلية” تؤكد السردية الغربية السائدة عن الإسلام.
الاستشراق الجديد: حين يتكلم “الشرق” بلغة الغرب
لفهم هذه الظاهرة بصورة أعمق يمكن الاستفادة من تحليل إدوارد سعيد لمفهوم الاستشراق. فقد بيّن سعيد أن الغرب لم يكن يدرس الشرق دراسة محايدة، بل كان يعيد إنتاجه بوصفه فضاءً جامدًا وعاطفيًا وعنيفًا يحتاج دائمًا إلى السيطرة الغربية. غير أن ما نشهده اليوم يتجاوز الاستشراق الكلاسيكي إلى ما يمكن تسميته “الاستشراق الداخلي”، أي أن يتبنى بعض المثقفين المنحدرين من الشرق نفس التصورات الغربية عن مجتمعاتهم وثقافاتهم.
في هذا السياق تصبح وفاء سلطان نموذجًا لمثقف يعيد إنتاج صورة الشرق المتخلف والعنيف، لكن من داخل اللغة العربية نفسها. إنها لا تكتفي بانتقاد الإسلام، بل تعيد تقسيم العالم إلى معسكرين متقابلين:
• غرب عقلاني متحضر،
• وشرق إسلامي غارق في العنف.
وهنا تظهر العلاقة البنيوية بين هذا الخطاب وبين الصهيونية الثقافية واليمين الغربي. فإسرائيل تُقدَّم في هذا التصور باعتبارها “جزيرة الحداثة” داخل بحر من “التطرف الإسلامي”، بينما يُنظر إلى الفلسطينيين والعرب غالبًا من خلال زاوية ثقافية أو دينية لا سياسية.
هل نحن أمام “حملة صهيونية”؟
الإجابة تحتاج إلى قدر من الدقة. لا توجد أدلة بالمعنى التآمري البسيط على أن وفاء سلطان “عميلة” أو جزء من مؤامرة سرية منظمة. لكن في المقابل من الواضح أن خطابها وجد بيئة حاضنة داخل شبكات إعلامية وفكرية مرتبطة باليمين الأمريكي والمحافظين الجدد والتيارات المؤيدة لإسرائيل.
فبعد 11 سبتمبر ظهرت مؤسسات ومراكز أبحاث وقنوات إعلامية ركزت على دعم أصوات “المنشقين عن الإسلام” وتقديمهم كأدوات أيديولوجية في الحرب الثقافية ضد العالم الإسلامي. وقد استفادت هذه المؤسسات من شهادات شخصيات مثل وفاء سلطان وأيان حرسي علي لتأكيد فكرة أن “المشكلة ليست سياسية بل حضارية”.
كما أن صعود المسيحية الصهيونية داخل الولايات المتحدة لعب دورًا محوريًا في هذا السياق. فتيارات الإنجيليين المحافظين، المرتبطة بقوة بدعم إسرائيل، ترى الصراع في الشرق الأوسط من منظور ديني توراتي، وتعتبر إسرائيل جزءًا من مشروع إلهي وتاريخي. ضمن هذا الإطار يصبح نقد الإسلام أداة سياسية وثقافية تخدم إعادة تشكيل الرأي العام الغربي لصالح إسرائيل.
لكن اختزال كل الظاهرة في “مؤامرة صهيونية” يبقى تبسيطًا مخلًا؛ لأن هذه الخطابات تجد أيضًا جذورها في أزمات داخلية حقيقية تعيشها المجتمعات العربية:
• الاستبداد السياسي،
• العنف الديني،
• صعود الجماعات الجهادية،
• فشل مشاريع الحداثة العربية،
• وانهيار الثقة بالمؤسسات الدينية التقليدية.
إن ظاهرة وفاء سلطان لا يمكن أن تنجح أو تجد جمهورًا لولا وجود أزمة عميقة فعلًا داخل العالم العربي والإسلامي.
من نقد الدين إلى العنصرية الثقافية
تكمن المشكلة الأساسية في هذا النوع من الخطاب في أنه ينتقل تدريجيًا من نقد النصوص والأفكار إلى تعميمات حضارية وعنصرية. فبدل الحديث عن جماعات متطرفة أو تأويلات دينية معينة، يصبح الإسلام كله مرادفًا للعنف، ويصبح المسلمون كتلة ثقافية واحدة عاجزة عن الحداثة.
وهنا يتحول “النقد” إلى خطاب قريب من اليمين المتطرف الأوروبي والأمريكي الذي يستخدم شعارات حرية التعبير والعلمانية لتبرير الإسلاموفوبيا. فالكثير من الأحزاب اليمينية في أوروبا اليوم لا تهاجم الإسلام من منطلق لاهوتي، بل من منطلق “الدفاع عن الحضارة الغربية”. وهذا بالضبط ما يجعل خطاب وفاء سلطان قابلًا للاندماج بسهولة داخل هذه البيئة السياسية.
خاتمة
تكشف ظاهرة وفاء سلطان عن لحظة تاريخية معقدة تشابكت فيها أزمات العالم العربي مع صعود الهيمنة الأمريكية بعد الحرب الباردة والحرب على الإرهاب وصعود اليمين الشعبوي العالمي. فهي ليست مجرد “ملحدة تنتقد الإسلام”، بل تعبير عن تحول أوسع جرى فيه نقل تفسير أزمات المنطقة من السياسة والتاريخ إلى الثقافة والدين.
إن نقد الدين حق فكري مشروع، بل وضروري أحيانًا داخل أي مجتمع حي، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا النقد إلى خطاب حضاري يبرر الهيمنة والاستعمار ويعيد إنتاج الصور الاستشراقية عن الشعوب العربية والإسلامية. هنا لا يعود الأمر متعلقًا بحرية الفكر فقط، بل يدخل ضمن صراع عالمي على تعريف “الحضارة” ومن يملك حق تمثيلها.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تقدم نفسها بوصفها خطابًا تحرريًا وعقلانيًا، بينما قد تنتهي عمليًا إلى خدمة مشاريع سياسية وإيديولوجية مرتبطة بالهيمنة الغربية والدعم غير المشروط لإسرائيل، حتى وإن لم يكن ذلك دائمًا بصورة واعية أو مباشرة.
