من الضحك إلى السلطة الرمزية: تحولات الكوميديا في المغرب بين النقد الاجتماعي وإعادة إنتاج الهيمنة
محمد السميري:
لم يعد النقاش حول الكوميديا في المغرب مجرد جدل عابر حول الذوق الفني أو اختلاف الأساليب، بل أصبح مدخلاً لتحليل أعمق يتعلق بطبيعة السلطة الرمزية، ووظيفة الفن داخل البنية الاجتماعية. فالقضية التي أثيرت مؤخراً حول أعمال حسن الفد، وما استدعتْه من مقارنات مع تجربة أحمد السنوسي، تكشف عن تحوّل نوعي في موقع الكوميديا بين مرحلتين تاريخيتين مختلفتين: مرحلة كانت فيها الكلمة فعلاً محفوفاً بالمخاطر، ومرحلة أصبح فيها الضحك صناعة قائمة بذاتها، محكومة بمنطق السوق والتلفزة وإعادة الإنتاج الثقافي.
الكوميديا كفعل مقاومة: سياق “سنوات الرصاص”
لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى السياق الذي برزت فيه تجربة “بزيز”، أي ما يُعرف بـسنوات الرصاص، وهي مرحلة اتسمت بتضييق واسع على حرية التعبير، حيث لم يكن الفن مجالاً للترفيه بقدر ما كان مساحة محفوفة بالمخاطر. في هذا السياق، لم تكن الكوميديا مجرد أداة للضحك، بل كانت شكلاً من أشكال المقاومة الرمزية، حيث يُوجَّه النقد إلى “الأعلى” — أي إلى السلطة السياسية والبنية الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج الاختلالات.
لقد تميز خطاب “بزيز” بجرأة لافتة، ليس فقط في مضمونه، بل في زاوية اشتغاله: نقد البنية بدل السلوك، والنسق بدل الفرد. لم يكن الضحك هنا ناتجاً عن استهزاء بالفئات الهشة، بل عن تفكيك آليات إنتاج الهشاشة ذاتها. بهذا المعنى، تندرج هذه التجربة ضمن ما يمكن تسميته بـ“الكوميديا النقدية”، التي تقترب من تقاليد المسرح السياسي، حيث يصبح الفن أداة لإعادة الوعي، لا مجرد وسيلة لتفريغه.
من النقد إلى التنميط: الكوميديا في زمن الصناعة
في المقابل، تمثل تجربة حسن الفد نموذجاً مختلفاً، لا يمكن فصله عن تحولات أوسع شهدها الحقل الثقافي والإعلامي في المغرب. فمع توسع القنوات التلفزيونية، وصعود منطق نسب المشاهدة، أصبح الإنتاج الكوميدي خاضعاً لمعادلات السوق، حيث تُفضل القوالب الجاهزة، القابلة للتكرار، والمضمونة جماهيرياً.
تجسدت هذه الدينامية في شخصية “كبور”، التي تحولت من ابتكار فني إلى قالب ثابت، يعيد إنتاج نفسه عبر الزمن. غير أن الإشكال لا يكمن في التكرار فقط، بل في طبيعة التمثيل الذي يحمله هذا القالب: تمثيل يقوم على استدعاء صور نمطية حول البادية، والجهل، والتخلف، مقابل المدينة باعتبارها فضاءً للتحضر. هنا، لا يعود الضحك بريئاً، بل يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج تراتبية رمزية داخل المجتمع.
يمكن قراءة هذه الظاهرة في ضوء مفاهيم بيير بورديو، خاصة مفهوم “العنف الرمزي”، حيث يتم تكريس الهيمنة ليس عبر القسر المباشر، بل عبر أشكال ثقافية تبدو طبيعية وبديهية. فحين تُقدَّم فئات اجتماعية معينة في صورة كاريكاتورية متكررة، يتم تثبيت موقعها داخل السلم الاجتماعي، ليس فقط في المخيال الجماعي، بل في وعيها بذاتها أيضاً.
الضحك كآلية لتدبير التوتر الاجتماعي
في هذا الإطار، يمكن فهم الكوميديا السائدة اليوم كجزء من آليات “تدبير التوتر” داخل المجتمع، بدل أن تكون أداة لتفجيره أو مساءلته. فالضحك هنا يؤدي وظيفة مزدوجة: من جهة، يخفف من وطأة الواقع، ومن جهة أخرى، يساهم في تطبيعه. إنه يخلق نوعاً من “التنفيس المراقب”، حيث يُسمح بقدر من السخرية، لكن دون المساس بالبنى العميقة.
هذا التحول يعيد طرح سؤال كلاسيكي في علم الاجتماع الثقافي: هل الفن يعكس الواقع أم يساهم في تشكيله؟ في الحالة التي نناقشها، يبدو أن الكوميديا لم تعد مجرد مرآة، بل أصبحت أداة لإعادة تشكيل الواقع وفق تمثلات معينة، تخدم استقرار النسق القائم.
الإقصاء والانتقاء: من يُسمح له بالكلام؟
لا يكتمل هذا التحليل دون التوقف عند مسألة الحضور والغياب داخل الفضاء الإعلامي. فبينما تحظى بعض الأسماء بحضور واسع، يتم تهميش أخرى، رغم ما تحمله من مضامين نقدية. هذا التفاوت لا يمكن تفسيره فقط بمعايير فنية أو جماهيرية، بل يرتبط ببنية الحقل الإعلامي ذاته، الذي يخضع لتوازنات سياسية واقتصادية تحدد ما يمكن قوله، وكيف، ومن طرف من. بهذا المعنى، يصبح الفن جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات، حيث تتقاطع السلطة بالثقافة، والسوق بالإيديولوجيا.
نحو إعادة تعريف دور الكوميديا
إن النقاش الدائر اليوم يفتح أفقاً ضرورياً لإعادة التفكير في وظيفة الكوميديا داخل المجتمع المغربي. فالسؤال لم يعد: من الأجدر بالضحك؟ بل: على من نضحك، ولماذا؟ هل نضحك مع الفئات الهشة أم عليها؟ هل نستخدم الضحك لكشف التناقضات أم لإخفائها؟
لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى “كوميديا ملتزمة” بالمعنى الضيق، ولا برفض أشكال الترفيه، بل بإعادة التوازن بين الضحك والتفكير، بين المتعة والنقد. فالفن، في نهاية المطاف، ليس مجرد انعكاس للواقع، بل هو أيضاً إمكانية لتجاوزه.
خاتمة: الضحك كسؤال أخلاقي
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الكوميديا ليست بريئة كما تبدو، بل هي ممارسة مشحونة بالدلالات، تتقاطع فيها الجمالية بالأخلاق، والفن بالسياسة. وبين نموذج يوجه نقده إلى الأعلى، وآخر يعيد إنتاج صور نمطية عن الأسفل، يتحدد موقع الفن داخل الصراع الاجتماعي.
إن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط أي كوميديا نريد، بل أي مجتمع نريد أن نكونه. فطريقة ضحكنا تقول الكثير عن علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين، وعن الحدود التي نرسمها بين النقد والتواطؤ، بين الوعي وإعادة إنتاج الوهم.
