لماذا لا يثور المقهورون؟قراءة في تحليل فيلهلم رايش للوعي والسلطة من خلال الواقع المغربي

لماذا لا يثور المقهورون؟قراءة في تحليل فيلهلم رايش للوعي والسلطة من خلال الواقع المغربي
شارك

محمد السميري:

في عام 1934، وفي أجواء أوروبية مشحونة بانهيار الحركات العمالية وصعود الفاشية، نشر المفكر والطبيب النفسي النمساوي فيلهلم رايش نصه الشهير («ما هو الوعي الطبقي؟») تحت اسم مستعار هو «إرنست باريل». لم يكن النص مجرد مساهمة نظرية في النقاش الماركسي، بل محاولة لفهم كارثة تاريخية حقيقية: كيف استطاعت النازية أن تجذب قطاعات واسعة من الجماهير الألمانية، بما في ذلك أجزاء من الطبقة العاملة نفسها، رغم وجود أحزاب عمالية قوية ونقابات وتنظيمات ماركسية واسعة النفوذ؟

هذا السؤال لا يبدو بعيدًا عن أسئلة الواقع المغربي المعاصر، حيث تتجاور مظاهر التفاوت الاجتماعي والبطالة والهشاشة الاقتصادية مع استمرار أشكال واسعة من الامتثال الاجتماعي والخوف من التغيير. فالمفارقة التي أثارت انتباه رايش في ألمانيا الثلاثينيات، أي عدم تحوّل المعاناة الاجتماعية تلقائيًا إلى وعي احتجاجي أو مشروع تحرري، تظهر بدرجات مختلفة في مجتمعات عديدة، من بينها المجتمع المغربي.

لقد شكّل هذا السؤال نقطة انعطاف حاسمة في مسار رايش الفكري، لأنه دفعه إلى مراجعة أحد الافتراضات الأساسية في الماركسية التقليدية: الفكرة القائلة إن تدهور الأوضاع الاقتصادية يؤدي تلقائيًا إلى تشكل وعي طبقي ثوري. فقد كشفت التجربة الألمانية أن البؤس الاجتماعي لا يقود بالضرورة إلى الثورة، بل قد يدفع الجماهير أحيانًا إلى الارتماء في أحضان السلطة الاستبدادية، والبحث عن الخلاص في الزعيم أو الخطاب المحافظ أو قيم الطاعة والاستقرار.

ومن يتأمل الواقع المغربي يلاحظ بدوره أن الفقر أو البطالة أو الإحساس بالحكرة لا يتحول دائمًا إلى فعل جماعي منظم، بل قد يقود أحيانًا إلى الانسحاب، أو السخرية السوداء، أو البحث عن الخلاص الفردي عبر الهجرة، أو حتى التماهي مع الخطابات المحافظة التي تعِد بالأمان والاستقرار أكثر مما تعد بالتحرر والتغيير.

من هنا يبدأ مشروع رايش النقدي. فهو لا يرفض التحليل الاقتصادي الماركسي، لكنه يعتبره غير كافٍ لفهم السلوك السياسي الحقيقي للناس. فالإنسان، في نظره، ليس كائنًا اقتصاديًا خالصًا تتحكم فيه المصالح المادية وحدها، بل هو أيضًا كائن نفسي تشكلت رغباته ومخاوفه وبنيته العاطفية عبر مسار طويل من التربية والقمع والتنشئة الاجتماعية. ولذلك فإن فهم الاستبداد لا يمر فقط عبر تحليل الرأسمالية أو الدولة، بل عبر تحليل الإنسان نفسه: كيف يفكر؟ لماذا يطيع؟ ولماذا قد يحب السلطة التي تقمعه؟

فيلهلم رايش: من التحليل النفسي إلى نقد السلطوية

وُلد فيلهلم رايش سنة 1897 في الإمبراطورية النمساوية المجرية، ودرس الطب ثم انخرط مبكرًا في مدرسة سيغموند فرويد، حيث عُدّ من أبرز تلامذته في عشرينيات القرن العشرين. غير أن رايش لم يبق داخل الإطار الفرويدي التقليدي طويلًا، إذ حاول الربط بين التحليل النفسي والفكر الماركسي، معتبرًا أن الاضطرابات النفسية لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية الاجتماعية والاقتصادية.

في الوقت الذي ركز فيه فرويد على الصراع الداخلي بين الغرائز والوعي، رأى رايش أن المجتمع نفسه يلعب دورًا حاسمًا في تشكيل البنية النفسية للأفراد. فالأسرة، والمدرسة، والدين، والأخلاق المحافظة ليست مجرد مؤسسات ثقافية محايدة، بل أدوات لإنتاج شخصيات مطيعة ومنضبطة وقابلة للخضوع. ولذلك كان رايش من أوائل من حاولوا بناء ما يمكن تسميته «التحليل النفسي السياسي»، أي دراسة العلاقة بين السلطة والبنية النفسية للجماهير.

لكن هذا المسار وضعه في صدام مع الجميع تقريبًا. فقد اصطدم بالمؤسسة الفرويدية بسبب تركيزه على البعد السياسي والجسدي للإنسان، كما اصطدم بالأحزاب الشيوعية التي رأت في اهتمامه بالتحليل النفسي انحرافًا عن «الصراع الطبقي الحقيقي». ومع صعود النازية اضطر إلى الهجرة، متنقلًا بين عدة بلدان قبل أن يستقر في الولايات المتحدة، حيث انتهت حياته بشكل مأساوي سنة 1957 داخل السجن بعد صراعات طويلة مع السلطات الأمريكية.

ورغم الجدل الكبير الذي أحاط بأفكاره، ظل رايش أحد أكثر المفكرين جرأة في محاولة فهم العلاقة بين القمع النفسي والسلطة السياسية.

مأزق الوعي الطبقي: لماذا لا تثور الجماهير؟

ينطلق رايش من نقد فكرة شائعة داخل الماركسية التقليدية مفادها أن التناقضات الاقتصادية ستقود تلقائيًا إلى الوعي الثوري. فالتجربة التاريخية، بالنسبة إليه، تثبت العكس. إذ يمكن للعمال أن يعانوا من الاستغلال، ومع ذلك يدافعون عن النظام القائم، بل ويتبنون أيديولوجيات معادية لمصالحهم الطبقية.

هنا تظهر أهمية مفهوم «البنية النفسية». فالجماهير لا تتصرف دائمًا وفق مصالحها الاقتصادية المباشرة، لأن وعيها تشكّل داخل مؤسسات تنتج الخضوع والطاعة منذ الطفولة. الأسرة السلطوية، مثلًا، لا تُنتج فقط أفرادًا منضبطين أخلاقيًا، بل تُنتج نمطًا نفسيًا يميل إلى الامتثال والخوف من الحرية والبحث عن سلطة عليا توفر الأمان. وهكذا تصبح الطاعة جزءًا من التكوين الداخلي للإنسان، لا مجرد استجابة خارجية للقمع.

وفي السياق المغربي يمكن ملاحظة حضور قوي لمنطق الطاعة داخل التربية التقليدية، سواء في الأسرة أو المدرسة أو المجال الديني والاجتماعي عمومًا. فالطفل يتعلم منذ وقت مبكر أن الانضباط أهم من النقاش، وأن الامتثال أكثر أمانًا من الاعتراض، وأن الخوف من السلطة أو من «الفضيحة الاجتماعية» جزء من شروط الاندماج داخل الجماعة. ومع مرور الوقت تتحول هذه التربية إلى بنية نفسية مستقرة تجعل كثيرًا من الأفراد يميلون إلى التكيف مع الواقع بدل التفكير في تغييره.

بهذا المعنى، فإن الاستبداد لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يجد أساسه داخل النفوس نفسها. فالناس قد يشاركون في إعادة إنتاج النظام الذي يهيمن عليهم، لأنهم تربوا على تقديس السلطة والخوف من الاختلاف والنفور من التحرر الحقيقي.

الكبت والسلطوية: البعد النفسي للخضوع

أحد أكثر جوانب فكر رايش إثارة للجدل يتمثل في ربطه بين الكبت والسلطوية. فهو يرى أن المجتمعات القائمة على القمع وإخضاع الفرد منذ الطفولة تُنتج أشخاصًا يعانون من الخوف والتوتر والشعور بالعجز، ما يجعلهم أكثر ميلًا إلى الطاعة والبحث عن الانضباط الصارم.

ولا يقصد رايش بالكبت المعنى الجنسي الضيق فقط، رغم أنه أعطى للكبت الجنسي أهمية مركزية داخل تحليله، بل يتحدث بصورة أوسع عن مختلف أشكال القمع النفسي والاجتماعي التي تُضعف استقلالية الإنسان. فالعوز الاقتصادي، والخوف من الفقر، والقمع السياسي، والتضييق على الحريات، والطاعة القسرية داخل الأسرة، كلها تُنتج إنسانًا مأزومًا نفسيًا ومهيأً للخضوع للسلطة.

وفي المجتمع المغربي يمكن توسيع هذا التحليل لفهم عدد من الظواهر الاجتماعية. فالشعور المزمن بعدم الأمان الاقتصادي، والخوف من البطالة أو التهميش، وصعوبة الترقي الاجتماعي، كلها عوامل تدفع قطاعات واسعة إلى البحث عن الاستقرار ولو على حساب الحرية. كما أن الإحساس المستمر بالمراقبة الاجتماعية، والخوف من الأحكام الأخلاقية، يخلق نوعًا من الرقابة الداخلية التي تجعل الفرد يحاصر نفسه بنفسه حتى قبل تدخل السلطة المباشرة.

ومن ثم فإن السلطوية لا تشتغل فقط عبر القوانين أو أجهزة الدولة، بل أيضًا عبر الثقافة اليومية والعلاقات الأسرية وأنماط التربية والخوف الاجتماعي. وهنا تصبح الطاعة جزءًا من الحياة اليومية، لا مجرد موقف سياسي واعٍ.

نقد التنظيمات السياسية والتقليدية

لا يوجه رايش نقده إلى الجماهير وحدها، بل أيضًا إلى الأحزاب والتنظيمات الثورية التي تعاملت مع الناس بطريقة فوقية وتعليمية. ففي رأيه، أخطأت الأحزاب اليسارية حين افترضت أن نشر الشعارات الاقتصادية كافٍ لإنتاج وعي ثوري. فقد تحدثت بلغة نظرية مجردة، بينما كانت الجماهير تعيش قلقًا يوميًا يتعلق بالأسرة، والخوف، والدين، والهوية، والجسد، والحياة العاطفية.

وهذا النقد يمكن إسقاطه جزئيًا على جزء من الخطاب السياسي المغربي، سواء لدى بعض الأحزاب أو النخب الثقافية، التي كثيرًا ما تتحدث بلغة إيديولوجية بعيدة عن التجربة اليومية للناس. فالإنسان الذي يعيش البطالة أو الهشاشة أو الخوف من المستقبل لا يبحث دائمًا عن خطاب نظري مجرد، بل عن معنى وكرامة وإحساس بالأمان والانتماء.

ولهذا فإن كثيرًا من التنظيمات تفشل في بناء علاقة حقيقية مع المجتمع لأنها تتعامل مع الجماهير باعتبارها مجرد كتلة سياسية، لا باعتبارها بشرًا يحملون مخاوف نفسية وثقافية واجتماعية معقدة.

هذا الانفصال بين النظرية والحياة الواقعية جعل الخطاب السياسي عاجزًا أحيانًا عن النفاذ إلى التجربة الحقيقية للناس. ولذلك يؤكد رايش أن أي مشروع تحرري لا يمكن أن ينجح إذا تجاهل البعد النفسي والاجتماعي للإنسان. فالتغيير ليس مجرد تعديل اقتصادي أو سياسي، بل أيضًا تحرير للبنية الداخلية التي تجعل الإنسان يقبل الخضوع.

راهنية أفكار رايش

رغم أن نصوص رايش كُتبت في سياق صعود الفاشية الأوروبية، فإن كثيرًا من أسئلته ما تزال حاضرة اليوم. فالعالم المعاصر يشهد بدوره صعود تيارات شعبوية وقومية ومحافظة، حتى داخل مجتمعات تعاني من التفاوت الاقتصادي والاحتقان الاجتماعي. وهذا يعيد طرح السؤال نفسه: لماذا تنجذب الجماهير أحيانًا إلى الخطابات السلطوية بدل الاتجاه نحو مشاريع تحررية؟

في المغرب، كما في مجتمعات كثيرة، لا يمكن فهم السلوك الاجتماعي والسياسي فقط عبر المؤشرات الاقتصادية. فهناك أيضًا عوامل نفسية وثقافية عميقة مرتبطة بالخوف من الفوضى، والحاجة إلى الاستقرار، وثقل التربية المحافظة، وضعف الثقة الجماعية، والإحساس بالعجز أمام السلطة. وهذه العناصر كلها تجعل مسألة الوعي أكثر تعقيدًا مما تفترضه التفسيرات الاقتصادية المبسطة.

تكمن أهمية رايش في أنه حاول تجاوز التفسير الاقتصادي الاختزالي، دون السقوط في الفردانية النفسية الخالصة. لقد أراد فهم الإنسان بوصفه نتاجًا لتفاعل معقد بين الاقتصاد والثقافة والجسد والتربية والسلطة. ومن هنا فإن مشروعه يفتح أفقًا لفهم أعمق للهيمنة: فالسلطة لا تسكن الدولة وحدها، بل تسكن أيضًا العادات والتربية واللغة والبنية النفسية اليومية.

خاتمة

يكشف فكر فيلهلم رايش أن الوعي الطبقي ليس نتيجة آلية للفقر أو الاستغلال، بل عملية معقدة تصطدم ببنى نفسية وثقافية عميقة. ولهذا فإن فهم فشل الحركات الاحتجاجية أو ضعف الوعي الجماعي أو حتى صعود النزعات السلطوية يتطلب تجاوز التفسيرات الاقتصادية الضيقة نحو تحليل أشمل للإنسان والمجتمع.

لقد أدرك رايش، مبكرًا، أن القمع السياسي لا يعمل فقط عبر الشرطة والسجون، بل عبر تشكيل الإنسان من الداخل، بحيث يصبح الخضوع جزءًا من شخصيته. ومن هنا تأتي راهنية مشروعه الفكري بالنسبة إلى الواقع المغربي أيضًا، لأنه يذكرنا بأن معركة التحرر ليست اقتصادية فقط، بل نفسية وثقافية أيضًا، وأن السلطة الأكثر خطورة ليست تلك التي تُفرض بالقوة وحدها، بل تلك التي تنجح في جعل الناس يتكيفون مع القيود باعتبارها قدرًا طبيعيًا لا يمكن تغييره.

المراجع الأساسية

1.    فيلهلم رايش، ما هو الوعي الطبقي؟

2.    فيلهلم رايش، سيكولوجية الجماهير والفاشية.

3.    سيغموند فرويد، قلق في الحضارة.

4.    إريك فروم، الهروب من الحرية.

5.    هربرت ماركوز، إيروس والحضارة.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *