إشكالية الدولة في الفكر العربي المعاصر: بين نقد البنى وواقع التجارب.

إشكالية الدولة في الفكر العربي المعاصر: بين نقد البنى وواقع التجارب.
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

مقدمة.

يشهد الفضاء الفكري والسياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نقاشاً متجدداً حول طبيعة « النظام الأمثل » القادر على تجاوز أزمات التنمية والاستقرار. يتقاطع في هذا النقاش توجهان رئيسيان: الأول، ينطلق من نقد بنيوي للأنظمة المركزية التي تدمج السلطة بالثروة، داعياً إلى إعادة هيكلة جذرية نحو الفدرالية. والثاني، يرى أن العبرة ليست في المسمى السياسي (ملكي أو جمهوري)، بل في أداء المؤسسات ومدى قدرتها على توفير الأمن والعدالة. يسعى هذا المقال إلى مقاربة الإشكالية موضوعياً، مع الاستئناس بأمثلة مستمدة من تجارب المنطقة، بعيداً عن التمجيد أو الإدانة المطلقة.

أولاً: الأزمة البنيوية للدولة المركزية في الفكر النقدي.

يرى تيار من المفكرين والمحللين أن الأزمة الأساسية في المنطقة تعود إلى تركز السلطة والثروة في جهاز حاكم غير خاضع للمساءلة. يستند هذا الطرح إلى قراءة خلدونية معاصرة، مفادها أن تضخم الجهاز الحاكم وتحالفه مع رأس المال الريعي يؤدي حتماً إلى « خراب العمران »، أي تآكل النسيج الاجتماعي والاقتصادي.

على سبيل المثال، في سوريا ما بعد 2011، أدى احتكار السلطة من قبل فئة ضيقة مقترنة بالقطاع الأمني والعسكري إلى انهيار شبه كامل للدولة وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب وميليشيات. وفي اليمن، ساهم تمركز الثروة والسلطة في العاصمة صنعاء وإقصاء الأطراف (كحضرموت والمهرة) في تغذية مطالب انفصالية وصراع أهلي طويل الأمد. هذان المثالان يُستشهد بهما كدليل على فشل الدولة المركزية الاستبدادية، واستحقاق البحث عن بدائل لا مركزية أو فدرالية.

ثانياً: التجارب الجمهورية في الميزان: من الطموح إلى الهشاشة.

في مقابل الطرح النظري، تطرح تجارب « الجمهوريات العربية » التي قامت بين الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي أسئلة إشكالية. فلم يكن الانتقال من الملكيات إلى الجمهوريات – في حالات مثل مصر، سوريا، ليبيا، والجزائر – انتقالاً بالضرورة نحو الديمقراطية أو العدالة في توزيع الثروة.

أ. عسكرة السياسة وتراجع المؤسسات.

تميز المسار الجمهوري في معظم هذه البلدان بهيمنة تدريجية للمؤسسة العسكرية والأمنية على مقاليد الحكم، مما أدى إلى اندماج السلاح بالاقتصاد. في الجزائر، لعبت الجيش دوراً محورياً في توجيه المشهد السياسي منذ الاستقلال، وصولاً إلى ما عُرف بـ »الربيع العربي » الذي أعاد إنتاج النمط ذاته. وفي مصر، رغم وجود برلمانات وتعددية شكلية، ظل القرار المصيري بيد مؤسسة الدفاع والأجهزة الأمنية، وهو ما تجلى بوضوح بعد 2013.

ب. حالة إيران: من الملكية إلى الجمهورية الدينية.

تُمثل إيران نموذجاً انتقالياً فريداً في المنطقة، إذ تحولت من نظام ملكي تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي (الذي كان مدعوماً غربياً ومركزياً بشدة) إلى جمهورية إسلامية بقيادة روح الله الخميني عام 1979، ثم خلفه علي خامنئي (الأب)، واليوم تمتد الولاية إلى خامنئي الابن. هذا النموذج يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة « الجمهورية » عندما تُبنى على ولاية الفقيه، أي هيمنة دينية مطلقة على مؤسسات الدولة.

لم تنج إيران من معضلات الجمهوريات العربية، بل أضافت إليها بعداً أيديولوجياً جديداً: الاندماج الكامل بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية، مما أدى إلى:

● اقتصاد الريع والمحسوبية، حيث يسيطر الحرس الثوري و »البيت القيادي » على قطاعات كاملة من الاقتصاد (النفط، الاتصالات، البناء).

● قمع سياسي وديني مزدوج، لا يستهدف المعارضين العلمانيين فحسب، بل أيضاً الأقليات العرقية والدينية (كالأكراد والعرب الأهوازيين والبلوش).

● استقرار هش من الداخل رغم بروز القوة الخارجية؛ فاحتجاجات 2019 و2022 كشفت عمق الأزمة الاجتماعية، حيث خرج الملايين للمطالبة بإسقاط النظام، وهو ما يُظهر أن الانتقال من ملكية « شاهنشاهية » إلى جمهورية دينية لم يحل أزمة المشاركة وتوزيع الثروة، بل أعاد إنتاجها بثوب جديد.

ما يميز الحالة الإيرانية أنها تقدم دليلاً إضافياً على أن العبرة ليست في اسم النظام (ملكي أو جمهوري)، بل في درجة انفتاح المؤسسات وفصل السلطات. فتحول إيران إلى جمهورية لم يمنحها استقراراً داخلياً حقيقياً، كما أن بقاء النظام الملكي السابق لم يكن مستداماً بسبب تمركز السلطة والثراء الفاحش للبلاط. وهكذا، تبقى معضلة إيران دون حل وسط: فالفشل الملكي قاد إلى ثورة دينية، وهذه الأخيرة أفرزت شكلاً جديداً من الاستبداد باسم الأغلبية والألوهية.

ج. هشاشة الاستقرار مقابل مرونة بعض الملكيات

مقارنة موضوعية توحي بأن بعض الأنظمة الملكية في المنطقة – كـالمغرب والأردن – أظهرت قدرة أكبر على امتصاص الهزات الاجتماعية، لا بسبب طبيعتها الملكية فحسب، بل بفضل شرعية تاريخية ودينية متراكمة، وهيكل سياسي يحتفظ بمسافة بين التاج والصراع الحزبي اليومي. على سبيل المثال، خلال احتجاجات 2011 في المغرب، استجاب النظام بتعديل دستوري ونقل بعض الصلاحيات للحكومة، بينما شهدت الجمهوريات كـليبيا وتونس انهياراً مؤسساتياً أو هشاشة حادة رغم كونها جمهورية (رغم أن تونس مثلت استثناءً نسبياً في المسار الديمقراطي حتى 2021).

ثالثاً: مقاربة اقتصادية ومؤسساتية: ما وراء المسميات.

يحاول هذا المقال تجاوز ثنائية « ملكي ضد جمهوري » نحو تحليل وظيفي قوامه مدى قدرة كل نمط على توفير النمو والاستقرار والعدالة الاجتماعية.

على صعيد استقرار السياسات العامة، أظهرت الأنظمة الملكية – مثل المغرب والأردن – قدرة أكبر على الاستمرارية بفضل شرعيتها التاريخية والدينية، مما ساعد على امتصاص الهزات الاجتماعية دون انهيار كلي للمؤسسات. في المقابل، اتسمت الأنظمة الجمهورية – كمصر وسوريا وليبيا – بهشاشة ملحوظة، حيث ظلت عرضة للانقلابات والاحتجاجات العنيفة التي أدت في حالات كاليمن وليبيا إلى حروب أهلية.

أما فيما يخص محاربة الفساد، فالصورة مختلة وغير حصرية بنمط الحكم. فبينما سجلت بعض الملكيات الخليجية تحسناً في المؤشرات الدولية للشفافية، لا يزال الفساد الإداري والمالي متفشياً في دول كالمغرب والأردن. على الجانب الجمهوري، كان الفساد ضعيفاً جداً في سوريا والجزائر خلال العقود الماضية (بمعنى استفحاله)، بينما مثلت تونس حالة استثنائية نسبياً حتى عام 2021 بفضل حراك مجتمعي ضاغط.

وبخصوص توزيع الثروة، تفاوت الأداء بشدة داخل كل عائلة سياسية. ففي الخليج، ساهم الريع النفطي في تحقيق شمل اجتماعي واسع (وإن كان مع تفاوتات طبقية). أما المغرب والأردن، فاشتكيا من تفاوتات إقليمية وطبقية حادة. في الأنظمة الجمهورية، سُجل تآكل ملموس للطبقة الوسطى في مصر وسوريا، مع ندرة سياسات فعالة لإعادة التوزيع، وهو ما فاقم الاحتقانات الاجتماعية. أمّا في إيران، فاقتصاد الريع والمحسوبية الذي يسيطر عليه الحرس الثوري والمؤسسة الدينية أنتج نموذجاً من الفساد المنهجي المقنع بشرعية دينية.

أخيراً، على مستوى المشاركة السياسية، ظلت الحريات محدودة في كلا النمطين، لكن الملكيات وفرت فضاءات برلمانية استشارية نوعاً ما (كالأردن والمغرب بعد دستور 2011)، بينما غلبت الشكلية في أغلب الجمهوريات باستثناء التجربة التونسية القصيرة الأمد.

ما يستخلص من هذه المقارنة الوظيفية أن لا نظام يمتلك أفضلية مطلقة؛ فالنتائج تتوقف على عوامل تاريخية واقتصادية خارج الإطار الدستوري وحده.

رابعاً: خلاصة تحليلية: جوهر الأزمة في العقد الاجتماعي لا الشكل الدستوري.

يمكن القول، بعد وزن الحجج والأمثلة، إن أزمة الدولة في الفكر العربي المعاصر لا تكمن في كون النظام « ملكياً » أم « جمهورياً »، بل في طبيعة العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم. فالدول المستقرة والمنصفة – كألمانيا (جمهورية فيدرالية) والسويد (ملكية برلمانية) – تشترك في ثلاثة أسس:

1. فصل حقيقي للسلطات، مع قضاء مستقل يخضع له الجميع بما في ذلك رأس الدولة.

2. محاسبة مالية وضريبية، تخضع كل الثروات والصفقات للشفافية.

3. لامركزية إدارية واقتصادية، تمنع احتكار القرار والثروة في العاصمة وحدها.

إن التحدي الحقيقي أمام شعوب المنطقة هو: هل يمكن للنظم الملكية القائمة أن تتحول إلى « ملكيات برلمانية » كاملة، حيث يكون التاج رمزاً للوحدة دون تدخل في السياسة اليومية؟ وهل يمكن للجمهوريات التي خرجت من عنق الزجاجة الثوري أن تبني مؤسسات تحمي المواطن من استبداد الأغلبية أو الأقلية العسكرية؟ وحالة إيران تطرح سؤالاً إضافياً: هل يمكن للجمهورية الدينية أن تتحول إلى دولة مدنية دون تفكك هويتها؟

خاتمة

يبقى البحث عن الدولة المثلى في المنطقة مفتوحاً، لكن الأمثلة الواقعية – من ليبيا المنهارة إلى المغرب المتماسك نسبياً، ومن تونس المتعثرة إلى الأردن الذي يدير توازنات صعبة، ومن إيران التي تعاني من استبداد ديني إلى مصر التي تعاني من استبداد عسكري – تؤكد أن نجاح أي نظام مرهون بمدى تركيعه لمبادئ المساءلة، واللامركزية، والمواطنة المتساوية. الكلمات الطنانة مثل « جمهورية » أو « فدرالية » لا تصنع التغيير؛ بل القوانين النافذة، والأطراف المستقلة، وتوزيع الثروة العادل هي التي تحسم الأمر. وهنا يبقى السؤال معلقاً عن الإرادة السياسية لتحقيق ذلك.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *