استهداف محكمة الاستئناف بالقنيطرة… التشهير الرقمي في مواجهة هيبة القضاء
ادريس السدراوي :
أصبحت قضية التشهير الرقمي والابتزاز الإلكتروني اليوم من أخطر التحديات التي تواجه المؤسسات والدولة والمجتمع، بعدما تحولت بعض المنصات والحسابات المشبوهة إلى أدوات للترهيب والتضليل ومحاولة التأثير على العدالة واستهداف مؤسسات دستورية يفترض أن تبقى بعيدة عن الابتزاز والضغوط.
وفي هذا السياق، فإن ما تتعرض له محكمة الاستئناف بالقنيطرة، المعروفة تاريخيًا بنزاهتها وكفاءة قضاتها وشرف أطرها القضائية والإدارية، يثير قلقًا بالغًا، خاصة في ظل الحملات الممنهجة التي تستهدف سمعة هذه المؤسسة القضائية المشهود لها بالصرامة في تطبيق القانون واحترام الضمانات القانونية وحقوق المتقاضين.
إننا نعبر عن تضامننا الكامل مع قضاة محكمة الاستئناف بالقنيطرة، ومع كافة مكونات أسرة العدالة بها، ونؤكد اعتزازنا بالأحكام القضائية التي تصدر عنها، والتي راكمت عبر السنوات صورة إيجابية لدى الرأي العام القانوني والحقوقي، سواء على مستوى محكمة الاستئناف أو المحكمة الابتدائية بالقنيطرة.
كما نؤكد تقديرنا للمجهودات التي يبذلها المسؤولون القضائيون بهذه المحاكم، وفي مقدمتهم السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالقنيطرة، والسيد الوكيل العام للملك لديها، وكذا السيد رئيس المحكمة الابتدائية والسيد وكيل الملك الأستاذ كريم آيت بلا، إلى جانب السيد عبد الكريم الشافعي، في إطار الحرص على التطبيق الصارم للقانون واحترام مستجدات قانون المسطرة الجنائية وقرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
لقد قطع المغرب خلال السنوات الأخيرة أشواطًا مهمة في تعزيز استقلال السلطة القضائية، من خلال الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية التي كرست استقلال القضاء باعتباره سلطة قائمة الذات، وهو ما جعل المؤسسة القضائية تحظى باهتمام خاص باعتبارها ركيزة أساسية لدولة الحق والقانون.
غير أن هذا المسار الإصلاحي أصبح اليوم مستهدفًا من طرف بعض شبكات التشهير والابتزاز الرقمي، وفي مقدمتها بعض الأشخاص الذين يقدمون أنفسهم كصناع محتوى أو “مؤثرين”، بينما يمارسون حملات منظمة للمساس بالأشخاص والمؤسسات ونشر المعطيات المضللة ومحاولة التأثير على القضايا الرائجة أمام القضاء.
وفي هذا الإطار، يلاحظ أن حملات التشهير التي استهدفت محكمة الاستئناف بالقنيطرة تصاعدت بشكل لافت بعد ربط التواصل مع شخص هارب من تنفيذ أحكام قضائية نافذة تصل إلى عشر سنوات، مع تداول معطيات خطيرة حول تهريب أموال كبيرة إلى الخارج، يقال إن جزءًا منها خُصص لتمويل حملات رقمية مؤدى عنها، عبر صفحات وحسابات مشبوهة، من بينها صفحة “صوت الشعب” وبعض الأشخاص المعروفين بممارسات التشهير والابتزاز.
كما أن استمرار بعض المشتكى بهم في الاستفادة من نوع من الحماية أو الإفلات من المتابعة، رغم تعدد الشكايات المرتبطة بالتشهير والابتزاز ونشر المعطيات الشخصية، يطرح تساؤلات حقيقية حول ضرورة التطبيق الصارم للقانون على الجميع دون استثناء.
إن الأخطر في هذا الملف ليس فقط التشهير بالمؤسسات أو القضاة، بل أيضًا ما يروج حول تسريب محاضر وأبحاث يفترض أنها مشمولة بالسرية القانونية، ومحاولة توظيفها لتغليط الرأي العام وتوجيهه، وهو ما يشكل تهديدًا خطيرًا لسلامة الأبحاث القضائية ولمبادئ العدالة وسيادة القانون.
إن استمرار الإفلات من العقاب بالنسبة لبعض المتورطين في جرائم التشهير والابتزاز، أو من يساعدهم من داخل بعض المهن المرتبطة بمنظومة العدالة عبر تسريب وثائق أو معطيات سرية، يشكل لعبًا خطيرًا بالنار، واستهدافًا مباشرًا لأسس الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها القضاء.
ولهذا، فإن المرحلة تقتضي الحزم الكامل في تطبيق القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية المؤسسة القضائية من كل محاولات الترهيب أو الابتزاز أو التشويش، لأن حماية القضاء ليست حماية لأشخاص، بل حماية لدولة القانون ولمصالح المواطنين وثقتهم في العدالة.
