الريف ينتظر العدالة، بعد قرن من المحنة الصامتة. إسبانيا وفرنسا مسؤولتان عن جرائم حرب… والمغرب يتجاهل حقوق ضحاياه.
بقلم، محمد خوخشاني (توثيق وتحرير).
مقدمة: جرائم لا تسقط بالتقادم.
بين عامي 1921 و1927، كانت منطقة الريف بالمغرب مسرحاً لواحدة من أحلك صفحات الاستعمار، حين لجأت إسبانيا ثم فرنسا إلى الأسلحة الكيميائية – غاز الخردل ومواد سامة أخرى – لسحق المقاومة البطولية للريفيين. تم قصف قرى بأكملها، ومات آلاف المدنيين اختناقاً أو حرقاً، وتلوثت الأرض والمزروعات والمياه لعقود [1][2][3].
بعد قرن من الزمان، لا تزال أسئلة العدالة معلقة:
● من يتحمل المسؤولية الجنائية عن هذه الجرائم؟
· لماذا لم يطلب المغرب رسمياً لا اعتذاراً ولا تعويضات؟
● ما هو وضع حقوق آلاف الضحايا وورثتهم؟
يحاول هذا المقال تقديم إجابات واضحة وموثقة، على شكل مناشدة جاهزة للنشر.
أولاً: الجلادون الحقيقيون – إسبانيا ثم فرنسا.
أ. إسبانيا: المحتل الذي قصف بأسلحة محرمة.
باعتبارها القوة الاستعمارية المباشرة في شمال المغرب، استخدمت إسبانيا غاز الخردل بشكل منهجي ضد:
● المدنيين العزل في القرى (نساء، أطفال، شيوخ)
● المقاتلين الريفيين في الخطوط الخلفية
● مناطق بأكملها تم رشها بالغاز من الطائرات وقذائف المدفعية [4][5]
تؤكد الوثائق التاريخية أنه في بعض الأيام، تم إسقاط أكثر من 1500 قنبلة كيميائية على الريف [6]. أول إسقاط جوي لغاز الخردل في العالم حدث في الريف عام 1924، أي قبل سنة من توقيع بروتوكول جنيف [3].
الهدف: إبادة جماعية للشعب الريفي لكسر إرادته في المقاومة.
ب. فرنسا: شريك في الجريمة، لا وسيط محايد.
بعد تدخلها العسكري إلى جانب إسبانيا عام 1925، استخدمت القوات الفرنسية بدورها:
● قذائف كيميائية صنعت في مصانع حربها
● قصفاً جوياً مكثفاً على المناطق الخلفية، دون تمييز بين المقاتلين والمدنيين [10][11]
تظهر الأرشيفات الفرنسية أن رئيس مجلس الوزراء بول بانليفيه طلب في 23 مايو 1925 إرسال 2000 قذيفة بالفوسجين و2000 قذيفة بغاز الخردل إلى الدار البيضاء [10]. كما طلب المارشال ليوطي 10,000 قذيفة محملة بالفوسجين وغاز الخردل من مخزون الحرب العالمية الأولى، تم شحنها من مرسيليا إلى القنيطرة [11].
فرنسا إذن شريك كامل في الجرائم ضد الإنسانية، وليس مجرد داعم لوجستي. أغلب الدراسات السابقة أغفلت أو أنكرت الاستخدام الفرنسي للغاز، لكن الأبحاث الحديثة وثقته بشكل قاطع [12].
ثانياً: ألمانيا – تجار سلاح، لا شركاء في الدم.
لا توجد وثيقة تثبت تورط الحكومة الألمانية في قرار استخدام الغاز [14]. لكن بعض الشركات الألمانية (كروب، ماوزر):
● باعت أسلحة وذخائر لإسبانيا وفرنسا
● باعت أيضاً أسلحة للمقاتلين الريفيين بطرق غير قانونية.
كشف الباحثان الألمانيان روديبرت كونتس ورولف ديتر مولر أن الجيش الإسباني اشترى أسلحة كيميائية ألمانية لحرب الريف [13]. تم إنشاء مصنع « لا مارانيوزا » بمساعدة كبيرة من الكيميائي الألماني هوغو شتولتسنبرغ، المرتبط بالأنشطة السرية للحكومة الألمانية في مجال الأسلحة الكيميائية [14].
الدافع كان أساساً الربح التجاري. وبالتالي، لا يمكن تحميل ألمانيا مسؤولية الإبادة الجماعية بالمعنى السياسي المباشر، لكنها تتحمل مسؤولية أخلاقية للتمويل غير المباشر للصراع وتزويد إسبانيا بالغاز [15].
ثالثاً: المغرب الرسمي – صمت مقلق ومستمر.
خلافاً لما يعتقده كثيرون، لم يطلب المغرب قط من إسبانيا ولا من فرنسا لا اعتذاراً ولا تعويضات عن جرائم الريف.
حقائق مدمرة:
● هذه الجرائم لم تُدرج أبداً في أي مفاوضات ثنائية بين الرباط ومدريد/باريس
● هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية، التي نظرت في انتهاكات ما بعد الاستقلال، استبعدت الفترة الاستعمارية من ولايتها
● لا يوجد أي موقف رسمي يدين استخدام الغازات السامة ضد الريفيين [26][27]
بل والأسوأ، أن الحكومة المغربية منعت مؤتمراً دولياً طلبه الكونغرس العالمي الأمازيغي حول استخدام الغاز في الريف دون إبداء أسباب [26]. لا توجد أي دراسة رسمية مغربية حول العلاقة بين الأسلحة الكيميائية والسرطان في الريف [27].
هذا الصمت الرسمي ترك الضحايا وعائلاتهم وحدهم في مواجهة قوة الاحتلال السابقة.
رابعاً: إسبانيا – اعتراف معنوي دون تعويض.
التطورات الأخيرة:
● الملك فيليبي السادس أعرب عن « أسفه » لـ «أخطاء الماضي »، لكنه لم ينطق بكلمة « اعتذار » رسمياً
● الحكومة الإسبانية رفضت باستمرار أي تعويض مالي [21][24]
● في 14 يوليو 2022، تم رفض تعديلين في قانون الذاكرة الديمقراطية كانا يطالبان بالاعتراف باستخدام الأسلحة الكيميائية في حرب الريف [21]
● النائب الإسباني خوان تاردا يواصل الضغط على حكومته للاعتراف بهذه الجرائم [22]
مطالب مدنية:
قدمت الكنغرس العالمي الأمازيغي طلبات إلى مدريد عامي 2015 و2018 من أجل اعتذار وتعويضات للضحايا، دون تقدم يُذكر [25].
النتيجة: اعتراف معنوي رمزي، دون أي التزام قانوني أو مالي.
خامساً: فرنسا – إغفال تام ومحو للتاريخ.
فرنسا الرسمية تتعامل مع الجرائم المرتكبة في الريف من خلال:
● صمت مطلق في وثائقها الرسمية
● غياب تام لأي نقاش برلماني حول الموضوع
● تهميش استخدام الغازات السامة في سرديتها التاريخية [12]
لا أمل حالياً في اعتذار فرنسي دون ضغط شعبي ومدني قوي.
سادساً: تقدير الضحايا – مجزرة بأرقام غير مؤكدة
لا توجد إحصاءات رسمية. وفقاً لتقديرات المؤرخين، تتوزع الخسائر البشرية على النحو التالي: الجيش الإسباني فقد ما بين 50,000 و63,000 جندي، بينما الجيش الفرنسي فقد ما بين 12,000 و15,400 قتيل. أما الجانب الريفي، فالخسائر أثقل: يُقدر أن 30,000 إلى 50,000 من المقاتلين والمدنيين لقوا حتفهم. بالإضافة إلى ذلك، أُجبرت حوالي 6,000 أسرة على مغادرة منازلها والعيش في نزوح. العدد الحقيقي للضحايا المدنيين – خاصة الذين استنشقوا الغازات السامة – لا يزال مجهولاً لغياب التوثيق في القرى النائية.
أضرار صحية وبيئية مستمرة:
● أكثر من 70% من البالغين و50% من الأطفال المصابين بالسرطان في مستشفى الأورام بالرباط يأتون من الريف (الناظور والحسيمة) [17]
● 80% من حالات السرطان لدى البالغين في الناظور تُعزى للغازات الكيميائية من عشرينيات القرن الماضي [18]
● 80% من سرطانات الحنجرة في المغرب تتركز في الريف [20]
● سكان الريف يؤكدون أن كل عائلة فقدت قريباً بسبب السرطان؛ عمدة الحسيمة (أخصائي أشعة) يؤكد أن « هذا الشعور قوي جداً لدى السكان » [16]
شهادات وشهود عيان:
● الطيار الإسباني إغناثيو إيغالو دي ثيسنيروس (لاحقاً قائد الطيران الجمهوري) روى في مذكراته مشاركته في قصف الريف بالغازات السامة [28]
● الطيار بيدرو توندا بوينو ذكر في سيرته الذاتية « La vida y yo » (1974) تسميم ينابيع الريف بالغازات [29]
● المؤرخ خوان باندو أكد وجود وثائق إسبانية بأسماء وجنسيات الجنود الإسبان المتضررين من الغاز [30]
سابعاً: التعويضات – صفر مطلق.
لا تعويضات حتى اليوم من أي جهة كانت:
● لا من إسبانيا [21][24]
● ولا من فرنسا
● ولا من ألمانيا
● ولا من المغرب [26][27]
حق الضحايا في التعويضات في القانون الدولي:
حق ضحايا جرائم الحرب في التعويض هو قاعدة أساسية في القانون الدولي العام [31]. تقارير الأمم المتحدة حول آليات العدالة الانتقالية تؤكد على التعويض الجماعي والفردي لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان [32].
مطالب مشروعة للريفيين:
1. اعتراف رسمي من إسبانيا وفرنسا باستخدام أسلحة محرمة
2. تعويض مالي لكل عائلة فقدت ضحايا أو عانت من أضرار صحية
3. إنشاء مراكز صحية متخصصة في الأمراض المزمنة المنسوبة للحرب الكيميائية
4. رفع السرية عن الأرشيفات العسكرية الإسبانية والفرنسية.
خاتمة: نداء للعدالة قبل فوات الأوان.
بعد قرن من المجازر، لا يزال الريف ينتظر تعويضاً متواضعاً. لم يطلب أحد من إسبانيا أو فرنسا إعادة كتابة التاريخ، بل فقط الاعتراف والاعتذار والتعويض.
أما المغرب الرسمي، فصمته المتواطئ هو جريمة ثانية بحق أبنائه. حان الوقت لأن:
● يتبنى البرلمان المغربي قضية الريف رسمياً
● ترفع منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان هذه القضية إلى طاولة الأمم المتحدة
● تكسر وسائل الإعلام المغربية مؤامرة الصمت
الريف لم يمت، وجراحه لا تزال تنزف. العدالة، ولو تأخرت، لا تسقط بالتقادم.
◇◇◇◇◇◇◇
المراجع (حواشي مرقمة)
[1] Frontiers Research : Chemical weapon stockpiling and use in the Rif War (1921-1927)
[2] Wikipedia EN: Rif War – Use of chemical weapons
[3] Wikipédia ES: Guerra del Rif – Armas químicas
[4] Wikipédia FR: Guerre du Rif – Utilisation d’armes chimiques
[5] Wikipedia AR: حرب الريف – الأسلحة الكيميائية
[6] H24info (Maroc) – reportage sur les bombardements chimiques
[7] The Conversation: First widespread chemical attack on civilians in the Rif
[8] afrol News: Rif chemical weapons and cancer rates
[9] Morocco World News: Spain’s non-apology
[10] Frontiers Research: French Prime Minister Painlevé’s order (23 May 1925)
[11] Frontiers Research: Marshal Lyautey’s request for 10,000 chemical shells
[12] Frontiers Research: Historical denial of French chemical use
[13] Kunz & Müller (1990) : Giftgas gegen Abd el Krim
[14] Wikipedia ES: Fábrica « La Marañosa » and Hugo Stoltzenberg
[15] L’Orient Le Jour: German gases used by Spain in Rif
[16] L’Orient Le Jour: Rif residents and cancer – testimony of Al Hoceima mayor
[17] H24info: 70% of adult cancer patients in Rabat from Rif
[18] Medias24: 80% of cancer in Nador linked to 1920s chemical gases
[19] France24: Mustard gas still a concern in Rif after a century
[20] Morocco Tomorrow: 80% of laryngeal cancer in Morocco in Rif region
[21] RTVE: Spanish Congress rejects amendments for recognition and compensation (14 July 2022)
[22] RTVE: Juan Tardá demands recognition of chemical weapons use
[23] Hespress : Rif civil society demands Spanish apology and compensation
[24] Bladi.net: Individual compensation claims rejected by Spanish Congress
[25] Morocco Tomorrow: IAM appeals to Madrid in 2015 and 2018
[26] afrol News: Moroccan government bans international conference on Rif gas
[27] H24info: No Moroccan official study on chemical weapons-cancer link
[28] Wikipedia FR: Ignacio Hidalgo de Cisneros memoirs
[29] Wikipedia ES: Pedro Tonda Bueno – « La vida y yo » (1974)
[30] Wikipedia ES: Juan Pando – Spanish documents on gas victims
[31] Revista REDI: Right to compensation for war victims in international law
[32] Nations Unies : Transitional justice and compensation mechanisms
[33] Sebastian Balfour: Deadly Embrace: Morocco and the Road to the Spanish Civil War (2002)
[34] Kunz & Müller (1990): Giftgas gegen Abd el Krim
[35] María Rosa de Madariaga : Abd el-Krim el Jatabi: La lucha por la independencia
[36] Juan Pando: Archivos del ejército español sobre gases en el Rif
[37] Mimoun Charqi : Armes chimiques de destruction massive sur le Rif
