حين تُوحّد الجنازة ما فرّقه الاغتيال: خامنئي بين محاولة تفكيك إيران ومشهد تشييع استثنائي.

حين تُوحّد الجنازة ما فرّقه الاغتيال: خامنئي بين محاولة تفكيك إيران ومشهد تشييع استثنائي.
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

في 28 فبراير 2026، اهتزت طهران على وقع سلسلة ضربات جوية أمريكية-إسرائيلية مشتركة استهدفت أعلى هرم السلطة في إيران. أعلن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي قتيلاً في طهران ضمن سلسلة ضربات إسرائيلية استهدفت كبار المسؤولين الإيرانيين، وأكدت الحكومة الإيرانية وفاته في اليوم الموالي. ولم يكن خامنئي وحده الضحية؛ فقد أكد مسؤولون إسرائيليون سقوط عدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين معه في الضربة نفسها، من بينهم قائد الحرس الثوري وقائد الأركان ووزير الدفاع ومستشار المرشد.

رهانات الغرب على الفوضى.

بمجرد تأكد الخبر، ذهبت تحليلات عديدة في الإعلام الغربي إلى أن اغتيال رأس النظام الإيراني قد يفتح الباب أمام سيناريوهين: انزلاق البلاد نحو اقتتال داخلي، أو انتهاز معارضي النظام والحرس الثوري نفسه فرصة الفراغ لإحكام السيطرة أو حتى الانقلاب على ما تبقى من مؤسسات الدولة. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه صرّح آنذاك بأنه يعرف من يدير إيران فعلياً بعد وفاة خامنئي، فيما اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الضربة ستمنح « الشعب الإيراني الشجاع » الفرصة لتقرير مصيره بنفسه.

ما جرى فعلياً: تشييع ضخم ومشاركة دولية لافتة.

على عكس سيناريوهات الانهيار السريع، اختارت إيران تنظيم مراسم تشييع رسمية استثنائية، امتدت على مدى ستة أيام من 4 إلى 9 يوليوز 2026، شملت طهران وقم ثم مدينتي النجف وكربلاء العراقيتين، لتنتهي بدفن خامنئي في مسقط رأسه بمشهد. وقد حضرت وفود من أكثر من مائة دولة مراسم مخصصة للضيوف الأجانب يوم الجمعة، في مؤشر على حجم الرهانات الإقليمية والدولية المرتبطة بمسار الانتقال في طهران، وهو رقم يتطابق مع ما أشار إليه مصدرك حول مشاركة أزيد من مائة دولة.

ومن أبرز الحاضرين ممثلون عن روسيا والصين وباكستان والهند وتركيا وأفغانستان (طالبان) والعراق، إضافة إلى دول من آسيا الوسطى وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، في حين غابت أغلب الدول الغربية عن القائمة. ورغم أن إيران توقعت حضور « عشرات » من رؤساء الدول، فإن أغلب من حضروا فعلياً كانوا نواب رؤساء أو وزراء وممثلين وليسوا رؤساء دول بأنفسهم. كما شارك في المراسم مبعوثون عن حركتي حماس وحزب الله. وتحدثت السلطات الإيرانية عن توقعات باستقبال ما بين عشرة و35 مليون مشارك عبر مختلف مراحل التشييع، وهو رقم قد يجعل من هذه الجنازة، إن صحّ، الأكبر في تاريخ البلاد.

أمثلة على المشهد الذي روّجت له طهران كدليل تماسك.

صوّرت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية حشوداً غفيرة ترتدي السواد في المصلى الكبير بطهران، وسط هتافات من قبيل « كلمتنا واحدة » و »الموت لأمريكا » و »الموت لإسرائيل »، ولافتات ضخمة كتب عليها « يجب أن ننهض » بالعربية والفارسية والإنجليزية. كما نُصبت آلاف الخيام ووُفرت وسائل نقل مجانية وتخفيضات في الفنادق لتسهيل تنقل الوافدين من مختلف الأقاليم، في مسعى واضح لإظهار قدرة الدولة على الحشد رغم الحرب والعزلة الدولية.

لكن الصورة أكثر تعقيداً مما تُظهره مراسم التشييع وحدها.

بالمقابل، تجدر الإشارة إلى معطيات تُنبّه إلى أن قراءة هذا الحدث كدليل قاطع على « توحّد » تلقائي وشامل للشعب الإيراني خلف النظام قد تكون مبسّطة أكثر من اللازم:

● عقب إعلان مقتل خامنئي مباشرة، سجلت تقارير غربية خروج بعض الإيرانيين للاحتفال في الشوارع فرحاً بالخبر، في مشهد متزامن مع مظاهر الحداد لدى إيرانيين آخرين، ما يعكس انقساماً حقيقياً في المشاعر الشعبية وليس إجماعاً كاملاً.

تحدثت تقارير صحفية عن شكاوى من « الحضور القسري » لبعض المشاركين في مراسم التشييع، وهو ما يفتح تساؤلات حول مدى تلقائية هذه الحشود مقابل التعبئة الموجهة من الدولة.

● يظل غياب مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل وخليفته المعلن، عن مراسم دفن والده لافتاً ومثيراً للتساؤلات حول وضعه الأمني ومدى استقرار السلطة الجديدة فعلياً، وهو ما يتناقض مع خطاب « الوحدة الكاملة » الذي روّجت له طهران.

● تجدر الإشارة أيضاً إلى أن هذا الحدث جاء بعد أشهر قليلة من احتجاجات شعبية واسعة ضد النظام في دجنبر 2025 ويناير 2026، سقط خلالها آلاف القتلى بحسب منظمات حقوقية، ما يذكّر بأن معارضة داخلية حقيقية للنظام لا تزال قائمة، وإن لم تتحول إلى انقلاب أو حرب أهلية كما توقع البعض.

خلاصة. يبقى صحيحاً أن اغتيال خامنئي لم يؤدِّ، على الأقل في الأسابيع الأولى، إلى الانهيار السريع أو الحرب الأهلية التي راهن عليها البعض في واشنطن وتل أبيب، وأن مشهد التشييع الحاشد ومشاركة أكثر من مائة وفد أجنبي شكّلا رسالة قوة وتماسك أرادت طهران إيصالها للداخل والخارج على حد سواء. غير أن الوقائع المتزامنة -من احتفال بعض المواطنين بالخبر، إلى شكاوى التعبئة القسرية، إلى غياب الخليفة المعلن عن الجنازة- تشير إلى أن المشهد أكثر تعقيداً من ثنائية « تفكك » مقابل « توحّد تلقائي »، وأن الحكم النهائي على مآلات هذا الحدث التاريخي في تاريخ إيران الحديث لا يزال سابقاً لأوانه

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *