كلمة الى الأستاذ محمد الماغودي..
يوسف غريب:
الناقد والمحلل الرياضي المغربي وهي « الصفة » التي تخاطبنا بها وتطل عبرها على الرأي العام في كل حدث رياضي وطني أو دولي منذ سنوات ليست بالقليلة..
سنوات ارتبط فيها اسمك لدى فئة من عشاق الإثارة وهواة الصراخ بمنهجية قوامها تصيد الأخطاء وتضخيم العثرات في مشهد يبتعد كثيراً عن جوهر النقد الرياضي البناء مسؤولياته الأخلاقية.
هكذا وبفعل الصدفة المحضة تابعتُ إحدى خرجاتك الإعلامية الأخيرة لتتزامن – ويا للمفارقة – مع حملة هجومية تونسية مضادة بلغت مستوى من التشنج والوقاحة لم نعهده في علاقتنا التاريخية مع الأشقاء التونسيين والذين كان مرورهم وإقامتهم في الرباط خلال تظاهرة كأس أمم إفريقيا نموذجاً إيجابياً ومفرحاً يعكس عمق الأواصر التي تجمع بين الشعبين والمجتمعين.
وحين أردنا تفكيك المشهد والبحث عن الخلفيات والأسباب التي تقف وراء هذا التوتر المجاني لم نجد في واجهة الأحداث سواك..
نعم… ولن يكون غيرك خاصة حين نضع هذا الأسلوب في كفة المقارنة مع محللين مغاربة يطبع الرأيَ عندهم الوقار والرزانة وينصب تركيزهم على تشريح الاختلالات البنيوية للرياضة الوطنية دون السقوط في فخ الشعبوية الإعلامية.
إن ما قمت به بكثير من الاندفاع وقليل من البصر هو إيقاظ لفتنة نائمة وإقحام جماعي للشعب المغربي في معركة واهية لا طائل منها بل وتجاوز ذلك إلى إقحام مؤسسات سيادية ورمزية في أتفه مواجهة مجانية بضريبةُ لن تدفع كلفتها إلا العلاقات الأخوية بين الشعبين.. فقط لإرضاء نزعة أنانية ضيقة تبحث عن العناوين المثيرة.
وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه بكثير من الاستغراب:
هل إقحام رئيس دولة تونس بكل ما يمثله من رمزية سياسية لبلد شقيق يندرج ضمن أدوات « التحليل الرياضي » أم أنه يسقط في خانة السفاهة الحمقاء والعبث الإعلامي؟
وهل تعتقد واهماً أنك تملك موقفاً أبلغ أو أعظم من موقف الدولة المغربية تجاه تونس كشعب ومؤسسات؟
إن المغرب بنضجه الدبلوماسي العريق يعرف كيف يدير ملفاته وعلاقاته بحكمة وتبصر وهدوء ترفعاً عن الصغائر وحتى في أحلك محطات التجاوز الدبلوماسي إذا صحّ التعبير
إن الكلمة أمانة.. ومنابر النقد الرياضي خُلقت لتقريب المسافات وهدم الهوة بين الجماهير لا لتتحول إلى معاول لهدم ما بنته الجغرافيا والتاريخ المشترك.
إن الاختلاف مع الأشقاء في تونس مهما بلغت حدته السياسية أو العتاب الدبلوماسي يظل شأناً تُديره حكمة الدول وقنواتها الرصينة بتبصر وهدوء وليس مجالاً للشعبوية الإعلامية ومجازفات الصوت العالي.
لذلك، فإن تراجعك خطوة إلى الوراء واعتذارك للشعب التونسي الشقيق ليس ضعفاً بل هو انتصار لصوت العقل والمسؤولية الأخلاقية وإعادة للاعتبار لجمهور مغربي يرفض بشكل قاطع أن يُختزل وعيه وتاريخه في صخب « ميكروفون » لا يمثل إلا صاحبه.
معلنين ذلك بشكل واضح وجريء: أنت في هذه الخرجات لا تمثل إلا نفسك ولا تتحدث باسم المغاربة الذين يستحضرون منطق التاريخ ويسعون وراء بناء المشترك المغاربي.
ناصحين إياك بأن تحاول خفض صوتك قليلاً.. فالصوت العالي لم يكن يوماً دليلاً على قوة الحجة ومارس مغامراتك واندفاعك الإعلامي في حدود الشأن الداخلي لمن يرتضي الاستماع إليك.. لكن كفّ يدك وأدواتك التحليلية القاصرة عن شؤون الآخرين.. وكفّ عن تحويل المنصات الرياضية إلى أعواد ثقاب تحرق وداد الإخوة والصداقة
مع تحياتي
