الأمن أساس الدين والعمران.. قراءة مقاصدية لإعادة الاعتبار لرجال الأمن في الوطن العربي

الأمن أساس الدين والعمران.. قراءة مقاصدية لإعادة الاعتبار لرجال الأمن في الوطن العربي
شارك

الشيخ الصادق أحمد العثماني

ليس من المبالغة القول إن الأمن هو الشرط الأول لقيام الحضارة، وهو الأرض الصلبة التي تقوم عليها جميع مقاصد الشريعة ومصالح الإنسان. فلا دين يستقيم دون أمن، ولا علم يزدهر في ظل الفوضى، ولا اقتصاد ينمو في أجواء الخوف، ولا مجتمع يحافظ على تماسكه إذا غاب الاستقرار. ولذلك جعل الإسلام نعمة الأمن في مقدمة أعظم النعم التي امتن الله بها على عباده، فقال سبحانه: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]، فجمع بين نعمة الرزق ونعمة الأمن، لأن الأولى تحفظ الأبدان، والثانية تحفظ الأوطان والإنسان.

ومن المؤسف أن جزءاً مهماً من الثقافة السياسية والاجتماعية في العالم العربي والإسلامي قد رسخ عبر عقود طويلة نظرة سلبية تجاه رجل الأمن والمؤسسات الأمنية، حتى أصبح رجل الأمن في المخيال الشعبي لدى بعض الفئات رمزاً للقمع أو الخصومة، بينما نجد في معظم المجتمعات الغربية والأوروبية أن رجل الشرطة أو رجل الأمن يحظى بدرجة كبيرة من الاحترام والتقدير، ويُنظر إليه باعتباره حارساً للنظام العام، وحامياً للمواطن، وشريكاً في صناعة الأمن والاستقرار.

وهذه المفارقة تستحق قراءة فلسفية ومقاصدية تتجاوز الانفعالات والشعارات، لأن الأمم لا تنهض بثقافة تهدم مؤسساتها، وإنما تنهض بثقافة الإصلاح والبناء والنقد المسؤول.

لقد ساهمت التيارات الماركسية والشيوعية واليسارية، خاصة داخل الجامعات العربية خلال ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، في ترسيخ صورة عدائية تجاه رجل الأمن، انطلاقاً من رؤيتها للصراع الطبقي، واعتبار أجهزة الدولة مجرد أدوات لحماية السلطة والطبقات الحاكمة. وتحولت الجامعات في كثير من البلدان إلى فضاءات لإنتاج خطاب سياسي يصور رجل الأمن باعتباره عدواً للشعب، لا مواطناً يؤدي وظيفة عامة، وأصبحت السخرية من المؤسسات الأمنية وشيطنتها جزءاً من الأدبيات الثورية التي غذت أجيالاً كاملة بثقافة الصدام والكراهية.

ثم جاءت بعض الجماعات الإسلامية المؤدلجة، ولا سيما التيارات التكفيرية والجهادية والمتطرفة، فأعادت إنتاج هذه النظرة ولكن بغطاء ديني أكثر خطورة. فلم تعد المشكلة عندها سياسية فحسب، بل تحولت إلى قضية عقدية، حيث اعتبرت هذه الجماعات الأنظمة السياسية أنظمة كفر، ثم توسعت في تنزيل أحكامها على كل من يعمل في مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسات الأمنية والعسكرية، حتى وصل الأمر عند تنظيمات إرهابية إلى استباحة دماء رجال الأمن واعتبار قتلهم قربة يتقرب بها إلى الله، وهو من أخطر صور الانحراف في فهم النصوص الشرعية.

إن هذا الفكر لا يصادم مقاصد الشريعة فحسب، بل يصادم صريح القرآن والسنة وإجماع الأمة عبر تاريخها. فالإسلام لم يجعل الأصل في العلاقة مع مؤسسات الدولة هو الصدام، وإنما جعل الأصل حفظ الجماعة وصيانة المجتمع ومنع الفتنة، لأن الفوضى أعظم شراً من كثير من الأخطاء التي يمكن أن تقع في إدارة الدول.

ومن هنا فإن وظيفة رجل الأمن ليست مجرد وظيفة إدارية، وإنما هي رسالة اجتماعية ووطنية وأخلاقية عظيمة، قوامها حماية الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض. فكل رجل أمن يمنع جريمة، أو يحبط عملية إرهابية، أو يحمي حدود الوطن، أو يؤمن طريقاً، أو ينقذ طفلاً، أو يحفظ النظام العام، فإنه يشارك في تحقيق مقاصد الشريعة من حيث يشعر أو لا يشعر.

ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]. والأمن هو أعظم صور الإصلاح، كما أن الإرهاب والفوضى من أعظم صور الإفساد. وجاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». فجعل الأمن أول النعم التي يشعر بها الإنسان قبل الصحة والطعام، لأن الخائف لا ينتفع بصحة ولا يستمتع برزق؛ بل إن القرآن الكريم عندما تحدث عن إبراهيم عليه السلام بدأ بالدعاء للأمن قبل الرزق، فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 126]. فالأمن مقدمة العمران، والرزق ثمرة من ثماره.

إن الفلسفة الإسلامية في بناء الدولة لم تقم على تمجيد السلطة لذاتها، وإنما قامت على حفظ النظام العام وتحقيق المصالح ودرء المفاسد. وقد أدرك علماء الإسلام هذه الحقيقة مبكراً، حتى قال الإمام الماوردي إن الإمامة موضوعة لحراسة الدين وسياسة الدنيا، ولا يمكن أن تتحقق هذه الحراسة إلا بوجود مؤسسات تحفظ الأمن وتمنع الاعتداء وتحمي المجتمع.

كما قرر الإمام الشاطبي أن حفظ النظام العام من أعظم مقاصد الشريعة، لأن اختلاله يؤدي إلى ضياع جميع الضرورات والكليات. فلا يمكن إقامة صلاة الجمعة إذا غاب الأمن، ولا يمكن أداء الزكاة في ظل الفوضى، ولا يستطيع الناس الصيام أو الحج أو طلب العلم أو التجارة إذا أصبحت حياتهم مهددة بالخوف والاضطراب.

ومن هنا فإن رجل الأمن، حين يؤدي عمله بإخلاص وعدل واحترام لكرامة الإنسان، لا يقوم بعمل دنيوي مجرد، بل يشارك في عبادة عظيمة تتمثل في حفظ مصالح العباد، وهي من أجلِّ القربات إذا اقترنت بالإخلاص والعدل والنزاهة.

ولا يعني هذا أبداً أن المؤسسات الأمنية معصومة من الأخطاء، أو أن أفرادها لا يخطئون، فكل مؤسسة بشرية معرضة للزلل، والإسلام يرفض الظلم أياً كان مصدره. لكن الفرق كبير بين نقد التجاوزات والمطالبة بالإصلاح، وبين تحويل رجل الأمن إلى عدو للمجتمع وتشويه صورته في وعي الأجيال. فالإصلاح يكون بتقوية المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، ومحاسبة المخطئ، لا بهدم الثقة في المؤسسة نفسها.

إن التجارب الدولية الناجحة تؤكد أن بناء علاقة إيجابية بين المواطن ورجل الأمن ينعكس مباشرة على الاستقرار والتنمية. ففي كثير من الدول الأوروبية، يتعلم الأطفال منذ المراحل الأولى أن رجل الشرطة صديق للمجتمع، وأن اللجوء إليه عند الحاجة أمر طبيعي، وتشارك المدارس ووسائل الإعلام في ترسيخ هذه الثقافة، فتتكون علاقة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل.

أما في بعض البيئات العربية، فقد انتقلت إلى الأطفال، عبر الخطاب السياسي أو الإعلامي أو حتى داخل الأسرة، صورة سلبية عن رجل الأمن، فأصبح بعض الآباء يخوفون أبناءهم به، وكأن رجل الأمن أداة للعقاب لا رمز للحماية. وهذه التربية تنتج مواطناً يحمل مشاعر الريبة تجاه مؤسسات وطنه، وهو أمر ينعكس سلباً على الاستقرار المجتمعي.

إن التربية الوطنية ليست مادة دراسية هامشية، بل هي مشروع حضاري لتكوين المواطن الصالح. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار لمادة التربية الوطنية في المدارس العربية، بحيث يتعلم الأبناء معنى الدولة، وقيمة القانون، وأهمية المؤسسات، وفضل رجال الأمن والقوات المسلحة، وكيف أن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

كما ينبغي أن تتضمن المناهج نماذج مشرقة لرجال أمن ضحوا بحياتهم دفاعاً عن أوطانهم، وأن يتعرف الطلاب إلى حجم التضحيات التي يبذلها هؤلاء، فهم يسهرون بينما ينام الناس، ويقفون في مواجهة الجريمة والإرهاب والكوارث، ويعرضون أنفسهم للخطر حتى ينعم المواطن بالأمن والطمأنينة.

ومن الظلم أن يُختزل تاريخ رجال الأمن في أخطاء بعض الأفراد، كما أنه من الظلم أن تُدان مؤسسة بأكملها بسبب تجاوزات محدودة، لأن العدل الذي أمر به الإسلام يقتضي الإنصاف وعدم التعميم.

إن من أخطر ما أفرزته أدبيات التطرف أنها جعلت استهداف رجل الأمن عملاً بطولياً، بينما هو في الحقيقة اعتداء على المجتمع كله، لأن رجل الأمن لا يحرس السلطة وحدها، بل يحرس المستشفى والجامعة والمدرسة والمسجد والكنيسة والأسواق والبيوت والطرق. وحين يسقط رجل الأمن أثناء أداء واجبه، فإن الذي يُستهدف في الحقيقة هو أمن المجتمع واستقراره.

ولذلك فإن من الواجب الشرعي والفكري إعادة بناء الوعي الجمعي على أساس أن احترام رجل الأمن ليس خضوعاً للسلطة، وإنما احترام لوظيفة نبيلة تحفظ حياة الناس وتصون مصالحهم. كما أن الدفاع عن المؤسسات الأمنية لا يعني السكوت عن الأخطاء، بل يعني التفريق بين الإصلاح المسؤول والهدم العبثي.

إن الأمة التي تهين مؤسساتها وتزرع الكراهية تجاه حراس أمنها تفتح أبوابها للفوضى، بينما الأمة التي تكرم رجالها المخلصين، وتدعم مؤسساتها، وتصلح أخطاءها بالحكمة والقانون، هي الأمة الأقدر على صناعة المستقبل.

لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لفلسفة الأمن في الفكر الإسلامي، باعتبارها فلسفة تقوم على الرحمة، وحفظ النفوس، وصيانة الحقوق، وتحقيق العمران، لا على القمع أو التخويف. كما آن الأوان لتجاوز الخطابات الأيديولوجية التي ورثناها من صراعات القرن الماضي، سواء تلك التي صدرتها بعض التيارات الماركسية واليسارية، أو التي أعادت إنتاجها الجماعات الإسلامية المتطرفة بثوب ديني منحرف، لأن النتيجة في الحالتين واحدة: إضعاف الثقة في الدولة، وتشويه صورة المؤسسات، وتمزيق العلاقة بين المواطن وحراس أمنه.

إن الأمن ليس شعاراً سياسياً، بل هو مقصد شرعي، وضرورة إنسانية، وركيزة حضارية، ونعمة ربانية عظيمة تستحق الشكر والمحافظة. وإذا كان العلماء هم حراس العقيدة، فإن رجال الأمن هم حراس الأوطان، وكلاهما يؤدي رسالة جليلة في خدمة المجتمع. وحين يتكامل العلم مع الأمن، والعدل مع القانون، والمواطنة مع المسؤولية، تتحقق الدولة القوية التي تحفظ الدين، وتصون الإنسان، وتبني الحضارة.

ولهذا فإن الواجب اليوم ليس فقط تكريم رجال الأمن، وإنما أيضاً إعادة بناء الثقافة المجتمعية التي تعترف بفضلهم، وتربي الأجيال على احترامهم، وتغرس في النفوس أن أمن الأوطان نعمة لا تقدر بثمن، وأن المحافظة عليها مسؤولية الجميع، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. فبالعدل تستقيم المؤسسات، وبالأمن تعمر الأوطان، وبالتعاون بين المواطن ورجل الأمن تُصان المجتمعات وتُبنى الحضارات.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *