من المولد الذي أهدانا أخاً… إلى الرحيل الذي ترك في القلب غصّة

من المولد الذي أهدانا أخاً… إلى الرحيل الذي ترك في القلب غصّة
شارك

المختار عنقا الادريسي.

 في الثالث عشر من شتنبر من كل عام، يعود تاريخ ميلادك، أخي الصغير رشيد ، لا ليذكّرنا فقط باليوم الذي أشرقت فيه على هذه الدنيا ، وإنما ليضعنا أمام مفارقة موجعة : فيوم ميلادك صار يأتي إلينا وأنت غائب عن أعيننا ، حاضر في أعماقنا ، مقيم في الذاكرة كما لو أنك لم تغادر هذه الحياة.

ولعل أقسى ما في الغياب أن الإنسان لا يستعد له حين يأتي . لقد غادرتنا،أيها الأعز على حين غفلة ؛ بلا وصية ،ولا موعد للوداع ، ولا فرصة أخيرة نقول لك فيها ما ظل في أعماقنا من كلام لم يُقل.ولذلك بقي في القلب شيء يشبه الغصّة ، شيء لا يداويه مرور الأيام ، لأن بعض الرحيل لا يترك وراءه فراغاً فحسب ، وإنما يترك أسئلة معلّقة وحنيناً لا يجد طريقه إلى الاكتفاء . لكنني وأنا أستعيد اليوم ميلادك ، لا أريد أن أجعل من ذكراك مناسبة للحزن وحده . بل أريد أن أعود بك إلى البداية . إلى ذلك البيت الذي كنت فيه ذات زمن آخر العنقود في دوحة الأشراف آل عنقا الإدريسي؛ آخر أبنائنا الذين اكتملت بهم صورة الأسرة ،وأضيف بهم إلى شجرة العائلة غصن جديد . يومها لم يكن أحد يعرف أن الطفل الأصغر  الذي جاء ليكون اخر إخوته سيغدو ، بعد عقود رجلاً يحمل اسماً عائلياً ومسؤولية تربوية وأخلاقية ، ويترك وراءه من الشهادات الإنسانية ما يجعل غيابه أكبر من مجرد غياب فرد من الأسرة . كبرتَ يا رشيد ، وكبرت معك المسؤوليات . فاخترت – مكرها – التربية والتعليم ، ولم يكن اختيارك مجرد وظيفة تؤدى في ساعات العمل ، بل بدا في شهادات الذين عاشروك ، رسالة آمنت بها وأديتها بإخلاص وتفانٍ تامين . واليوم حين تتحدث عنك الإدارات التي عملت فيها

 … ثانوية الخوارزمي بالدار البيضاء التي احتضنتك …  الأساتذة الذين جاورتهم … التلاميذ ( ات ) الذين مروا من بين يديك … بنات وأبناء جيرانك …كل من عرفك عن قرب  فإنهم لا يستحضرون فقط موظفاً أو أستاذاً أو رجل تعليم ؛ بل يستحضرون إنساناً ترك أثراً طيباً في نفوسهم . وهنا تكمن قيمة الإنسان الحقيقية . فالشهادات التي تأتي بعد الرحيل ليست مجاملة للميت ؛ إنها في كثير من الأحيان ، امتحان أخير لما تركته في الأحياء . وأنت يا رشيد ، تركت فيهم ما يشهد لك . فطوبى لك بتلك الشهادات ، وطوبى لكل عمل أخلصت فيه النية ، ولكل يد امتدت بالخير، ولكل كلمة طيبة قلتها،ولكل تلميذ (ة) ربما غيرت فيه شيئاً نحو الأفضل – وهم كثر – ولكل إنسان شعر ، في لحظة من لحظات حياته ، أنك كنت إلى جانبه خير سند . ولذلك فإنني حين أقول اليوم : رحمك الله ، فلا أقولها فقط بلسان الأخ المفجوع في أخيه ، وإنما أقولها أيضاً بلسان كل أولئك الذين شهدوا لك بحسن السيرة وصدق العطاء .

أيها الفقيد الأعز ، لقد كان نصيبك من الحياة أقصر مما كنت وكنا نريد . لقد جئت إليها في الثالث عشر من شتنبر، وعشت ما كتب الله لك أن تعيش ، ثم جاء الرحيل فجأة ، كأن الموت لم يشأ أن يمنحنا حتى ترف الاستعداد له . هكذا هي النهايات أحياناً : لا تشبه البدايات في شيء . جئتَ إلينا محمولاً بفرح الميلاد ، وغادرتنا محمولاً إلى مثواك الأخير ؛ وبين الميلاد والرحيل امتدت حياةكاملة ، فيها الطفولة… الأخوة … العمل …الرسالة … الصداقات …الفرح …الذكريات …لنجاحات … الدموع… الابتسامة … الأمل… ثم انتهى كل شيء في أعيننا ، رغم أنه لم ينته في حقيقة الأمر . لأن الإنسان لا ينتهي حين يرحل .قد ينتهي جسده،أما أثره فيبقى خالدا الى الأبد . وأنت تركت أثراً في الأسرة، وفي مهنتك ، وفي نفوس من عرفوك ، وفي ذاكرتي أنا بالذات . وكيف لا وأنت أخي الصغير، وهذه العبارة وحدها تختزن تاريخاً لا تستطيع الكلمات أن تستوعبه . فالأخ الأصغر ليس مجرد ترتيب في سجل الأسرة إنه جزء من طفولة مشتركة ، ووجه من وجوه البيت الأول ، وذاكرة تمشي معنا من زمن بعيد . ولهذا حين ترحل ، لا يرحل شخص واحد فقط ؛ بل يرحل معه جزء من الزمن الذي كنا نعيش فيه . لقد كنتَ آخر العنقود في تلك الدوحة التي جمعتنا حول الوالدين ، قبل أن تبدأ الحياة في التطويح بنا وتفريقنا واحداً بعد آخر . واليوم وها قد سبقتنا إلى الضفة الأخرى ،أجدني أستعيد وجوه الذين سبقوك ، وأتخيلك بينهم : والدينا ، وأخويك ، وكل من أحببناه وغادرنا قبل أن نكتفي من وجوده . ولذلك لا أقول لك في هذا اليوم : وداعاً ، بل أقول : لقد عدتَ إلى أهلك الذين سبقوك . عدت إلى رحمة الله وعفوه ورضاه ،إلى حيث لا فراق ولا مرض ولا موت . أيها السيزيفي العزيز ، لعلك تعرف لماذا أختار لك هذا  الوصف . فسيزيف في رمزيته الإنسانية ، هو ذلك الذي يواصل دفع صخرته إلى أعلى، رغم علمه بثقلها ، ورغم أن الطريق شاق ، ورغم أن عليه أن يواصل المحاولة . وأنت مثل كثير من أبناء جيلك ، حملت صخرتك ، همومك ، معاناتك ، صمتك ، ومضيت . بعد أن عملت … صبرت … أديت رسالتك … تحملت أعباء  الحياة ، ولم تكن تعرف أن النهاية قد تأتي بهذه السرعة . لكن الفرق أنك لم تدفع صخرتك عبثاً . لقد تركت وراءك أثراً تربوياً وإنسانياً يشهد بأن رحلتك لم تكن مجرد عبور عابر في هذه الدنيا . وفي يوم ميلادك هذا ، لا أريد أن أعدد سنوات غيابك . أريد أن أعدد الأشياء التي بقيت منك :

              بقي اسمك.

              بقي وجهك في الذاكرة.

              بقي صوتك في الوجدان.

وبقيت سيرتك الطيبة في شهادات من       عرفوك . بقيت أخاً صغيراً في ذاكرة أخوتك مهما تقدمت بهم السنون . وبقيت واحداً من أبناء ذلك البيت الذي كان يجمعنا ، قبل أن تتكفل الحياة والموت بتوزيعنا على الجهات

وبقيت قبل كل ذلك ، رشيداً الذي ولد في

الثالث عشر من شتنبر، فعاش ثم رحل، تاركا

 وراءه ما يستحق أن يُذكر بالخير .

في عيد ميلادك يا أخي الأصغر، لن أشعل لك شمعة . فالشمعة التي كان ينبغي أن تضيء بيننا ، أطفأها الرحيل المفاجئ . لكنني سأشعل في داخلي شمعة الوفاء . سأتركها مضيئة باسمك ، لا لتضيء قبرك ، فقبور الأحبة يضيئها دعاء الأحياء ، وإنما لتضيء ذاكرتنا نحن ، حتى لا تتحول السنوات إلى نسيان . وسأقول وأردد،كما قلت يوم رحيلك   رحمك الله يا رشيد . رحم الله أخي الصغير ، آخر العنقود في دوحة آل عنقا الإدريسي . رحم الله الرجل الذي أدى رسالته التربوية بإخلاص ، وشهد له بها من عرفوه . رحم الله من رحل بلا وصية ولا وداع ، وترك في قلوبنا غصّة لا تزال حارقة . ورحم الله من سبقوك من الوالدين والإخوة والأحبة ، واجمعكم جميعاً في رحمته الواسعة ، وأسكنكم فسيح جناته أما نحن الذين ما زلنا هنا ننتظر،فسوف نحمل نصيبنا من الحنين ، ونمضي فالحياة تمضي ، لكن بعض الأحبة لا يغادرونها تماماً ؛ إنهم ينتقلون فقط من مكان إلى مكان :

       من البيت إلى الذاكرة

       من العين إلى القلب

       من الحضور إلى الدعاء

وستظل يا رشيد أخي الصغير … ذلك الميلاد الذي صار ذكرى ، وذلك الرحيل الذي صار سؤالاً ، وذلك الأثر الذي جعل من الغياب حضوراً لا ينتهي .

رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك مع والدينا وأخويك ومن تحب فسيح جناته .

وفي كل الثالث عشر من شتنبر، سيظل ميلادك موعداً آخر مع الوفاء .

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *