حين أصبح الزمن يسكن الجسد: كيف غيّرت الحداثة والتكنولوجيا علاقتنا بأنفسنا؟
محمد السميري
قد يبدو الزمن للوهلة الأولى شيئًا بديهيًا لا يحتاج إلى تفسير: تمر الساعات، تتعاقب الأيام، تأتي الفصول وتذهب، ويكبر الإنسان مع مرور السنوات. لكن ماذا لو كان الزمن الذي نعيشه ليس هو نفسه في كل المجتمعات والعصور؟ وماذا لو كانت الطريقة التي نشعر بها بالتعب، وننظم بها النوم والعمل، وننظر بها إلى الشيخوخة، بل وحتى الطريقة التي نحكم بها على أجسادنا، مرتبطة بالتصور الذي يفرضه المجتمع على الزمن؟
هذا هو السؤال الذي يقودني إلى كتاب المؤرخ الفرنسي جورج فيغاريلو، منطقيات الجسد: طريقة أخرى للتفكير في الزمن، الصادر بالفرنسية عن منشورات «سوي» سنة 2026. وفيغاريلو ليس باحثًا طارئًا على موضوع الجسد، فقد أمضى جزءًا كبيرًا من مسيرته في دراسة تاريخ النظافة والجمال والرياضة والألم والشيخوخة، أي تلك الأشياء التي نميل إلى اعتبارها مسائل شخصية أو بيولوجية، بينما يحاول هو أن يكشف ما وراءها من تاريخ وثقافة ومجتمع. ولذلك فإن كتابه الجديد لا يتعامل مع الجسد بوصفه مجرد جسم بيولوجي، ولا مع الزمن بوصفه مجرد حركة للساعة، وإنما يحاول أن يفهم العلاقة التي نشأت تاريخيًا بين الاثنين.
الفكرة الأساسية التي استوقفتني في الكتاب هي أن الجسد لا يعيش الزمن بالطريقة نفسها في كل المجتمعات، لأن الزمن نفسه يخضع لتنظيم اجتماعي وثقافي مختلف. فنحن نميل إلى الاعتقاد بأن الإنسان القديم والإنسان الحديث يعيشان الزمن بالطريقة نفسها، وأن الاختلاف بينهما لا يتجاوز اختلاف وسائل قياسه، لكن الأمر أعمق من ذلك بكثير. فالإنسان لا يعيش الزمن بالساعة وحدها، وإنما يعيشه بجسده، والتعب والراحة والانتظار والنوم والعمل والشيخوخة كلها طرق يشعر بها الإنسان بمرور الزمن.
ولنفهم ذلك، يكفي أن نتخيل حياة الإنسان قبل المجتمع الصناعي الحديث. لم تكن الساعة تحتل المكانة التي تحتلها اليوم في تنظيم الحياة اليومية، ولم يكن الإنسان يعيش بالضرورة وفق جدول دقيق يبدأ في الثامنة وينتهي في الخامسة. كانت الطبيعة نفسها تؤدي دور الساعة الكبرى: الليل والنهار، الفصول، مواسم الزراعة والحصاد، المطر والجفاف، الأعياد والمناسبات الدينية. كان إيقاع الحياة مرتبطًا إلى حد كبير بإيقاع الطبيعة.
لا يعني هذا أن حياة الإنسان القديم كانت سهلة أو مريحة؛ بالعكس، كان العمل شاقًا، وكانت الأمراض والوفيات والفقر أكثر حضورًا مما هي عليه في مجتمعات كثيرة اليوم. لكن الفرق الذي يهم فيغاريلو هو أن الجسد كان يعيش داخل إيقاع مختلف. كان الإنسان يتكيف مع الزمن الطبيعي أكثر مما كان الزمن الصناعي يفرض نفسه على جسده.
ثم جاءت الثورة الصناعية، وهنا حدث تحول عميق. دخلت الساعة إلى المصنع، وأصبح الزمن عنصرًا أساسيًا في تنظيم العمل. لم يعد المهم فقط أن ينجز العامل عمله، وإنما أصبح مهمًا أن ينجزه في وقت محدد وبسرعة محددة. لم يعد السؤال: ماذا يستطيع الجسد أن يفعل؟ بل أصبح أيضًا: كم يستطيع أن ينتج في ساعة؟
وهنا بدأ الزمن يتحول إلى قيمة اقتصادية. أصبحت الدقيقة قابلة للحساب، والساعة قابلة للاستثمار، والتأخر خسارة، والبطء مشكلة، والسرعة فضيلة. ومع هذا التحول لم يعد الجسد حرًا تمامًا في إيقاعه، بل أصبح مطالبًا بالتكيف مع إيقاع خارجي تفرضه المؤسسة والمصنع والإنتاج.
وهنا يمكن أن نفهم معنى المردودية. عندما يعمل العامل في مصنع، فإن جسده لم يعد مجرد جسد يعيش ويتعب ويحتاج إلى الراحة، وإنما أصبح جزءًا من عملية إنتاج. فإذا كان سريعًا ارتفعت المردودية، وإذا كان بطيئًا انخفضت، وإذا مرض توقف، وإذا احتاج إلى الراحة اعتُبر ذلك توقفًا عن الإنتاج. وهكذا بدأ التعب نفسه يتغير في معناه: لم يعد مجرد إحساس طبيعي يخبر الإنسان بأنه بذل جهدًا ويحتاج إلى الراحة، بل أصبح شيئًا ينبغي التحكم فيه لأنه قد يؤثر في الإنتاج.
وهذا التحول مهم جدًا، لأن فيغاريلو لا يقول إن المجتمع الصناعي غيّر طريقة تنظيم العمل فقط، وإنما غيّر علاقتنا بأجسادنا. فقد بدأنا ننظر إلى الجسد باعتباره شيئًا يمكن تدريبه وتحسينه ورفع كفاءته، تمامًا كما نحسن أداء آلة.
ومن هنا نصل إلى عصر التكنولوجيا الرقمية، حيث لم تعد الساعة موجودة على جدار المصنع فقط، وإنما أصبحت موجودة فوق معصمنا وفي هاتفنا وفي التطبيقات التي نستخدمها يوميًا. وهنا يصبح التحول أكثر عمقًا، لأن التكنولوجيا لم تعد تراقب وقت العمل فقط، وإنما بدأت تراقب الجسد نفسه.
خذ الساعة الذكية مثالًا بسيطًا. أنت تمشي، فتخبرك الساعة بعدد خطواتك. تنام، فتخبرك بعدد ساعات نومك وجودته. تمارس الرياضة، فتقيس نبضك والسعرات التي حرقتها ومدة التعافي التي تحتاج إليها. وفي ظاهر الأمر تبدو هذه التكنولوجيا مفيدة جدًا، وهذا صحيح بالفعل؛ فهي يمكن أن تساعد الإنسان على معرفة بعض المؤشرات الصحية وتنظيم نشاطه.
لكن فيغاريلو يدعونا إلى النظر إلى الوجه الآخر لهذه العملية. فكلما أصبح الجسد قابلًا للقياس، أصبح أيضًا قابلًا للمقارنة والتقييم. لم تعد تقول فقط: «لقد مشيت اليوم»، وإنما أصبحت تقول: «مشيت سبعة آلاف خطوة، لكن هدفي عشرة آلاف». ولم تعد تقول: «نمت جيدًا»، وإنما تبدأ في النظر إلى الشاشة لترى هل حصلت على النوم العميق الكافي أم لا.
هنا يحدث شيء دقيق: التكنولوجيا التي كان يفترض أن تساعدنا على فهم أجسادنا يمكن أن تجعلنا أيضًا نراقب أجسادنا باستمرار.
وهذا يعني أن الإنسان لم يعد يعيش جسده فقط، وإنما أصبح ينظر إليه من الخارج كما لو كان مديرًا لمشروع اسمه «الجسد». يراقب وزنه، ونبضه، ونومه، وخطواته، وسعراته، وأداءه الرياضي، ثم يقارن النتائج بالمعايير التي تقدمها له الأجهزة والتطبيقات.
بل إن المفارقة تصل إلى الراحة نفسها. في الماضي كان الإنسان يقول: «أنا متعب، سأرتاح». أما اليوم فقد تتحول الراحة إلى هدف رقمي ينبغي تحقيقه. النوم لم يعد مجرد نوم، وإنما أصبح «جودة نوم» يمكن قياسها، والراحة أصبحت «تعافيًا»، والمشي أصبح «هدفًا يوميًا»، والرياضة أصبحت مجموعة من المؤشرات والأرقام.
وبذلك تنتقل ثقافة المردودية من المصنع إلى داخل الجسد نفسه.
العامل في المصنع كان مطالبًا بأن يكون أكثر إنتاجية، أما الإنسان المعاصر فقد أصبح مطالبًا بأن يكون أكثر إنتاجية في حياته كلها: أن ينام جيدًا، وأن يأكل جيدًا، وأن يمارس الرياضة، وأن يحافظ على جسده، وأن يكون أكثر نشاطًا، وأن يستغل وقته، وأن يطور نفسه باستمرار. وكأن منطق المصنع خرج من مكان العمل وأصبح يسكن الإنسان نفسه.
ومن هنا نفهم أيضًا الطريقة التي تغير بها تصورنا للشيخوخة. فالشيخوخة في المجتمعات التقليدية لم تكن بالضرورة مجرد خسارة. كان التقدم في السن يمكن أن يمنح الإنسان مكانة اجتماعية وخبرة وحكمة. أما في الثقافة الحديثة فقد أصبحت الشيخوخة مرتبطة في كثير من الأحيان بفقدان الكفاءة والشباب والجمال والقدرة على الإنتاج.
لذلك نشأت صناعة كاملة لمقاومة آثار العمر: مستحضرات التجميل، والجراحة، والطب التجديدي، والبرامج الرياضية، والمكملات، ومختلف التقنيات التي تعد الإنسان بأن تساعده على الاحتفاظ بشبابه وصحته لأطول فترة ممكنة.
مرة أخرى يظهر الجسد هنا باعتباره مشروعًا ينبغي إصلاحه باستمرار. وكأن التقدم في السن لم يعد مرحلة طبيعية من الحياة، وإنما مشكلة ينبغي تأخيرها.
لكن قوة فيغاريلو، في رأيي، تكمن في أنه لا يقع في موقف ساذج من التكنولوجيا. فهو لا يقول لنا إن الماضي كان أفضل وإن التكنولوجيا أفسدت الإنسان. فالطب الحديث أطال متوسط العمر، والتكنولوجيا ساعدت على علاج أمراض كثيرة، والأجهزة الحديثة يمكن أن تساعد الإنسان بالفعل على مراقبة صحته. المشكلة ليست في وجود التكنولوجيا، وإنما في الثقافة التي تحيط بها وفي الطريقة التي نستخدم بها أدوات القياس.
السؤال إذن ليس: هل التكنولوجيا جيدة أم سيئة؟
السؤال الأعمق هو: ماذا يحدث عندما تتحول التكنولوجيا من أداة نستخدمها إلى معيار نحاكم به أنفسنا؟
وهنا يصبح الكتاب أكثر من كتاب عن الجسد. إنه كتاب عن الإنسان المعاصر وعلاقته بالزمن. فالإنسان اليوم يعيش في زمن سريع، ويشعر باستمرار بأنه متأخر، وأن عليه أن يفعل المزيد، وأن يستغل وقته بشكل أفضل، وأن يرفع إنتاجيته، وأن يحافظ على صحته، وأن يؤخر الشيخوخة، وأن يطور نفسه. حتى الفراغ أصبح يشعره بالذنب، وحتى الراحة يمكن أن تتحول إلى شيء يجب تبريره.
ولذلك فإن ظواهر مثل الإرهاق المزمن والاحتراق المهني والقلق المرتبط بعدم الإنجاز لا يمكن فهمها دائمًا باعتبارها مشكلات فردية فقط. قد يكون وراءها نمط كامل من الحياة يجعل الإنسان يعيش وكأنه في سباق دائم مع الزمن.
وهنا أجد أن السؤال الذي يطرحه فيغاريلو يتجاوز الجسد إلى المجتمع كله: من الذي يحدد إيقاع حياتنا؟
هل نحن الذين نحدد متى نعمل ومتى نرتاح ومتى نتوقف؟ أم أن الساعة، والمؤسسة، والسوق، والهاتف، والتطبيقات، ومعايير الإنتاج والصحة والجمال أصبحت تحدد لنا ذلك تدريجيًا؟
لقد انتقلنا تاريخيًا من زمن الطبيعة إلى زمن الساعة، ثم من زمن الساعة إلى زمن الشاشة. وفي كل مرحلة تغيرت علاقة الإنسان بجسده. كان الجسد في البداية يتكيف مع إيقاع الطبيعة، ثم أصبح يتكيف مع إيقاع المصنع، واليوم أصبح مطالبًا بالتكيف مع إيقاعات رقمية لا تتوقف.
وهكذا يمكن أن نفهم عبارة تبدو بسيطة لكنها تختصر مشروع فيغاريلو كله: إن الزمن لا يمر فوق الجسد فقط، وإنما يكتب نفسه داخل الجسد. التعب والراحة والسرعة والبطء والنوم والشيخوخة ليست مجرد وقائع بيولوجية خالصة، بل هي أيضًا تجارب تتغير مع تغير المجتمع.
وربما لهذا السبب فإن السؤال الحقيقي الذي يتركه الكتاب في ذهن القارئ ليس كيف نقيس الزمن، وإنما كيف نعيش الزمن.
فقد نملك اليوم أجهزة أكثر دقة لقياس أجسادنا، لكن امتلاكنا لهذه الأجهزة لا يعني بالضرورة أننا أصبحنا أكثر قدرة على العيش. وربما يكون التحدي الحقيقي للإنسان المعاصر هو أن يستعيد شيئًا من المسافة بينه وبين الأرقام التي تحيط به، وأن يتذكر أن الجسد ليس آلة إنتاج، وأن الراحة ليست فشلًا، وأن البطء ليس دائمًا نقصًا، وأن الشيخوخة ليست عطبًا ينبغي إصلاحه، وأن الحياة لا تختصر في مجموعة مؤشرات تظهر على شاشة.
في النهاية، يبدو أن فيغاريلو يريد أن يعيدنا إلى سؤال بسيط جدًا: هل نحن نعيش الزمن، أم أن الزمن الذي صنعه المجتمع الحديث أصبح هو الذي يعيش فينا؟
