القدرة الشرائية للمغربي تحت الضغط: هل يتغير نمط الاستهلاك في المغرب؟
د. جمال الدين بوقار
خبير في نمو المقاولات، التسويق الاستراتيجي والتنفيذي
لم يعد الحديث عن القدرة الشرائية في المغرب مجرد نقاش روتيني في السياسات العامة حول ارتفاع الأسعار. فقد أصبح الموضوع مرتبطاً بشكل مباشر بسلوك ونفسية الأسر، بمستوى الاستهلاك، وبالرواج التجاري، وبقدرة المقاولات المغربية على الحفاظ على نموها في سوق يعرف تحولات عميقة.
ارتفاع أسعار عدد من المواد الغذائية، وتكاليف السكن والنقل والطاقة والخدمات، إلى جانب مديونية الأسر، كلها عوامل تفرض ضغوطاً متفاوتة الأثر على ميزانية الأسرة المغربية.
لكن هل يعني ذلك أن القدرة الشرائية للمغربي تراجعت؟
الجواب يحتاج إلى تحليل دقيق.
فالمعطيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط لا تسمح بتعميم فكرة الانهيار على جميع الأسر. بل تشير إلى استمرار نمو استهلاك الأسر وتحسن بعض مؤشرات القدرة الشرائية والثقة. غير أن ذلك لا يلغي وجود ضغط حقيقي على ميزانيات عدد من الأسر، ولا يلغي أيضاً التحول الكبير في طريقة إنفاق المواطن لدخله.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية.
انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار
من الأخطاء الشائعة الخلط بين التضخم والأسعار.
فعندما ينخفض معدل التضخم، فهذا لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة، وإنما يعني في الغالب أن وتيرة ارتفاع الأسعار أصبحت أبطأ.
فإذا ارتفع سعر منتج من 10 إلى 13 درهماً، ثم أصبح معدل التضخم منخفضاً، فإن المواطن لا يزال يدفع 13 درهماً.
وهذا يفسر جزءاً من الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية الرسمية وبين الإحساس اليومي للمستهلك.
المواطن لا يقيس التضخم بالأرقام فقط؛ بل يقيسه بما يدفعه يومياً في السوق.
من المستهلك الراغب إلى المستهلك الحذر
أحد أهم التحولات التي يجب أن تنتبه إليها المقاولات المغربية هو ظهور مستهلك أكثر حذراً وانتقائية.
فسلوك المستهلك اليوم أصبح أكثر ميلاً إلى:
مقارنة الأسعار، البحث عن العروض، اختيار الأحجام الاقتصادية، تغيير العلامة التجارية، وتأجيل بعض المشتريات غير الضرورية.
وبالتالي لم يعد السؤال بالنسبة إليه:
«هل أريد هذا المنتج؟»
بل أصبح في كثير من الحالات:
«هل يستحق هذا المنتج هذا السعر؟»
وهذا التحول البسيط في السؤال يحمل آثاراً كبيرة على التسويق والتجارة.
المواطن لا يتوقف عن الاستهلاك… بل يعيد توزيع دخله بذكاء
ربما يكون هذا هو أهم عنصر في فهم الرواج الاقتصادي.
عندما ترتفع نفقات الغذاء والسكن والنقل والطاقة، لا يعني ذلك بالضرورة أن الأسرة ستتوقف عن الإنفاق.
إنها ببساطة تعيد توزيع ميزانيتها حسب الأولويات
ما تنفقه الأسرة إضافياً على الاحتياجات الأساسية قد يكون على حساب المطاعم، الملابس، الترفيه، التجهيز، السفر أو بعض الخدمات.
وبالتالي يمكن أن يعاني قطاع معين من انخفاض الطلب، بينما يستمر قطاع آخر أو يستفيد من تحويل الإنفاق إليه
لذلك، أعتقد أن التعبير الأدق عن الوضع الحالي ليس:
«المغربي فقد قدرته الشرائية».
بل:
«المستهلك المغربي أصبح أكثر حذراً، وأكثر حساسية للسعر، وأكثر انتقائية في إنفاقه.»
وهذا التحول مهم جداً بالنسبة للاقتصاد المغربي.
فالقدرة الشرائية لا تؤثر فقط على حياة الأسرة، بل تنتقل آثارها إلى الأسواق والمقاولات والتجارة والاستثمار والتشغيل.
