قراءة تحليلية في تقرير بنك المغرب لسنة 2025: 50 مليار درهم بين دعم الأغنياء والإعفاءات الضريبية غير الخاضعة للرقابة.

قراءة تحليلية في تقرير بنك المغرب لسنة 2025: 50 مليار درهم بين دعم الأغنياء والإعفاءات الضريبية غير الخاضعة للرقابة.
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

مقدمة

في كل سنة، يرفع والي بنك المغرب إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس التقرير السنوي للبنك المركزي، وهو وثيقة مرجعية تضع المالية العمومية تحت المجهر. غير أن تقرير سنة 2025، الذي قدمه عبد اللطيف الجواهري، حمل رسالة غير مألوفة في حدتها: نحو 50 مليار درهم من أموال دافعي الضرائب تُصرف أو تُهدر في نظامين متوازيين — صندوق المقاصة والامتيازات الضريبية — دون أن تصل بالفعالية المطلوبة إلى الفئات الأكثر احتياجا.

هذه القراءة التحليلية محاولة لتفكيك مضامين التقرير، واستخلاص دلالاته الاقتصادية والاجتماعية، بعيدا عن الأرقام المجردة.

ولا: المقاصة.. دعم شامل يصب في جيوب الأغنياء.

الرقم: 17.7 مليار درهم في سنة 2025

بلغت التكلفة الفعلية لصندوق المقاصة 17.7 مليار درهم خلال سنة 2025، مقابل 25.3 مليارا في 2024، بتراجع قدره 7.6 مليارات درهم. ورغم هذا الانخفاض، ظلت نفقات الصندوق تعادل نحو 1% من الناتج الداخلي الإجمالي.

المشكلة ليست في الحجم بل في التوزيع.

يكمن جوهر الإشكال، حسب التقرير، في طبيعة النظام نفسه. فالمقاصة تقوم على دعم أسعار المواد الأساسية لفائدة جميع المستهلكين، دون تمييز بين الأسر الغنية والفقيرة. وهذا يعني، بلغة الأرقام، أن الأسر التي تستهلك كميات أكبر تحصل عمليا على حصة أكبر من الدعم العمومي.

ويورد التقرير معطى صادما: الخُمس الأعلى من حيث مستوى الإنفاق (أي 20% من السكان الأكثر يسرا) ينفق، في المتوسط، أكثر من سبعة أضعاف ما ينفقه الخُمس الأدنى (أي 20% الأقل يسرا). كما أن المواطن في الوسط الحضري ينفق، في المتوسط، ضعف ما ينفقه نظيره في المناطق القروية.

الخلاصة: نظام المقاصة، كما هو قائم، هو نظام دعم عكسي — كلما كنت غنيا، كلما استفدت أكثر. والأسرة الفقيرة في العالم القروي هي الخاسر الأكبر.

ثانيا: الامتيازات الضريبية.. 32 مليار درهم بلا تقييم ولا رقيب.

الرقم: أكثر من 32 مليار درهم.

إلى جانب المقاصة، وضع بنك المغرب الامتيازات الضريبية تحت المجهر، بعدما تجاوز أثرها على الميزانية 32 مليار درهم خلال سنة 2025. وتشمل هذه الامتيازات الإعفاءات والتخفيضات والأنظمة التفضيلية الممنوحة لقطاعات وأنشطة اقتصادية معينة.

الفرق الجوهري عن المقاصة.

المقاصة نفقة تدفعها الدولة فعليا. أما الامتيازات الضريبية، فهي إيرادات تتخلى الخزينة عن تحصيلها — وهي بهذا المعنى « نفقة خفية » لا تظهر في موازنة النفقات لكنها ترهق الميزانية بنفس القدر.

الإشكال الأكبر: غياب التقييم.

يسجل التقرير أن بعض هذه الامتيازات تُمنح دون تقييم دقيق لمبرراتها، ودون تتبع وثيق لمدى تحقيقها للأهداف الاقتصادية أو الاجتماعية التي أُحدث من أجلها. ويطرح التقرير سؤالا محوريا: هل تؤدي هذه الامتيازات فعلا إلى خلق فرص العمل وجذب الاستثمار، أم أنها تتحول إلى امتيازات دائمة لفئات وقطاعات محددة دون مردودية واضحة؟

ثالثا: 50 مليار درهم.. كتلة مالية قابلة لإعادة التوجيه.

عند جمع الرقمين — 17.7 مليار للمقاصة + 32 مليارا للامتيازات الضريبية — نصل إلى قرابة 50 مليار درهم في سنة واحدة.

هذا المبلغ، كما يشير التقرير ضمنيا، يمكن أن يسهم إعادة توجيه جزء منه في تمويل الحماية الاجتماعية، أو الصحة، أو التعليم، أو الاستثمار المنتج. غير أن التقرير لا يدعو إلى إلغاء المقاصة فورا، بل إلى الانتقال التدريجي من نظام الدعم الشامل إلى نظام دعم اجتماعي مباشر وموجه.

رابعا: ضغوط متزايدة على الميزانية.. ونهاية التمويلات المبتكرة في 2028.

النفقات الإلزامية في تصاعد.

تأتي دعوة بنك المغرب إلى الترشيد في سياق تضخم النفقات الإلزامية:

● فوائد الدين: 41.5 مليار درهم، بارتفاع 22.3%.

● نفقات الموظفين: 179.7 مليار درهم.

● الدعم الاجتماعي المباشر وتعميم الحماية الاجتماعية: التزامات متزايدة.

● أنظمة التقاعد: جمود إصلاحها منذ عقد، وبعضها بات توازنها مهددا.

نافذة التمويل المبتكرة تغلق في 2028.

ينبه التقرير إلى أن آليات التمويل المبتكرة، التي مكنت من تعبئة حوالي 150 مليار درهم منذ 2019، ستنتهي ابتداء من سنة 2028. كما أن النمو الملحوظ للمداخيل الجبائية — التي ارتفعت بنسبة 15.3% إلى 388 مليار درهم — قد يتباطأ في حال تغيرت الظرفية الاقتصادية.

خامسا: قراءة في دلالات التقرير.

أولا: رسالة سياسية بامتياز.

تقرير بنك المغرب ليس وثيقة تقنية بحتة. إنه، في سياق مغربي، رسالة سياسية موجهة إلى الحكومة والبرلمان والرأي العام. والسيد الجواهري، بصفته واليا للبنك المركزي منذ 2003، يمتلك من الخبرة والثقة ما يسمح له بطرح قضايا حساسة كهذه بكل وضوح.

ثانيا: العدالة الاجتماعية مقابل الكفاءة الاقتصادية.

المفارقة التي يبرزها التقرير هي أن نظام المقاصة، رغم كونه غير عادل اجتماعيا، هو أيضا غير كفؤ اقتصاديا. فهو يستهلك موارد ضخمة دون أن يحقق هدفه الأساسي — حماية القدرة الشرائية للفئات الهشة. وهذا يعني أن إصلاحه ليس مجرد مطلب أخلاقي، بل ضرورة مالية.

ثالثا: الامتيازات الضريبية.. « الفقاعة » التي يجب تفجيرها.

إذا كانت المقاصة ملفا معروفا، فإن تسليط الضوء على الامتيازات الضريبية بهذا الحجم — 32 مليار درهم — وبهذه اللهجة النقدية — « تُمنح دون تقييم » — يمثل تحولا نوعيا في خطاب بنك المغرب. فالنخب الاقتصادية والسياسية المستفيدة من هذه الامتيازات تواجه الآن سؤالا محرجا: ما الذي تقدمه فعلا للاقتصاد الوطني في مقابل هذه التنازلات الضريبية؟

رابعا: العدالة الضريبية تتجاوز محاربة التهرب.

يشدد التقرير على أن العدالة الضريبية لا تقتصر على رفع المداخيل أو محاربة التهرب، بل تشمل أيضا مراجعة الإعفاءات والامتيازات. وهي رسالة واضحة: لا يمكن الحديث عن إصلاح ضريبي عادل دون مساءلة من يستفيد من ثغرات النظام.

خاتمة: بين التشخيص والعلاج.

يقدم تقرير بنك المغرب لسنة 2025 تشخيصا دقيقا لخللين هيكليين في المالية العمومية:

1. دعم شامل يفيد الأغنياء أكثر من الفقراء (المقاصة).

2. إعفاءات ضريبية تمنح بلا تقييم ولا رقيب (الامتيازات).

غير أن التقرير، بحكم طبيعة البنك المركزي، لا يقدم وصفة جاهزة. فهو يدعو إلى « الانتقال إلى استهداف أدق » و »تقييم الامتيازات » و »ترشيد الموارد »، لكنه يترك للحكومة والبرلمان مسؤولية الترجمة إلى سياسات عمومية.

السؤال المطروح اليوم، بعد قراءة هذا التقرير، ليس ما إذا كان الإصلاح ضروريا — بل هل تملك الحكومة الإرادة السياسية لمواجهة المصالح الراسخة التي تستفيد من الوضع الحالي؟ فالمقاصة تدعم الأغنياء، والامتيازات الضريبية تخدم النخب الاقتصادية. إصلاحهما يعني مواجهة من يستفيدون منهما.

وهو ما يجعل من تقرير بنك المغرب، في جوهره، وثيقة سياسية بامتياز، تضع العدالة الاجتماعية في صلب النقاش العمومي، وتدعو إلى مراجعة جذرية لكيفية توزيع ثروة الوطن.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *