ما بعد 2030.. هل يصبح الاستثمار الخاص القاطرة الحقيقية للاقتصاد المغربي؟

ما بعد 2030.. هل يصبح الاستثمار الخاص القاطرة الحقيقية للاقتصاد المغربي؟
شارك

جمال الدين بوقار:

تشكل التصريحات الأخيرة للسيد عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، بشأن الانتقال التدريجي نحو نموذج اقتصادي يقوده الاستثمار الخاص، محطة مهمة في مسار التفكير حول مستقبل التنمية الاقتصادية بالمغرب.

فبعد عقود من الاعتماد على الاستثمار العمومي كرافعة أساسية لبناء البنيات التحتية وتحفيز النمو، يبدو أن المغرب مقبل على مرحلة جديدة تتطلب إعادة توزيع الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص، بما يجعل هذا الأخير المحرك الرئيسي لخلق الثروة وفرص الشغل والابتكار.

لقد نجح المغرب خلال السنوات الماضية في بناء أسس اقتصادية ومؤسساتية مهمة، تمثلت في تطوير الموانئ والطرق السيارة والقطارات فائقة السرعة والمناطق الصناعية واللوجستية، إضافة إلى إصلاحات متعددة في مجال الاستثمار ومناخ الأعمال. وهي مكتسبات جعلت المملكة أكثر جاذبية للاستثمارات الوطنية والأجنبية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل المقاولة المغربية مستعدة فعلاً لقيادة النمو الاقتصادي خلال العقد القادم؟

من خلال تجربتنا في مواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة، نلاحظ أن عدداً كبيراً من المقاولات لا يزال يواجه تحديات هيكلية تتعلق بالتمويل، والحكامة، والابتكار، والتسويق، والتصدير، والتحول الرقمي، وتنمية الموارد البشرية. كما أن العديد من المشاريع الاستثمارية تتعثر ليس بسبب غياب الفرص، بل بسبب ضعف القدرات التدبيرية والتنظيمية والتجارية.

لذلك، فإن نجاح رهان الاستثمار الخاص لا يرتبط فقط بتوفير التمويل أو منح التحفيزات الجبائية، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة للنمو المقاولاتي تمكن المقاولات من الانتقال من مرحلة البقاء إلى مرحلة التوسع والتنافسية.

إن الاقتصاد المغربي يحتاج اليوم إلى جيل جديد من المقاولات القادرة على خلق القيمة المضافة، وابتكار المنتجات والخدمات، وغزو الأسواق الوطنية والدولية. كما يحتاج إلى ظهور مقاولات متوسطة قوية تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، على غرار ما هو معمول به في الاقتصادات الصاعدة والناجحة.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الاستثمار في الرأسمال البشري، وفي التكوين المستمر، وفي البحث والتطوير، وفي التكنولوجيا الحديثة، باعتبارها عوامل أساسية لتحسين الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للمقاولات المغربية.

كما أن تحقيق هذا التحول يقتضي تطوير منظومة تمويل أكثر قرباً من احتياجات المقاولات، خاصة في مراحل النمو والتوسع، مع تشجيع صناديق الاستثمار ورأس المال المخاطر وتمويل الابتكار والمشاريع ذات الإمكانات العالية.

ومن جهة أخرى، فإن التنمية الترابية تظل أحد المفاتيح الأساسية لإنجاح هذا التوجه. فالمغرب لا يحتاج فقط إلى استثمارات متمركزة في الأقطاب الاقتصادية الكبرى، بل يحتاج أيضاً إلى استثمارات قادرة على خلق الثروة في مختلف الجهات والأقاليم، بما يضمن عدالة مجالية أكبر ويعزز جاذبية المجالات الترابية.

إن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق “تشجيع الاستثمار” إلى منطق “صناعة المستثمر”. فالمستثمر الناجح لا يولد صدفة، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من التكوين والمواكبة والتمويل والتحفيز والثقة.

وأعتقد أن السنوات التي تسبق 2030 تمثل فرصة تاريخية للمغرب لإعداد هذا التحول الاستراتيجي. فنجاح التظاهرات الدولية الكبرى، واستمرار الإصلاحات الاقتصادية، وتحسن البنية التحتية، كلها عوامل يمكن أن تجعل المملكة واحدة من أبرز الوجهات الاستثمارية في إفريقيا والفضاء المتوسطي.

غير أن النجاح الحقيقي لن يقاس بحجم الاستثمارات المعلنة فقط، بل بقدرتها على خلق الثروة وفرص الشغل المستدامة، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحسين مستوى عيش المواطنين.

إن الاستثمار الخاص ليس بديلاً عن دور الدولة، بل شريكاً استراتيجياً لها. والدولة الناجحة ليست تلك التي تستثمر مكان القطاع الخاص، بل تلك التي تخلق له البيئة المناسبة للاستثمار والإبداع والنمو.

إن رهان المغرب خلال العقد القادم لن يكون فقط جذب الاستثمارات، بل بناء اقتصاد يقوده المستثمر والمقاول المغربي، ويستند إلى الابتكار والإنتاجية والتنافسية. وهو رهان ممكن التحقيق إذا توفرت الإرادة، وتسارعت الإصلاحات، وتم وضع المقاولة الوطنية في قلب السياسات الاقتصادية والتنموية.

إن مغرب ما بعد 2030 سيكون، بلا شك، مغرب الاستثمار الخاص أو لن يكون.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *