قنابل بشرية موقوتة
الأمين مشبال
شكل الهروب الجماعي لعشرات الآلاف من المغاربة يومي 30 و31 يوليوز المنصرم حدثا غير مسبوق في تاريخ الهجرة المغربية. فقد تابع الجميع زحف عشرات الآلاف من النساء والرجال، شيبا ويافعين وحتى أطفالا نحو معبر باب سبتة مشيا على الأقدام أو ممتطين شاحنات أو حافلات، وكأن البلاد تعيش وضعية حرب مدمرة أو مجاعة حادة أو كارثة طبيعية غير مسبوقة.
أزمة بنيوية
لا يحتاج المرء إلى مجهود استثنائي ليدرك بأن المغرب إضافة إلى إيقاع السرعتان، يحيا في عالمين متوازيان وبرزخ لا يلتقيان لكل واحد منهما تجلياته ونمط عيشه وطقوسه وبطبيعة الحال قاطنيه ورواده، بحيث تتعايش مظاهر الفقر والمتسولين والمشردين، مع امتلاء المطاعم والمقاهي بأصنافها، وازدحام الشوارع بالسيارات بما في ذلك عدد ملحوظ من الفارهة.
فعلاقة بموضوع الهروب الجماعي ولفهم أسبابه العميقة يمكن الاستشهاد بتقارير صدرت عن مؤسسات وطنية رسمية منزهة عن أية حسابات سياسية أو منطلقات عدمية كما هو الشأن بالنسبة للمندوبية السامية للتخطيط أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. ففي تقرير صدر حديثا عن مندوبية التخطيط (2025) يتضح تعمق فجوة الانفاق المعيشي بالمغرب بموازاة مع اتساع رقعة الفقر والهشاشة، وبأن زهاء 72 بالمائة من الأسر المغربية بما يعادل 5 مليون مواطن يتكون معدل دخلهم الشهري من 1829 درهم (؟!) وهو مبلغ زهيد يغني عن كل تعليق. كما يمكن الرجوع إلى تقريرمهم صدر بتاريخ 30 نوفمبر 2023 عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أوضح فيه ان مليون ونصف من الشباب المغربي الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 سنة » يوجدون خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل ». وهو ما يؤكد أن مجموعة من الاختيارات والمشاريع الاستراتيجية للدولة المغربية التي حققت نجاحات لا ينكرها سوى جاحد او حاقد (الموانئ، الطرق السيارة، ملاعب رياضية، القطار الفائق السرعة…) لم تستجب لتطلعات ملايين من المغاربة يعيشون في فقر مدقع ويعانون من الهشاشة الاجتماعية ولا يصلهم ولو بعض فتات الثروة الوطنية.
ومما يزيد طين واقعنا الاجتماعي بلة التأثيرات المتنامية لوسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الخريطة الذهنية للشباب حيث تحتل قصص النجاحات الفردية لشباب ينحدر من أسر فقيرة تمكنوا بفضل احتضانهم من مؤسسات الرعاية الاجتماعية، أو عبر اندماجهم في سوق العمل بأوروبا من النجاة من مخالب الفقر وتحقيق أحلام العيش الرغيد.
صحيح هناك نجاحات حقيقية تقدمها تلك المواقع لشباب مغربي هاجر إلى أوروبا أو ينحدر من أسر مغربية سواء في ميادين كرة القدم أو في مجالات الاقتصاد والطب والبحث العلمي، لكن ما تتجاهله أن خلف تلك النجاحات التي يتم تسويقها إعلاميا يوجد مجهود شاق وتضحيات جسيمة ومثابرة، دون أن ننسى وجود عشرات الآلاف ممن يقاسون من ظروف اجتماعية ومهنية صعبة لكسب قوتهم اليومي، ناهيك عن الآلاف الذين لم يندمجوا في الدورة الاقتصادية وظلوا يعيشون مسحوقين على الهامش.
ومما يزيد من تعقيدات الواقع المغربي طغيان ثقافة الاستهلاك وتنامي الحاجة النفسية للحصول على مختلف المنتوجات التي يوفرها المجتمع الرأسمالي بوفرة، مقابل تدني مستوى الدخل الفردي عموما، ومحدودية الإمكانيات المادية لتلبيتها مما ينتج عنه تعمق مشاعر الإحباط واليأس، وتوفير تربة خصبة للخطابات المتطرفة وانتشار السلوكات العنيفة والعدوانية واللامدنية.
ماذا بعد؟
من السذاجة بمكان الاعتقاد أن الأحداث الأخيرة ستغير من واقع الأشياء ببلادنا: فالاستراتيجيات والأولويات الماكرو اقتصادية، والأوراش الكبرى للدولة مُسَطرة ومَحسومة ويستحيل تغييرها بين عشية وضحاها، كما أن ورش بناء الدولة الاجتماعية لا زال حلما بعيد المنال ويظل عموما مجرد إعلان نوايا حسنة أو كلام لتأثيث خطب السياسيين المحترفين لأن تحقيقه يتطلب إضافة لموارد مالية ضخمة ناهيك عن توفر إرادة سياسية حقيقية للقضاء على اقتصاد الريع واستغلال النفوذ وتضارب المصالح ومحاربة الفساد المالي والإداري الذي يكبد الاقتصاد الوطني، حسب الهيئة الوطنية للنزاهة ومقاومة الرشوة، 50 ملياردرهم سنويا. في ظل هذا الأجواء القاتمة ستتفاقم أحاسيس الغبن واليأس، وستتعمق الفجوة ما بين خطاب نخبة سياسية معطوبة تستجدي المشاركة الجماهيرية في الانتخابات التشريعية ل 23 شتنبر، وما بين واقع اجتماعي متردي يتغذى من اليأس والإحباط. من هنا فإن جميع المؤشرات تشير إلى كون سفينة الانتخابات التشريعية والحكومة التي ستنبثق عنها، القادمة ستعيد معظم الوجوه السياسية (إذا لم يكن جميعها) التي تؤثث المشهد السياسي والتي فقدت منذ مدة زمنية طويلة صلاحيتها، مما يستدعي إجراءات وخطوات سياسية جديدة وقوية تعيد بعض الأمل والثقة في النفوس اليائسة والعقول الحائرة، فهل من آذان صاغية؟
إعلامي وباحث في الخطاب السياسي
