الزلزولي والقميص .. حين تتحول الرياضة إلى ابتزاز للهوية..

الزلزولي والقميص .. حين تتحول الرياضة إلى ابتزاز للهوية..
شارك

يوسف غريب:

ليس عبد الصمد الزلزولي أول لاعب يجد نفسه محشوراً بين مهنته وهويته ولن يكون الأخير.

لكن واقعة القميص تكشف شيئاً يتجاوز اللاعب نفسه: حين تعجز السياسة عن فرض رسائلها في ساحاتها الطبيعية تجد في الرياضة ملعباً أسهل وفي اللاعب الحلقة الأضعف.

المفارقة هنا فادحة وفضيحة في آن واحد:

يُستقبل اللاعب المغربي بصفته موهبة قابلة للاستثمار وتُحتسب قيمته بالأهداف والعقود والمداخل ثم يُراد منه في لحظة أخرى أن يخلع هويته عند باب الملعب أو أن يحمل هويةً صاغتها مؤسسة لا تمثله.

هنا لا تعود القضية قضية قميص.. بل قضية حدود السلطة الرياضية على جسد اللاعب وهويته.

 فالنادي يملك حق إدارة فريقه لكنه لا يملك حق تحويل لاعبه إلى لوحة إعلانية لموقف سياسي ثم تتركه في مواجهة الجمهور والغضب وحده.

ولنضع المسألة أمام المرآة نفسها:

ماذا لو احترف لاعب إسباني في البطولة المغربية وطُلب منه ارتداء قميص يحمل رسالة بشأن جبل طارق؟ هل كان سيُقال له إنها مجرد حملة تسويقية؟ أم كانت ستُرفع فوراً رايات الكرامة الوطنية وحق اللاعب في ألا يُزج به في نزاع سيادي لا علاقة لمهنته به؟

والسؤال يصبح أكثر إحراجاً حين نتذكر أن سكان جبل طارق احتفلوا في 10 شتنبر بيومهم الوطني تحت التاج البريطاني وبحضور شخصيات وممثلين بريطانيين ومع ذلك لا أحد طلب من لاعب إسباني أن يحمل على صدره هذا النزاع أو أن يدفع ثمنه مهنياً.

 فلماذا يصبح اللاعب المغربي فجأة حاملاً لرسالة سيادية ليست من اختصاصه؟

هذه هي الازدواجية التي ينبغي مساءلتها.

وإذا كانت الليغا أو أي نادٍ يريد خوض معارك الهوية والسيادة فليخضها باسمه وليصدر بياناته وليتحمل كلفة مواقفه.

 أما الاحتماء باللاعب واستعمال صورته وشعبيته لتمرير رسالة سياسية فليس شجاعة مؤسساتية إنه استغلال للاعب بوصفه الطرف الأقل قدرة على الرفض… بل الجبن في قمة تجلياته..

لكن الخطأ لا يصبح صواباً لأن الطرف الآخر ارتكبه لذلك فإن تحويل الزلزولي إلى متهم في وطنيته لا يقل عبثاً عن تحويله إلى أداة في موقف إسباني…

فاللاعب ليس سفيراً ولا دبلوماسياً ولا مفاوضاً حول الحدود… إنه محترف يبحث عن مكانه في كرة القدم.

والوطنية ليست امتحاناً يومياً للاعبين ولا تُقاس بعدد القمصان التي يرتدونها تحت ضغط الجمهور. ومن العبث تحميل شاب يمارس مهنته مسؤولية ملفات صنعتها السياسة والتاريخ والدبلوماسية.

للمغرب رموزه وحساسياته ولإسبانيا مواقفها وحساباتها لكن اللاعب ليس ساحةً لتصفية هذه الحسابات.

ولا يجوز أن يصبح مخيراً بين راتبه وهويته ولا أن يدفع من مستقبله المهني ثمن صراع لم يصنعه.

فالسيادة ليست حملة تسويقية، والهوية ليست إكسسواراً في قمصان الأندية. من أراد الدفاع عن موقف سياسي فليواجه خصومه باسمه لا باسم لاعب كرة قدم.

السيادة تُدافع عنها الدولة في الدبلوماسية والقانون والمؤسسات…أما الملعب فله قانون آخر:

دعوا اللاعب يلعب.

اتركوا الزلزولي خارج معارككم… فهو ليس سفيراً لإسبانيا ولا وزيراً للخارجية المغربية، ولا طرفاً في نزاع حدودي.

إنه لاعب كرة قدم وهذا في حد ذاته يجب أن يكون كافياً.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *