التنمر على اللاعبين المغاربة مزدوجي الجنسية: حين يتحول الانتماء إلى موضوع للوصم والتحقير
مصطفى المنوزي
يثير بعض إعلاميي الجوار، وأحياناً بعض الأصوات داخل الفضاء العمومي العربي، نقاشاً متكرراً حول اللاعبين المغاربة ذوي الجنسية المزدوجة، يصل في بعض الحالات إلى مستوى الوصم والتحقير والتشكيك في انتمائهم الوطني. وهو نقاش يبدو في ظاهره رياضياً، لكنه يخفي في العمق أسئلة أوسع تتعلق بمعنى المواطنة، وحدود الهوية، وطبيعة العلاقة بين الوطن وأبنائه المقيمين خارج حدوده.
من الناحية الدستورية والقانونية، لا يثير الأمر أي إشكال. فالمواطنة والجنسية بالنسبة للمغاربة تؤسسان على قواعد قانونية واضحة، تجعل الجنسية المغربية رابطة أصلية لا تزول بمجرد الإقامة بالخارج أو اكتساب جنسية أخرى. وقد كرس المشرع المغربي، خاصة بعد تعديل مدونة الجنسية، مبدأ انتقال الجنسية عبر الأب والأم معاً، بما يعزز استمرارية الانتماء الوطني للأجيال المتعاقبة من أبناء الهجرة المغربية.
وعليه، فإن المغربي الذي يكتسب جنسية دولة الاستقبال لا يفقد صفته كمواطن مغربي، بل يظل محتفظاً بحقوقه الوطنية الأساسية، ما لم يصدر في حقه حكم قضائي وفق الشروط القانونية الاستثنائية التي ينص عليها القانون. لذلك فإن التشكيك في مغربية لاعب أو إطار أو كفاءة علمية بسبب حمله جنسية ثانية لا يجد له سنداً قانونياً أو دستورياً.
غير أن أهمية المسألة لا تتوقف عند بعدها القانوني. فالتاريخ الاجتماعي للهجرة المغربية يكشف أن ملايين المغاربة الذين استقروا بأوروبا وغيرها لم يكونوا مجرد يد عاملة مؤقتة، بل تحولوا إلى جزء من النسيج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للدول المضيفة. لقد ساهموا في قطاعات المناجم والصناعة والنقل والتجارة والخدمات والتعليم والبحث العلمي، كما ساهموا في إثراء الحياة النقابية والحقوقية والمدنية.
ولأن الخارج كان أيضاً ملاذاً للعديد من المنفيين واللاجئين السياسيين خلال مراحل مختلفة من التاريخ المغربي المعاصر، فقد شكل فضاءً لتراكم الخبرات الديمقراطية والحقوقية التي وجدت طريقها لاحقاً إلى الوطن الأم. وهكذا لم تكن الهجرة انفصالاً عن المغرب، بل كانت في كثير من الأحيان امتداداً له، وجسراً بينه وبين التجارب الإنسانية الحديثة.
وقد ساهمت القوى الديمقراطية واليسارية الأوروبية، من جهتها، في تطوير سياسات الإدماج والتجنيس، ليس فقط من منطلق حقوقي، بل أيضاً استجابة لحاجات اقتصادية وتنموية موضوعية. وبفعل هذه السياسات أصبح أبناء وأحفاد المهاجرين يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة في بلدان الإقامة، دون أن يلغي ذلك ارتباطهم بجذورهم العائلية والثقافية والوطنية.
فلماذا إذن يتعرض بعض اللاعبين المغاربة مزدوجي الجنسية للتنمر والتشكيك؟
الجواب لا يكمن في القانون، بل في طبيعة السرديات المتنافسة حول الهوية والانتماء. فهناك من لا يزال أسير تصور تقليدي للمواطنة يعتبر أن الانتماء الوطني يجب أن يكون أحادياً ومغلقاً، في حين أن الواقع المعاصر قائم على تعدد الروابط والانتماءات القانونية والثقافية. وهناك من يتعامل مع الوطنية باعتبارها اختباراً دائماً للولاء، يُطلب فيه من مزدوجي الجنسية إثبات مغربيتهم باستمرار، بينما لا يُطرح السؤال نفسه على غيرهم.
كما أن بعض الخطابات الإعلامية تستثمر هذا الموضوع في إطار منافسات رمزية بين الدول، فتتحول الجنسية المزدوجة من معطى قانوني عادي إلى مادة للسجال الشعبوي وصناعة الإثارة الإعلامية. وهنا يصبح اللاعب الناجح مغربياً عندما يحقق الإنجاز، ومزدوج الجنسية عندما يتعثر، في مفارقة تكشف أن الأمر يتعلق أحياناً بالأهواء والانفعالات أكثر مما يتعلق بالمبادئ.
إن مواجهة هذا النوع من التنمر لا تكون بردود فعل انفعالية مضادة، بل بالتمسك بثقافة المواطنة الدستورية، التي تجعل الحقوق والواجبات أساس الانتماء، لا الأصول العائلية ولا مكان الولادة ولا تعدد الجنسيات. كما تقتضي الفصل بين تقييم الأداء الرياضي وبين الطعن في الكرامة الشخصية أو التشكيك في الوطنية.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري الانتقال من منطق الهوية المغلقة إلى منطق المواطنة الجامعة، ومن خطاب الشبهة والإقصاء إلى خطاب الاعتراف والاحتضان. فالمغاربة المقيمون بالخارج، وأبناؤهم وأحفادهم، ليسوا هامشاً وطنياً ولا احتياطاً ظرفياً يتم استدعاؤه عند الحاجة، بل هم جزء أصيل من الامتداد البشري والثقافي للمغرب.
ومن منظور التفكير النقدي التوقعي، لا يتعلق الأمر في النهاية بمجرد جدل رياضي حول بعض اللاعبين، بل بصراع سرديات حول معنى المواطنة في عصر العولمة والتنقل البشري. فالسؤال الحقيقي ليس: هل هؤلاء اللاعبون مغاربة أم لا؟ لأن القانون والتاريخ حَسما الأمر. بل السؤال هو: هل نحن مستعدون لبناء تصور مدني للمواطنة يستوعب تعدد الانتماءات دون أن يمس بوحدة الانتماء الوطني؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجه مجتمعات اليوم؛ فالأوطان القوية لا تُقاس بقدرتها على فرز أبنائها، بل بقدرتها على احتضانهم جميعاً، أينما كانوا، ومهما تعددت مساراتهم وتجاربهم الإنسانية.
