كيف فكك جون واتربوري طريقة اشتغال السياسة المغربية؟ قراءة في الكتاب الذي بحث عما وراء الأحزاب والمؤسسات
محمد السميري:
هناك كتب تتحدث عن المغرب من خلال أحداثه، وكتب أخرى تتحدث عن أحزابه وشخصياته، لكن هناك كتب تحاول أن تذهب إلى مكان أعمق: كيف تشتغل السياسة المغربية في الواقع، وراء ما تقوله القوانين والدساتير والخطابات والأحزاب عن نفسها؟
ومن أهم هذه الكتب كتاب الباحث الأمريكي جون واتربوري أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية، الذي صدر بالإنجليزية سنة 1970 بعنوان The Commander of the Faithful: The Moroccan Political Elite – A Study in Segmented Politics. وكان الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه أنجزها واتربوري سنة 1968، ثم نُشرت في الولايات المتحدة، قبل أن تصدر ترجمته الفرنسية سنة 1975 في نحو 400 صفحة.
وأهمية الكتاب لا تكمن أساساً في المعلومات التي يقدمها عن حزب الاستقلال أو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أو غيرهما، رغم أن هذه المادة التاريخية مهمة، وإنما في السؤال الذي كان يحاول الإجابة عنه: لماذا تبدو السياسة المغربية في شكلها الخارجي حديثة، بينما تستمر في داخلها أنماط من العلاقات السياسية والاجتماعية أقدم من الأحزاب والمؤسسات الحديثة؟
هنا بالضبط تكمن المفاجأة التي يقدمها واتربوري للقارئ.
قبل الكتاب: من هو جون واتربوري؟ ولماذا جاء إلى المغرب؟
لم يكن واتربوري مؤرخاً مغربياً ولا باحثاً نشأ داخل المجتمع المغربي. كان أمريكياً درس العلوم السياسية في جامعة برينستون وتخرج منها سنة 1961، ثم ذهب إلى القاهرة في إطار منحة فولبرايت خلال 1961-1962 ليدرس العربية. وبعد ذلك تابع دراسته في جامعة كولومبيا، حيث حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية سنة 1968. ومن القاهرة انتقل إلى المغرب، ثم واصل مساره الأكاديمي في الولايات المتحدة وفرنسا، قبل أن يصبح لاحقاً أستاذاً معروفاً في الاقتصاد السياسي والسياسة المقارنة.
وهنا توجد نقطة مهمة: اختياره للمغرب لم يكن نتيجة خطة علمية محكمة منذ البداية كما قد نتخيل. في حوار أجري معه بعد سنوات، قال واتربوري إن اختياره للمغرب كان إلى حد كبير نتيجة الصدفة والحظ. كان في القاهرة، وقد تعلم العربية هناك، ثم وجد نفسه يتجه إلى المغرب. لكنه حين وصل إليه وجد مجالاً بحثياً شديد الأهمية: بلد حصل على الاستقلال حديثاً، يعيش مرحلة بناء دولة جديدة، وفي الوقت نفسه توجد داخله نخبة وطنية وأحزاب وحركة مقاومة ومؤسسات حديثة، إلى جانب علاقات اجتماعية وسياسية متوارثة من الماضي.
وهذا مهم لفهم الكتاب كله.
فواتربوري لم يدخل المغرب ليبحث فقط عن تاريخ الأحزاب، وإنما وجد نفسه أمام مجتمع ينتقل من نظام قديم إلى نظام حديث، ولكن الانتقال لم يكن كاملاً ولا بسيطاً.
هناك الدولة الحديثة، والإدارة، والبرلمان، والأحزاب، والانتخابات، والصحافة، والنقابات.
وفي الوقت نفسه هناك الزعيم، والعائلة، والولاء الشخصي، والشبكة، والجهة، والعلاقات القديمة، والقدرة على الوصول إلى أصحاب النفوذ.
فالسؤال الذي بدأ يتشكل أمامه كان تقريباً:
ماذا يحدث عندما تدخل مؤسسات سياسية حديثة إلى مجتمع ما زالت العلاقات القديمة مؤثرة في طريقة اشتغال السلطة والنخب داخله؟
ومن هنا يبدأ مدخل واتربوري الحقيقي.
المغرب الذي وصل إليه واتربوري
لكي نفهم الكتاب، علينا أن نضع أنفسنا قليلاً في مغرب الستينيات.
المغرب حصل على الاستقلال سنة 1956، لكنه لم يكن قد تحول فجأة إلى دولة ديمقراطية حديثة بالمعنى الذي استقر في أوروبا الغربية. كان المجتمع قد خرج من الاستعمار وهو يحمل مؤسسات جديدة، ولكنه كان يحمل أيضاً إرثاً سياسياً واجتماعياً أقدم بكثير.
والنخب التي دخلت الحياة السياسية الجديدة لم تكن قد وُلدت كلها داخل المؤسسات الحديثة.
بعضها جاء من الحركة الوطنية، وبعضها من المقاومة، وبعضها من الإدارة، وبعضها من الأعيان، وبعضها من المدن، وبعضها من البوادي، وبعضها من التعليم الحديث.
إذن نحن أمام نخب مختلفة المصادر، لكنها أصبحت فجأة تتنافس داخل فضاء سياسي واحد.
وهنا جاءت ملاحظة واتربوري الأساسية:
لا يكفي أن ننظر إلى ما تقوله هذه النخب عن نفسها.
إذا قال سياسي إنه اشتراكي، أو وطني، أو محافظ، أو ديمقراطي، فهذا لا يخبرنا بالضرورة عن الطريقة التي سيتصرف بها عندما يدخل في صراع على النفوذ.
وإذا أعلنت مجموعة سياسية أنها تختلف مع مجموعة أخرى بسبب البرنامج أو الإيديولوجيا، فعلينا أن نسأل أيضاً:
من يقف وراء كل مجموعة؟
من يملك العلاقات؟
من يستطيع الوصول إلى السلطة؟
من يخشى أن يخسر موقعه؟
من يستطيع أن يتحالف مع من؟
ومن يمكن أن يتحول من حليف إلى خصم، ثم يعود حليفاً بعد سنوات؟
هنا يبدأ واتربوري في البحث عن القواعد غير المكتوبة التي تتحرك وفقها النخب.
ماذا يعني مصطلح «التجزيئية» الذي يبدو معقداً؟
هذه هي أصعب نقطة في الكتاب، لكنها في الوقت نفسه مفتاح فهمه كله.
Politique segmentaire كلمة « التجزيئية «
لم يخترعها واتربوري من الصفر. لقد أخذها من مدرسة في الأنثروبولوجيا السياسية كانت تدرس المجتمعات القبلية، وخاصة أعمال إدوارد إيفانز-بريتشارد حول قبائل النوير في السودان، ثم الدراسات التي قام بها باحثون مثل إرنست غيلنر حول بعض القبائل المغربية. ويشرح أحد النقاد أن واتربوري نقل النظرية في خطوتين: من المجتمعات القبلية الإفريقية إلى قبائل المغرب، ثم من القبائل إلى الحياة السياسية للنخب المغربية الحديثة.
لكن ماذا يعني ذلك ببساطة؟
لنتخيل مجموعة كبيرة مكونة من مجموعات أصغر.
كل مجموعة تريد أن تحافظ على قوتها.
وقد تتحد مع مجموعة أخرى عندما تشعر أن مجموعة ثالثة أصبحت قوية أكثر من اللازم.
لكن التحالف لا يعني بالضرورة أن المجموعتين أصبحتا صديقتين إلى الأبد.
فإذا أصبحت المجموعة الثالثة ضعيفة، فقد تعود المجموعتان المتحالفتان إلى التنافس فيما بينهما.
إذن العلاقة ليست:
صديق ضد عدو.
وإنما:
تحالف اليوم يمكن أن يصبح خصومة غداً، والخصومة يمكن أن تتحول إلى تحالف جديد عندما تتغير موازين القوة.
هذا هو المعنى البسيط للتجزيئية عند واتربوري.
ولذلك فإن الصراع نفسه لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار النظام.
بل يمكن أن يصبح الصراع وسيلة للحفاظ على التوازن.
هذه هي الفكرة التي أراد واتربوري نقلها من دراسة البنيات القبلية إلى دراسة السياسة المغربية.
ولكن كيف يمكن أن تعمل هذه الفكرة داخل السياسة الحديثة؟
هنا تصبح أطروحة واتربوري أكثر إثارة.
نحن نتصور الحزب السياسي الحديث كمنظمة لها برنامج وأعضاء ومؤسسات وقواعد وانتخابات داخلية.
لكن واتربوري يقول لنا: لا تنظروا فقط إلى الشكل الخارجي للحزب؛ انظروا إلى العلاقات التي تتحرك داخله.
يمكن أن يكون للحزب مؤتمر.
يمكن أن تكون له لجنة مركزية.
يمكن أن تكون له قيادة منتخبة.
يمكن أن تكون له وثائق وبرامج.
لكن داخل هذه المؤسسة قد توجد مجموعات مختلفة، لكل مجموعة رجالها وعلاقاتها ومصالحها.
فتصبح المعركة الظاهرة حول «الفكرة» أو «البرنامج» مرتبطة أيضاً بصراع آخر أقل ظهوراً: من يملك النفوذ داخل التنظيم؟ ومن سيصبح أقرب إلى مركز القرار؟ ومن سيخسر موقعه إذا انتصر الطرف الآخر؟
وهكذا يصبح الحزب، في نظر واتربوري، ليس فقط مؤسسة حديثة، وإنما أيضاً مجالاً تتصارع داخله جماعات ونخب.
وهذه إحدى أهم أفكار الكتاب.
الأشكال الحديثة لا تلغي بالضرورة العلاقات القديمة؛ يمكن أن تتعايش معها.
قد تجد الانتخابات، لكن إلى جانبها العلاقات الشخصية.
وقد تجد البرنامج السياسي، لكن إلى جانبه الولاء للزعيم.
وقد تجد المؤسسة، لكن إلى جانبها الشبكة.
وقد تجد الحزب، لكن إلى جانبه تيارات وأجنحة ودوائر نفوذ.
وهذا لا يعني أن الحزب مجرد قبيلة بالمعنى الحرفي، وإنما يعني أن منطق العلاقات داخل المجتمع يمكن أن يستمر في العمل داخل المؤسسات الحديثة، ولكن بأشكال جديدة.
وهنا تصبح التجزيئية عند واتربوري أداة لفهم ما وراء الشكل.
ومن هنا نفهم لماذا لم يكن الكتاب مجرد دراسة للأحزاب
ربما لهذا السبب فإن اختزال الكتاب في حديثه عن حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية يجعلنا نفقد الجزء الأهم منه.
الأحزاب بالنسبة إلى واتربوري ليست الموضوع النهائي، وإنما هي ميدان يستطيع من خلاله مراقبة طريقة اشتغال النظام السياسي والنخب.
فهو ينظر إلى الانقسامات والتحالفات والصراعات لا باعتبارها مجرد أحداث منفصلة، وإنما باعتبارها تكشف طريقة أعمق في تنظيم القوة.
ولهذا خصص جزءاً مهماً من الكتاب لدراسة الحياة السياسية للنخبة، ثم استخدم أمثلة من تشكيل الأحزاب وانقسامها لكي يختبر نموذجه النظري. ويشير أحد أبرز عروض الكتاب إلى أن واتربوري يقول صراحة إنه اختار حالات من تشكل الأحزاب أو تفككها لكي يُظهر من خلالها دينامية العملية التجزيئية.
إذن الحزب بالنسبة إليه أشبه بالمختبر.
يدخل إليه الباحث لكي يرى:
كيف يتجمع الناس؟
كيف ينقسمون؟
كيف يتحالفون؟
كيف يتنافسون؟
كيف يحافظ كل طرف على علاقاته بالطرف الآخر حتى عندما يكون في حالة صراع معه؟
وكيف يمكن لمركز أقوى أن يستفيد من هذه التوازنات؟
وهنا يصل واتربوري إلى الفكرة الأكثر جرأة
إذا كانت النخب منقسمة إلى مجموعات، وإذا كان كل طرف يخشى أن يسيطر الطرف الآخر، فإن الصراع المستمر قد لا يؤدي إلى انتصار طرف واحد.
بل قد يؤدي إلى شيء آخر:
التوازن.
أي أن كل مجموعة تمنع المجموعة الأخرى من السيطرة الكاملة.
وهنا يصبح مركز السلطة في موقع مختلف.
فهو ليس مجرد طرف من الأطراف، وإنما يستطيع أن يتحرك بين هذه الأطراف، ويتعامل مع كل مجموعة بحسب اللحظة السياسية.
وهذه هي الصورة التي حاول واتربوري أن يقدمها عن النظام السياسي المغربي في تلك المرحلة.
فبدلاً من تصور السياسة باعتبارها مواجهة بسيطة بين «السلطة» من جهة و«المعارضة» من جهة أخرى، يقول لنا عملياً:
انظروا إلى شبكة العلاقات كلها.
هناك السلطة.
وهناك النخب القريبة منها.
وهناك النخب المعارضة.
وهناك الأحزاب.
وهناك الانقسامات داخل الأحزاب.
وهناك العلاقات بين الشخصيات.
وهناك المصالح.
وهناك التحالفات المؤقتة.
وكل هذه العناصر تؤثر في بعضها بعضاً.
وبهذا المعنى، فإن قوة النظام لا تأتي فقط من قوته المباشرة، وإنما أيضاً من قدرته على العمل داخل شبكة الانقسامات الموجودة بين النخب.
هذه هي النقطة التي تجعل الكتاب مختلفاً عن كتاب في تاريخ الأحزاب.
لماذا كان واتربوري مهتماً بما لا تقوله النخب عن نفسها؟
هنا تظهر إحدى أكثر أفكار الكتاب إثارة.
النخب السياسية تتحدث بلغة حديثة:
الديمقراطية، الاشتراكية، الوطنية، الدستور، الانتخابات، المؤسسات، الإصلاح…
لكن واتربوري يسأل:
هل تكفي هذه اللغة لتفسير السلوك الحقيقي؟
قد يقول سياسي شيئاً في العلن، لكن علاقاته وتحالفاته قد تدفعه إلى سلوك مختلف.
وهذا لا يعني بالضرورة أنه كاذب أو منافق.
قد يكون مؤمناً فعلاً بالأفكار التي يتحدث عنها.
لكن الإنسان السياسي، في نظر واتربوري، لا يتحرك بالأفكار وحدها.
إنه يتحرك أيضاً داخل شبكة من المصالح والعلاقات والمخاوف والولاءات.
وهذه الفكرة بالذات تفسر لماذا كان واتربوري مهتماً بما يسميه أحد النقاد «القواعد غير المكتوبة» التي تحكم العلاقات بين النخب ومركز السلطة، حتى عندما تكون اللغة الرسمية لغة مؤسسات حديثة.
التجزيئية لا تعمل داخل الحزب فقط
وهذه نقطة ينبغي الانتباه إليها جيداً.
إذا فهمنا التجزيئية باعتبارها مجرد انقسامات داخل الأحزاب، فنحن لم نفهم واتربوري.
فهو يريد أن يطبقها على النظام السياسي كله.
يمكن أن توجد تجزيئية داخل حزب.
ويمكن أن توجد بين حزب وحزب.
ويمكن أن توجد بين النخب السياسية.
ويمكن أن تظهر في الإدارة.
ويمكن أن تظهر في العلاقات بين المركز والأعيان.
ويمكن أن تظهر في المؤسسات والنقابات.
أي أن الفكرة الأساسية هي وجود مجموعة من الوحدات التي تتنافس وتتعاون في الوقت نفسه، ولا تستطيع إحداها أن تلغي الأخرى نهائياً.
ولهذا تحدث واتربوري عن المجتمع السياسي المغربي باعتباره مكوناً من وحدات متعارضة ومتوازنة بفعل التوتر والصراع. وقد وصف أحد المراجعين هذا التصور بأن بناء المجتمع عنده يأخذ شكلاً هرمياً، وأن مركز السلطة يوجد في قمة هذا البناء ويؤدي دوراً تحكيمياً بين الأطراف.
لنأخذ مثالاً بسيطاً بعيداً عن السياسة المغربية
تخيل جمعية كبيرة.
هناك رئيس الجمعية، وهناك ثلاثة أعضاء أقوياء.
كل واحد منهم لديه أنصاره.
إذا أصبح الأول قوياً جداً، قد يتقارب الاثنان الآخران لمنعه.
إذا ضعف الأول، يبدأ الثاني والثالث في التنافس.
إذا أصبح الثاني قوياً أكثر من اللازم، قد يعود الأول والثالث إلى التقارب.
إذن لا توجد صداقة ثابتة ولا عداوة ثابتة.
هناك حساب دائم لموازين القوة.
ولو كان هناك طرف رابع أقوى من الجميع، فإنه يستطيع أن يتعامل مع كل واحد في الوقت المناسب، ويمنع أي طرف من السيطرة الكاملة.
هذه الصورة المبسطة تساعدنا على فهم ما يريد واتربوري قوله.
لكن يجب الانتباه: هو لا يقول إن المغرب مجرد جمعية أو قبيلة كبيرة. بل يستعمل نموذجاً أنثروبولوجياً لفهم منطق العلاقات السياسية داخل دولة حديثة.
وهنا تكمن قوة فكرته، كما تكمن أيضاً إحدى مشكلاتها.
وما علاقة ذلك بالنظام والمؤسسات؟
الكتاب يقول لنا شيئاً بالغ الأهمية:
المؤسسات لا تعمل دائماً بالطريقة التي تبدو عليها على الورق.
الدستور يقول شيئاً.
والقانون يقول شيئاً.
والحزب يقول شيئاً.
لكن الحياة السياسية الواقعية قد تعمل بطريقة أكثر تعقيداً.
ولذلك فإن دراسة السياسة لا ينبغي أن تتوقف عند السؤال:
«ماذا يقول القانون؟»
بل يجب أن نضيف:
«كيف يتصرف الناس فعلياً داخل هذا القانون؟»
فقد تكون هناك مؤسسة حديثة، لكن الأشخاص الذين يديرونها يحملون معهم علاقات وطرقاً قديمة في بناء النفوذ.
وقد تكون هناك انتخابات، لكن العلاقات الشخصية تؤثر في اختيار المرشحين.
وقد يكون هناك حزب، لكن وزن الشخصية قد يكون أكبر من وزن المؤسسة.
وقد يكون هناك تحالف سياسي، لكنه لا يستمر إلا ما دام يخدم موازين القوة القائمة.
وهنا يصبح واتربوري مهماً حتى للقارئ الذي لا يهتم بتاريخ الستينيات.
لأنه يعلمنا أن السياسة ليست فقط ما نراه في الواجهة.
لكن لماذا اختار واتربوري هذه النظرية بالذات؟
لأن المغرب كان بالنسبة إليه حالة مثيرة جداً.
لقد كان مجتمعاً ينتقل بسرعة نحو الحداثة السياسية والإدارية، لكن التحول لم يمحُ البنيات الاجتماعية والسياسية السابقة.
وقد وجد واتربوري في أعمال باحثين مثل إرنست غيلنر مادة تساعده على فهم العلاقات الاجتماعية المغربية، ثم قام بخطوة أكبر: نقل نموذجاً كان يستخدم لفهم المجتمعات القبلية إلى مجال السياسة الحديثة.
وهذه النقلة هي أهم ابتكار منهجي في الكتاب.
فالناقد جان فرانسوا كليمان يوضح أن واتربوري لم يستخرج نموذج التجزيئية ببساطة من ملاحظاته السياسية، بل صرّح بأن النموذج جاءه من قراءته لأعمال غيلنر وهارت، ثم طبقه على الحياة السياسية المغربية.
وهذا التفصيل مهم جداً لأنه يسمح لنا بأن نفهم الكتاب وننتقده في الوقت نفسه.
فواتربوري لم يقل:
«لقد وجدت أن المغرب تجزيئي، ولذلك صنعت النظرية».
بل فعل تقريباً العكس:
أخذ نظرية موجودة، ثم اختبر قدرتها على تفسير السياسة المغربية.
هنا تبدأ مشكلة الكتاب
قوة واتربوري هي نفسها نقطة ضعفه.
لقد اكتشف شيئاً مهماً: أن السياسة لا تتحرك دائماً وفق المؤسسات والأفكار المعلنة وحدها، وأن العلاقات الشخصية والجماعات والتحالفات غير الرسمية مهمة جداً.
لكن السؤال هو:
هل يمكن تفسير السياسة المغربية كلها من خلال التجزيئية؟
هنا يصبح الجواب: لا.
وقد وجه نقاد الكتاب منذ صدوره تقريباً هذا الاعتراض.
فأحد المراجعين رأى أن النموذج يفترض نوعاً من الجمود في المجتمع المغربي، وأنه لا يستطيع وحده تفسير التحولات الاجتماعية وتشكّل الطبقات والصراعات السياسية اللاحقة. كما أشار إلى أن تطورات ما بعد 1972، ومنها تعبئة المجتمع حول قضايا وطنية كبرى، لا تنسجم بسهولة مع صورة نظام يعتمد فقط على توازنات الانقسامات الداخلية.
وهذا النقد مهم جداً.
لأن المغرب ليس مجرد شبكة من العلاقات الشخصية.
هناك أيضاً:
الطبقات الاجتماعية، والاقتصاد، ومصالح رجال الأعمال، والإدارة، والجيش، والمدينة والبادية، والتعليم، والتحولات الديموغرافية، والاستعمار، وتوزيع الثروة، والصراع الاجتماعي، والمؤسسات الدولية، والتحولات الاقتصادية.
وكل هذه العناصر تؤثر في السياسة.
ومن هنا يمكن أن نقول إن واتربوري أعطانا عدسة قوية، لكنه لم يعطنا الكاميرا التي تصور كل شيء.
ومع ذلك، لماذا بقي الكتاب مهماً؟
لأن واتربوري نجح في اكتشاف سؤال لا يزال مهماً:
ماذا يوجد خلف المؤسسات؟
عندما نرى حزباً يعقد مؤتمراً، لا يكفي أن نقرأ البيان الختامي.
علينا أن نسأل أيضاً: كيف تشكلت التحالفات التي قادت إلى المؤتمر؟
وعندما نرى قيادة حزبية تستمر سنوات طويلة، لا يكفي أن نقول إن المشكلة هي في شخص الزعيم.
علينا أن نسأل:
لماذا يستطيع هذا الشخص أن يستمر؟
من هم الأشخاص الذين يستفيدون من استمراره؟
لماذا لا تستطيع المؤسسة إنتاج قيادة جديدة؟
ما طبيعة العلاقات داخل الحزب؟
هل توجد آليات حقيقية لتداول القيادة؟
هل يوجد صراع حول الأفكار والبرامج، أم أن الصراع يتحول إلى صراع حول الأشخاص والمواقع؟
وهنا يصبح واتربوري مفيداً جداً لفهم السياسة المغربية اليوم، ليس لأن المغرب لم يتغير منذ الستينيات، وإنما لأن السؤال الذي طرحه ما زال صالحاً: كيف تعمل العلاقات غير الرسمية داخل المؤسسات الرسمية؟
وهذا يقودنا إلى مفهوم «الزعيم»
إذا طبقنا هذا التفكير على الأحزاب المغربية، يمكن أن نفهم ظاهرة الزعامة بطريقة أكثر عمقاً.
المشكلة ليست فقط أن شخصاً ما يحب السلطة أو يريد البقاء في القيادة.
السؤال الأهم:
لماذا تستطيع المؤسسة الحزبية أن تجعل وجود شخص واحد مهماً إلى هذه الدرجة؟
إذا كانت المؤسسة قوية، فإن تغيير الأمين العام لا يؤدي إلى انهيار الحزب.
يتغير القائد وتستمر المؤسسة.
أما إذا أصبح الحزب مرتبطاً بشخص، فإن رحيل الشخص قد يؤدي إلى أزمة، أو انشقاق، أو ظهور جناح جديد، أو صراع على الشرعية.
هنا يمكن أن نستفيد من واتربوري دون أن نكرر نظريته حرفياً.
فبدلاً من أن نقول:
«فلان زعيم لأنه شخص متسلط».
نسأل:
ما البنية التي جعلت الزعامة الشخصية ممكنة؟
وهذا انتقال كبير من نقد الأشخاص إلى تحليل النظام.
وهذا هو الجانب الخفي الذي يجعل الكتاب مهماً
واتربوري لا يقول لنا ببساطة:
«الأحزاب المغربية تنقسم».
هذا معروف.
ولا يقول فقط:
«هناك صراعات بين السياسيين».
وهذا معروف أيضاً.
بل يقول لنا شيئاً أكثر عمقاً:
انظروا إلى طريقة حدوث الانقسام نفسها.
من ينقسم عن من؟
متى يحدث الانقسام؟
من يستفيد من الانقسام؟
هل يؤدي الانقسام إلى ولادة قوة سياسية أقوى، أم إلى توزيع القوة على مجموعات أصغر؟
هل تستطيع المجموعة الجديدة بناء مؤسسة مستقلة، أم تصبح بدورها عرضة لانقسامات جديدة؟
وإذا استمرت الانقسامات دون أن تؤدي إلى تغيير جذري في قواعد اللعبة، فعلينا أن نسأل: هل الانقسام هنا مجرد مشكلة داخل النخبة، أم أصبح جزءاً من الطريقة التي يستمر بها النظام السياسي؟
هذه النقطة تحديداً هي التي جعلت الكتاب مثيراً للجدل.
ولكن يجب ألا نقرأ واتربوري وكأنه يصف المغرب إلى الأبد
وهذا أمر ضروري.
الكتاب كتب عن مغرب الستينيات، وتحديداً عن مرحلة سياسية شديدة الخصوصية.
المجتمع المغربي تغير كثيراً منذ ذلك الوقت.
توسعت المدن.
ارتفع مستوى التعليم.
تغير الاقتصاد.
ظهرت طبقات وسطى جديدة.
تغيرت وسائل الإعلام.
ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي.
تغيرت العلاقة بين المواطن والحزب.
وتغيرت الدولة نفسها.
لذلك لا يمكن أن نقول إن «التجزيئية» تفسر كل ما يحدث في المغرب اليوم.
لكن يمكن أن نقول إن واتربوري ترك لنا سؤالاً بالغ القوة:
هل تغيرت المؤسسات فقط، أم تغيرت أيضاً الطريقة التي تُمارس بها السلطة داخل هذه المؤسسات؟
وهذا سؤال مختلف تماماً.
وربما هنا تكمن قيمة الكتاب الحقيقية
بعد أكثر من نصف قرن، ليست قيمة واتربوري في أن نبحث عن كل حدث معاصر داخل كتابه.
بل في أن نستعمل طريقته في النظر.
عندما نرى حزباً سياسياً، لا ننظر فقط إلى برنامجه، بل إلى بنيته الداخلية.
عندما نرى نخبة سياسية، لا ننظر فقط إلى خطابها، بل إلى شبكات علاقاتها.
عندما نرى تحالفاً، لا نفترض أنه دائم، بل نسأل عن مصلحة الأطراف فيه.
عندما نرى انشقاقاً، لا نكتفي بالبيان الذي يشرح أسبابه، بل نبحث عن موازين القوة التي سبقته.
وعندما نرى استمرار زعيم سياسي، لا نسأل فقط: لماذا يريد البقاء؟
بل نسأل:
لماذا تستطيع المؤسسة أن تسمح له بالبقاء؟
وهذا السؤال الأخير قد يكون أهم سؤال تركه واتربوري للقارئ المغربي.
فالسياسة لا تُفهم فقط من خلال ما تقوله الأحزاب عن نفسها، وإنما أيضاً من خلال الطريقة التي تتحرك بها القوى داخلها وحولها.
لقد جاء واتربوري إلى المغرب باحثاً عن فهم للنخبة السياسية، فوجد نفسه أمام نظام لا يمكن فهمه إذا اكتفينا بالمؤسسات الرسمية. ولذلك حاول أن يبحث عن المنطق الخفي الذي يربط السلطة بالنخب والأحزاب والتحالفات والانقسامات.
قد نختلف معه في تفسيره، وقد نرى أن مفهوم التجزيئية ضيق أكثر مما ينبغي، وأنه يقلل من أهمية الطبقات والاقتصاد والاستعمار وبنية الدولة والصراع الاجتماعي.
لكن لا يمكن بسهولة تجاهل السؤال الذي فتحه:
حين تكون المؤسسات حديثة في شكلها، والعلاقات السياسية تحمل في داخلها آثاراً تاريخية واجتماعية أقدم، فأيّهما يفسر السلوك السياسي أكثر: المؤسسة أم العلاقات التي تعمل داخلها؟
ربما الجواب الصحيح ليس أحدهما وحده.
فالسياسة الواقعية هي نتيجة التقاء الاثنين:
مؤسسات حديثة + علاقات اجتماعية وسياسية متوارثة + مصالح مادية + صراع على النفوذ + قواعد رسمية وغير رسمية.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لا ينبغي قراءة أمير المؤمنين باعتباره مجرد كتاب عن مرحلة قديمة من تاريخ المغرب، ولا باعتباره كتاباً عن حزب معين.
إنه، قبل كل شيء، محاولة للكشف عن المغرب الذي لا يظهر في الوثائق الرسمية: المغرب الموجود خلف المؤسسات، وخلف الخطابات، وخلف التحالفات المعلنة؛ المغرب الذي تتحرك فيه النخب وفق علاقات القوة والمصلحة والتوازن، ثم تأتي المؤسسات الحديثة لتمنح هذه العلاقات شكلاً قانونياً وسياسياً حديثاً.
وهذا هو الجانب الذي يجعل الكتاب، رغم مرور أكثر من خمسين سنة على صدوره، جديراً بأن يُقرأ من جديد، لا لكي نقبل أطروحته كما هي، وإنما لكي نستخدمها في طرح سؤال أكثر أهمية:
هل أصبحت الأحزاب والمؤسسات أقوى من الأشخاص والعلاقات والشبكات، أم أن الحداثة السياسية في المغرب ما زالت تحمل داخلها الكثير من آليات الماضي؟
هذا هو السؤال الذي يجعل قراءة واتربوري اليوم أكثر من مجرد عودة إلى كتاب قديم؛ إنها محاولة لفهم كيف تشتغل السياسة عندما يكون الشكل حديثاً، بينما تستمر داخل الشكل علاقات قوة صنعتها التاريخ.
المراجع
1. John Waterbury, Le Commandeur des croyants : la monarchie marocaine et son élite, traduit et adapté de l’anglais par Catherine Aubin, Paris, Presses Universitaires de France, 1975, 399 p.
محمد السميري:
هناك كتب تتحدث عن المغرب من خلال أحداثه، وكتب أخرى تتحدث عن أحزابه وشخصياته، لكن هناك كتب تحاول أن تذهب إلى مكان أعمق: كيف تشتغل السياسة المغربية في الواقع، وراء ما تقوله القوانين والدساتير والخطابات والأحزاب عن نفسها؟
ومن أهم هذه الكتب كتاب الباحث الأمريكي جون واتربوري أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية، الذي صدر بالإنجليزية سنة 1970 بعنوان The Commander of the Faithful: The Moroccan Political Elite – A Study in Segmented Politics. وكان الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه أنجزها واتربوري سنة 1968، ثم نُشرت في الولايات المتحدة، قبل أن تصدر ترجمته الفرنسية سنة 1975 في نحو 400 صفحة.
وأهمية الكتاب لا تكمن أساساً في المعلومات التي يقدمها عن حزب الاستقلال أو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أو غيرهما، رغم أن هذه المادة التاريخية مهمة، وإنما في السؤال الذي كان يحاول الإجابة عنه: لماذا تبدو السياسة المغربية في شكلها الخارجي حديثة، بينما تستمر في داخلها أنماط من العلاقات السياسية والاجتماعية أقدم من الأحزاب والمؤسسات الحديثة؟
هنا بالضبط تكمن المفاجأة التي يقدمها واتربوري للقارئ.
قبل الكتاب: من هو جون واتربوري؟ ولماذا جاء إلى المغرب؟
لم يكن واتربوري مؤرخاً مغربياً ولا باحثاً نشأ داخل المجتمع المغربي. كان أمريكياً درس العلوم السياسية في جامعة برينستون وتخرج منها سنة 1961، ثم ذهب إلى القاهرة في إطار منحة فولبرايت خلال 1961-1962 ليدرس العربية. وبعد ذلك تابع دراسته في جامعة كولومبيا، حيث حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية سنة 1968. ومن القاهرة انتقل إلى المغرب، ثم واصل مساره الأكاديمي في الولايات المتحدة وفرنسا، قبل أن يصبح لاحقاً أستاذاً معروفاً في الاقتصاد السياسي والسياسة المقارنة.
وهنا توجد نقطة مهمة: اختياره للمغرب لم يكن نتيجة خطة علمية محكمة منذ البداية كما قد نتخيل. في حوار أجري معه بعد سنوات، قال واتربوري إن اختياره للمغرب كان إلى حد كبير نتيجة الصدفة والحظ. كان في القاهرة، وقد تعلم العربية هناك، ثم وجد نفسه يتجه إلى المغرب. لكنه حين وصل إليه وجد مجالاً بحثياً شديد الأهمية: بلد حصل على الاستقلال حديثاً، يعيش مرحلة بناء دولة جديدة، وفي الوقت نفسه توجد داخله نخبة وطنية وأحزاب وحركة مقاومة ومؤسسات حديثة، إلى جانب علاقات اجتماعية وسياسية متوارثة من الماضي.
وهذا مهم لفهم الكتاب كله.
فواتربوري لم يدخل المغرب ليبحث فقط عن تاريخ الأحزاب، وإنما وجد نفسه أمام مجتمع ينتقل من نظام قديم إلى نظام حديث، ولكن الانتقال لم يكن كاملاً ولا بسيطاً.
هناك الدولة الحديثة، والإدارة، والبرلمان، والأحزاب، والانتخابات، والصحافة، والنقابات.
وفي الوقت نفسه هناك الزعيم، والعائلة، والولاء الشخصي، والشبكة، والجهة، والعلاقات القديمة، والقدرة على الوصول إلى أصحاب النفوذ.
فالسؤال الذي بدأ يتشكل أمامه كان تقريباً:
ماذا يحدث عندما تدخل مؤسسات سياسية حديثة إلى مجتمع ما زالت العلاقات القديمة مؤثرة في طريقة اشتغال السلطة والنخب داخله؟
ومن هنا يبدأ مدخل واتربوري الحقيقي.
المغرب الذي وصل إليه واتربوري
لكي نفهم الكتاب، علينا أن نضع أنفسنا قليلاً في مغرب الستينيات.
المغرب حصل على الاستقلال سنة 1956، لكنه لم يكن قد تحول فجأة إلى دولة ديمقراطية حديثة بالمعنى الذي استقر في أوروبا الغربية. كان المجتمع قد خرج من الاستعمار وهو يحمل مؤسسات جديدة، ولكنه كان يحمل أيضاً إرثاً سياسياً واجتماعياً أقدم بكثير.
والنخب التي دخلت الحياة السياسية الجديدة لم تكن قد وُلدت كلها داخل المؤسسات الحديثة.
بعضها جاء من الحركة الوطنية، وبعضها من المقاومة، وبعضها من الإدارة، وبعضها من الأعيان، وبعضها من المدن، وبعضها من البوادي، وبعضها من التعليم الحديث.
إذن نحن أمام نخب مختلفة المصادر، لكنها أصبحت فجأة تتنافس داخل فضاء سياسي واحد.
وهنا جاءت ملاحظة واتربوري الأساسية:
لا يكفي أن ننظر إلى ما تقوله هذه النخب عن نفسها.
إذا قال سياسي إنه اشتراكي، أو وطني، أو محافظ، أو ديمقراطي، فهذا لا يخبرنا بالضرورة عن الطريقة التي سيتصرف بها عندما يدخل في صراع على النفوذ.
وإذا أعلنت مجموعة سياسية أنها تختلف مع مجموعة أخرى بسبب البرنامج أو الإيديولوجيا، فعلينا أن نسأل أيضاً:
من يقف وراء كل مجموعة؟
من يملك العلاقات؟
من يستطيع الوصول إلى السلطة؟
من يخشى أن يخسر موقعه؟
من يستطيع أن يتحالف مع من؟
ومن يمكن أن يتحول من حليف إلى خصم، ثم يعود حليفاً بعد سنوات؟
هنا يبدأ واتربوري في البحث عن القواعد غير المكتوبة التي تتحرك وفقها النخب.
ماذا يعني مصطلح «التجزيئية» الذي يبدو معقداً؟
هذه هي أصعب نقطة في الكتاب، لكنها في الوقت نفسه مفتاح فهمه كله.
Politique segmentaire كلمة « التجزيئية «
لم يخترعها واتربوري من الصفر. لقد أخذها من مدرسة في الأنثروبولوجيا السياسية كانت تدرس المجتمعات القبلية، وخاصة أعمال إدوارد إيفانز-بريتشارد حول قبائل النوير في السودان، ثم الدراسات التي قام بها باحثون مثل إرنست غيلنر حول بعض القبائل المغربية. ويشرح أحد النقاد أن واتربوري نقل النظرية في خطوتين: من المجتمعات القبلية الإفريقية إلى قبائل المغرب، ثم من القبائل إلى الحياة السياسية للنخب المغربية الحديثة.
لكن ماذا يعني ذلك ببساطة؟
لنتخيل مجموعة كبيرة مكونة من مجموعات أصغر.
كل مجموعة تريد أن تحافظ على قوتها.
وقد تتحد مع مجموعة أخرى عندما تشعر أن مجموعة ثالثة أصبحت قوية أكثر من اللازم.
لكن التحالف لا يعني بالضرورة أن المجموعتين أصبحتا صديقتين إلى الأبد.
فإذا أصبحت المجموعة الثالثة ضعيفة، فقد تعود المجموعتان المتحالفتان إلى التنافس فيما بينهما.
إذن العلاقة ليست:
صديق ضد عدو.
وإنما:
تحالف اليوم يمكن أن يصبح خصومة غداً، والخصومة يمكن أن تتحول إلى تحالف جديد عندما تتغير موازين القوة.
هذا هو المعنى البسيط للتجزيئية عند واتربوري.
ولذلك فإن الصراع نفسه لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار النظام.
بل يمكن أن يصبح الصراع وسيلة للحفاظ على التوازن.
هذه هي الفكرة التي أراد واتربوري نقلها من دراسة البنيات القبلية إلى دراسة السياسة المغربية.
ولكن كيف يمكن أن تعمل هذه الفكرة داخل السياسة الحديثة؟
هنا تصبح أطروحة واتربوري أكثر إثارة.
نحن نتصور الحزب السياسي الحديث كمنظمة لها برنامج وأعضاء ومؤسسات وقواعد وانتخابات داخلية.
لكن واتربوري يقول لنا: لا تنظروا فقط إلى الشكل الخارجي للحزب؛ انظروا إلى العلاقات التي تتحرك داخله.
يمكن أن يكون للحزب مؤتمر.
يمكن أن تكون له لجنة مركزية.
يمكن أن تكون له قيادة منتخبة.
يمكن أن تكون له وثائق وبرامج.
لكن داخل هذه المؤسسة قد توجد مجموعات مختلفة، لكل مجموعة رجالها وعلاقاتها ومصالحها.
فتصبح المعركة الظاهرة حول «الفكرة» أو «البرنامج» مرتبطة أيضاً بصراع آخر أقل ظهوراً: من يملك النفوذ داخل التنظيم؟ ومن سيصبح أقرب إلى مركز القرار؟ ومن سيخسر موقعه إذا انتصر الطرف الآخر؟
وهكذا يصبح الحزب، في نظر واتربوري، ليس فقط مؤسسة حديثة، وإنما أيضاً مجالاً تتصارع داخله جماعات ونخب.
وهذه إحدى أهم أفكار الكتاب.
الأشكال الحديثة لا تلغي بالضرورة العلاقات القديمة؛ يمكن أن تتعايش معها.
قد تجد الانتخابات، لكن إلى جانبها العلاقات الشخصية.
وقد تجد البرنامج السياسي، لكن إلى جانبه الولاء للزعيم.
وقد تجد المؤسسة، لكن إلى جانبها الشبكة.
وقد تجد الحزب، لكن إلى جانبه تيارات وأجنحة ودوائر نفوذ.
وهذا لا يعني أن الحزب مجرد قبيلة بالمعنى الحرفي، وإنما يعني أن منطق العلاقات داخل المجتمع يمكن أن يستمر في العمل داخل المؤسسات الحديثة، ولكن بأشكال جديدة.
وهنا تصبح التجزيئية عند واتربوري أداة لفهم ما وراء الشكل.
ومن هنا نفهم لماذا لم يكن الكتاب مجرد دراسة للأحزاب
ربما لهذا السبب فإن اختزال الكتاب في حديثه عن حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية يجعلنا نفقد الجزء الأهم منه.
الأحزاب بالنسبة إلى واتربوري ليست الموضوع النهائي، وإنما هي ميدان يستطيع من خلاله مراقبة طريقة اشتغال النظام السياسي والنخب.
فهو ينظر إلى الانقسامات والتحالفات والصراعات لا باعتبارها مجرد أحداث منفصلة، وإنما باعتبارها تكشف طريقة أعمق في تنظيم القوة.
ولهذا خصص جزءاً مهماً من الكتاب لدراسة الحياة السياسية للنخبة، ثم استخدم أمثلة من تشكيل الأحزاب وانقسامها لكي يختبر نموذجه النظري. ويشير أحد أبرز عروض الكتاب إلى أن واتربوري يقول صراحة إنه اختار حالات من تشكل الأحزاب أو تفككها لكي يُظهر من خلالها دينامية العملية التجزيئية.
إذن الحزب بالنسبة إليه أشبه بالمختبر.
يدخل إليه الباحث لكي يرى:
كيف يتجمع الناس؟
كيف ينقسمون؟
كيف يتحالفون؟
كيف يتنافسون؟
كيف يحافظ كل طرف على علاقاته بالطرف الآخر حتى عندما يكون في حالة صراع معه؟
وكيف يمكن لمركز أقوى أن يستفيد من هذه التوازنات؟
وهنا يصل واتربوري إلى الفكرة الأكثر جرأة
إذا كانت النخب منقسمة إلى مجموعات، وإذا كان كل طرف يخشى أن يسيطر الطرف الآخر، فإن الصراع المستمر قد لا يؤدي إلى انتصار طرف واحد.
بل قد يؤدي إلى شيء آخر:
التوازن.
أي أن كل مجموعة تمنع المجموعة الأخرى من السيطرة الكاملة.
وهنا يصبح مركز السلطة في موقع مختلف.
فهو ليس مجرد طرف من الأطراف، وإنما يستطيع أن يتحرك بين هذه الأطراف، ويتعامل مع كل مجموعة بحسب اللحظة السياسية.
وهذه هي الصورة التي حاول واتربوري أن يقدمها عن النظام السياسي المغربي في تلك المرحلة.
فبدلاً من تصور السياسة باعتبارها مواجهة بسيطة بين «السلطة» من جهة و«المعارضة» من جهة أخرى، يقول لنا عملياً:
انظروا إلى شبكة العلاقات كلها.
هناك السلطة.
وهناك النخب القريبة منها.
وهناك النخب المعارضة.
وهناك الأحزاب.
وهناك الانقسامات داخل الأحزاب.
وهناك العلاقات بين الشخصيات.
وهناك المصالح.
وهناك التحالفات المؤقتة.
وكل هذه العناصر تؤثر في بعضها بعضاً.
وبهذا المعنى، فإن قوة النظام لا تأتي فقط من قوته المباشرة، وإنما أيضاً من قدرته على العمل داخل شبكة الانقسامات الموجودة بين النخب.
هذه هي النقطة التي تجعل الكتاب مختلفاً عن كتاب في تاريخ الأحزاب.
لماذا كان واتربوري مهتماً بما لا تقوله النخب عن نفسها؟
هنا تظهر إحدى أكثر أفكار الكتاب إثارة.
النخب السياسية تتحدث بلغة حديثة:
الديمقراطية، الاشتراكية، الوطنية، الدستور، الانتخابات، المؤسسات، الإصلاح…
لكن واتربوري يسأل:
هل تكفي هذه اللغة لتفسير السلوك الحقيقي؟
قد يقول سياسي شيئاً في العلن، لكن علاقاته وتحالفاته قد تدفعه إلى سلوك مختلف.
وهذا لا يعني بالضرورة أنه كاذب أو منافق.
قد يكون مؤمناً فعلاً بالأفكار التي يتحدث عنها.
لكن الإنسان السياسي، في نظر واتربوري، لا يتحرك بالأفكار وحدها.
إنه يتحرك أيضاً داخل شبكة من المصالح والعلاقات والمخاوف والولاءات.
وهذه الفكرة بالذات تفسر لماذا كان واتربوري مهتماً بما يسميه أحد النقاد «القواعد غير المكتوبة» التي تحكم العلاقات بين النخب ومركز السلطة، حتى عندما تكون اللغة الرسمية لغة مؤسسات حديثة.
التجزيئية لا تعمل داخل الحزب فقط
وهذه نقطة ينبغي الانتباه إليها جيداً.
إذا فهمنا التجزيئية باعتبارها مجرد انقسامات داخل الأحزاب، فنحن لم نفهم واتربوري.
فهو يريد أن يطبقها على النظام السياسي كله.
يمكن أن توجد تجزيئية داخل حزب.
ويمكن أن توجد بين حزب وحزب.
ويمكن أن توجد بين النخب السياسية.
ويمكن أن تظهر في الإدارة.
ويمكن أن تظهر في العلاقات بين المركز والأعيان.
ويمكن أن تظهر في المؤسسات والنقابات.
أي أن الفكرة الأساسية هي وجود مجموعة من الوحدات التي تتنافس وتتعاون في الوقت نفسه، ولا تستطيع إحداها أن تلغي الأخرى نهائياً.
ولهذا تحدث واتربوري عن المجتمع السياسي المغربي باعتباره مكوناً من وحدات متعارضة ومتوازنة بفعل التوتر والصراع. وقد وصف أحد المراجعين هذا التصور بأن بناء المجتمع عنده يأخذ شكلاً هرمياً، وأن مركز السلطة يوجد في قمة هذا البناء ويؤدي دوراً تحكيمياً بين الأطراف.
لنأخذ مثالاً بسيطاً بعيداً عن السياسة المغربية
تخيل جمعية كبيرة.
هناك رئيس الجمعية، وهناك ثلاثة أعضاء أقوياء.
كل واحد منهم لديه أنصاره.
إذا أصبح الأول قوياً جداً، قد يتقارب الاثنان الآخران لمنعه.
إذا ضعف الأول، يبدأ الثاني والثالث في التنافس.
إذا أصبح الثاني قوياً أكثر من اللازم، قد يعود الأول والثالث إلى التقارب.
إذن لا توجد صداقة ثابتة ولا عداوة ثابتة.
هناك حساب دائم لموازين القوة.
ولو كان هناك طرف رابع أقوى من الجميع، فإنه يستطيع أن يتعامل مع كل واحد في الوقت المناسب، ويمنع أي طرف من السيطرة الكاملة.
هذه الصورة المبسطة تساعدنا على فهم ما يريد واتربوري قوله.
لكن يجب الانتباه: هو لا يقول إن المغرب مجرد جمعية أو قبيلة كبيرة. بل يستعمل نموذجاً أنثروبولوجياً لفهم منطق العلاقات السياسية داخل دولة حديثة.
وهنا تكمن قوة فكرته، كما تكمن أيضاً إحدى مشكلاتها.
وما علاقة ذلك بالنظام والمؤسسات؟
الكتاب يقول لنا شيئاً بالغ الأهمية:
المؤسسات لا تعمل دائماً بالطريقة التي تبدو عليها على الورق.
الدستور يقول شيئاً.
والقانون يقول شيئاً.
والحزب يقول شيئاً.
لكن الحياة السياسية الواقعية قد تعمل بطريقة أكثر تعقيداً.
ولذلك فإن دراسة السياسة لا ينبغي أن تتوقف عند السؤال:
«ماذا يقول القانون؟»
بل يجب أن نضيف:
«كيف يتصرف الناس فعلياً داخل هذا القانون؟»
فقد تكون هناك مؤسسة حديثة، لكن الأشخاص الذين يديرونها يحملون معهم علاقات وطرقاً قديمة في بناء النفوذ.
وقد تكون هناك انتخابات، لكن العلاقات الشخصية تؤثر في اختيار المرشحين.
وقد يكون هناك حزب، لكن وزن الشخصية قد يكون أكبر من وزن المؤسسة.
وقد يكون هناك تحالف سياسي، لكنه لا يستمر إلا ما دام يخدم موازين القوة القائمة.
وهنا يصبح واتربوري مهماً حتى للقارئ الذي لا يهتم بتاريخ الستينيات.
لأنه يعلمنا أن السياسة ليست فقط ما نراه في الواجهة.
لكن لماذا اختار واتربوري هذه النظرية بالذات؟
لأن المغرب كان بالنسبة إليه حالة مثيرة جداً.
لقد كان مجتمعاً ينتقل بسرعة نحو الحداثة السياسية والإدارية، لكن التحول لم يمحُ البنيات الاجتماعية والسياسية السابقة.
وقد وجد واتربوري في أعمال باحثين مثل إرنست غيلنر مادة تساعده على فهم العلاقات الاجتماعية المغربية، ثم قام بخطوة أكبر: نقل نموذجاً كان يستخدم لفهم المجتمعات القبلية إلى مجال السياسة الحديثة.
وهذه النقلة هي أهم ابتكار منهجي في الكتاب.
فالناقد جان فرانسوا كليمان يوضح أن واتربوري لم يستخرج نموذج التجزيئية ببساطة من ملاحظاته السياسية، بل صرّح بأن النموذج جاءه من قراءته لأعمال غيلنر وهارت، ثم طبقه على الحياة السياسية المغربية.
وهذا التفصيل مهم جداً لأنه يسمح لنا بأن نفهم الكتاب وننتقده في الوقت نفسه.
فواتربوري لم يقل:
«لقد وجدت أن المغرب تجزيئي، ولذلك صنعت النظرية».
بل فعل تقريباً العكس:
أخذ نظرية موجودة، ثم اختبر قدرتها على تفسير السياسة المغربية.
هنا تبدأ مشكلة الكتاب
قوة واتربوري هي نفسها نقطة ضعفه.
لقد اكتشف شيئاً مهماً: أن السياسة لا تتحرك دائماً وفق المؤسسات والأفكار المعلنة وحدها، وأن العلاقات الشخصية والجماعات والتحالفات غير الرسمية مهمة جداً.
لكن السؤال هو:
هل يمكن تفسير السياسة المغربية كلها من خلال التجزيئية؟
هنا يصبح الجواب: لا.
وقد وجه نقاد الكتاب منذ صدوره تقريباً هذا الاعتراض.
فأحد المراجعين رأى أن النموذج يفترض نوعاً من الجمود في المجتمع المغربي، وأنه لا يستطيع وحده تفسير التحولات الاجتماعية وتشكّل الطبقات والصراعات السياسية اللاحقة. كما أشار إلى أن تطورات ما بعد 1972، ومنها تعبئة المجتمع حول قضايا وطنية كبرى، لا تنسجم بسهولة مع صورة نظام يعتمد فقط على توازنات الانقسامات الداخلية.
وهذا النقد مهم جداً.
لأن المغرب ليس مجرد شبكة من العلاقات الشخصية.
هناك أيضاً:
الطبقات الاجتماعية، والاقتصاد، ومصالح رجال الأعمال، والإدارة، والجيش، والمدينة والبادية، والتعليم، والتحولات الديموغرافية، والاستعمار، وتوزيع الثروة، والصراع الاجتماعي، والمؤسسات الدولية، والتحولات الاقتصادية.
وكل هذه العناصر تؤثر في السياسة.
ومن هنا يمكن أن نقول إن واتربوري أعطانا عدسة قوية، لكنه لم يعطنا الكاميرا التي تصور كل شيء.
ومع ذلك، لماذا بقي الكتاب مهماً؟
لأن واتربوري نجح في اكتشاف سؤال لا يزال مهماً:
ماذا يوجد خلف المؤسسات؟
عندما نرى حزباً يعقد مؤتمراً، لا يكفي أن نقرأ البيان الختامي.
علينا أن نسأل أيضاً: كيف تشكلت التحالفات التي قادت إلى المؤتمر؟
وعندما نرى قيادة حزبية تستمر سنوات طويلة، لا يكفي أن نقول إن المشكلة هي في شخص الزعيم.
علينا أن نسأل:
لماذا يستطيع هذا الشخص أن يستمر؟
من هم الأشخاص الذين يستفيدون من استمراره؟
لماذا لا تستطيع المؤسسة إنتاج قيادة جديدة؟
ما طبيعة العلاقات داخل الحزب؟
هل توجد آليات حقيقية لتداول القيادة؟
هل يوجد صراع حول الأفكار والبرامج، أم أن الصراع يتحول إلى صراع حول الأشخاص والمواقع؟
وهنا يصبح واتربوري مفيداً جداً لفهم السياسة المغربية اليوم، ليس لأن المغرب لم يتغير منذ الستينيات، وإنما لأن السؤال الذي طرحه ما زال صالحاً: كيف تعمل العلاقات غير الرسمية داخل المؤسسات الرسمية؟
وهذا يقودنا إلى مفهوم «الزعيم»
إذا طبقنا هذا التفكير على الأحزاب المغربية، يمكن أن نفهم ظاهرة الزعامة بطريقة أكثر عمقاً.
المشكلة ليست فقط أن شخصاً ما يحب السلطة أو يريد البقاء في القيادة.
السؤال الأهم:
لماذا تستطيع المؤسسة الحزبية أن تجعل وجود شخص واحد مهماً إلى هذه الدرجة؟
إذا كانت المؤسسة قوية، فإن تغيير الأمين العام لا يؤدي إلى انهيار الحزب.
يتغير القائد وتستمر المؤسسة.
أما إذا أصبح الحزب مرتبطاً بشخص، فإن رحيل الشخص قد يؤدي إلى أزمة، أو انشقاق، أو ظهور جناح جديد، أو صراع على الشرعية.
هنا يمكن أن نستفيد من واتربوري دون أن نكرر نظريته حرفياً.
فبدلاً من أن نقول:
«فلان زعيم لأنه شخص متسلط».
نسأل:
ما البنية التي جعلت الزعامة الشخصية ممكنة؟
وهذا انتقال كبير من نقد الأشخاص إلى تحليل النظام.
وهذا هو الجانب الخفي الذي يجعل الكتاب مهماً
واتربوري لا يقول لنا ببساطة:
«الأحزاب المغربية تنقسم».
هذا معروف.
ولا يقول فقط:
«هناك صراعات بين السياسيين».
وهذا معروف أيضاً.
بل يقول لنا شيئاً أكثر عمقاً:
انظروا إلى طريقة حدوث الانقسام نفسها.
من ينقسم عن من؟
متى يحدث الانقسام؟
من يستفيد من الانقسام؟
هل يؤدي الانقسام إلى ولادة قوة سياسية أقوى، أم إلى توزيع القوة على مجموعات أصغر؟
هل تستطيع المجموعة الجديدة بناء مؤسسة مستقلة، أم تصبح بدورها عرضة لانقسامات جديدة؟
وإذا استمرت الانقسامات دون أن تؤدي إلى تغيير جذري في قواعد اللعبة، فعلينا أن نسأل: هل الانقسام هنا مجرد مشكلة داخل النخبة، أم أصبح جزءاً من الطريقة التي يستمر بها النظام السياسي؟
هذه النقطة تحديداً هي التي جعلت الكتاب مثيراً للجدل.
ولكن يجب ألا نقرأ واتربوري وكأنه يصف المغرب إلى الأبد
وهذا أمر ضروري.
الكتاب كتب عن مغرب الستينيات، وتحديداً عن مرحلة سياسية شديدة الخصوصية.
المجتمع المغربي تغير كثيراً منذ ذلك الوقت.
توسعت المدن.
ارتفع مستوى التعليم.
تغير الاقتصاد.
ظهرت طبقات وسطى جديدة.
تغيرت وسائل الإعلام.
ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي.
تغيرت العلاقة بين المواطن والحزب.
وتغيرت الدولة نفسها.
لذلك لا يمكن أن نقول إن «التجزيئية» تفسر كل ما يحدث في المغرب اليوم.
لكن يمكن أن نقول إن واتربوري ترك لنا سؤالاً بالغ القوة:
هل تغيرت المؤسسات فقط، أم تغيرت أيضاً الطريقة التي تُمارس بها السلطة داخل هذه المؤسسات؟
وهذا سؤال مختلف تماماً.
وربما هنا تكمن قيمة الكتاب الحقيقية
بعد أكثر من نصف قرن، ليست قيمة واتربوري في أن نبحث عن كل حدث معاصر داخل كتابه.
بل في أن نستعمل طريقته في النظر.
عندما نرى حزباً سياسياً، لا ننظر فقط إلى برنامجه، بل إلى بنيته الداخلية.
عندما نرى نخبة سياسية، لا ننظر فقط إلى خطابها، بل إلى شبكات علاقاتها.
عندما نرى تحالفاً، لا نفترض أنه دائم، بل نسأل عن مصلحة الأطراف فيه.
عندما نرى انشقاقاً، لا نكتفي بالبيان الذي يشرح أسبابه، بل نبحث عن موازين القوة التي سبقته.
وعندما نرى استمرار زعيم سياسي، لا نسأل فقط: لماذا يريد البقاء؟
بل نسأل:
لماذا تستطيع المؤسسة أن تسمح له بالبقاء؟
وهذا السؤال الأخير قد يكون أهم سؤال تركه واتربوري للقارئ المغربي.
فالسياسة لا تُفهم فقط من خلال ما تقوله الأحزاب عن نفسها، وإنما أيضاً من خلال الطريقة التي تتحرك بها القوى داخلها وحولها.
لقد جاء واتربوري إلى المغرب باحثاً عن فهم للنخبة السياسية، فوجد نفسه أمام نظام لا يمكن فهمه إذا اكتفينا بالمؤسسات الرسمية. ولذلك حاول أن يبحث عن المنطق الخفي الذي يربط السلطة بالنخب والأحزاب والتحالفات والانقسامات.
قد نختلف معه في تفسيره، وقد نرى أن مفهوم التجزيئية ضيق أكثر مما ينبغي، وأنه يقلل من أهمية الطبقات والاقتصاد والاستعمار وبنية الدولة والصراع الاجتماعي.
لكن لا يمكن بسهولة تجاهل السؤال الذي فتحه:
حين تكون المؤسسات حديثة في شكلها، والعلاقات السياسية تحمل في داخلها آثاراً تاريخية واجتماعية أقدم، فأيّهما يفسر السلوك السياسي أكثر: المؤسسة أم العلاقات التي تعمل داخلها؟
ربما الجواب الصحيح ليس أحدهما وحده.
فالسياسة الواقعية هي نتيجة التقاء الاثنين:
مؤسسات حديثة + علاقات اجتماعية وسياسية متوارثة + مصالح مادية + صراع على النفوذ + قواعد رسمية وغير رسمية.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لا ينبغي قراءة أمير المؤمنين باعتباره مجرد كتاب عن مرحلة قديمة من تاريخ المغرب، ولا باعتباره كتاباً عن حزب معين.
إنه، قبل كل شيء، محاولة للكشف عن المغرب الذي لا يظهر في الوثائق الرسمية: المغرب الموجود خلف المؤسسات، وخلف الخطابات، وخلف التحالفات المعلنة؛ المغرب الذي تتحرك فيه النخب وفق علاقات القوة والمصلحة والتوازن، ثم تأتي المؤسسات الحديثة لتمنح هذه العلاقات شكلاً قانونياً وسياسياً حديثاً.
وهذا هو الجانب الذي يجعل الكتاب، رغم مرور أكثر من خمسين سنة على صدوره، جديراً بأن يُقرأ من جديد، لا لكي نقبل أطروحته كما هي، وإنما لكي نستخدمها في طرح سؤال أكثر أهمية:
هل أصبحت الأحزاب والمؤسسات أقوى من الأشخاص والعلاقات والشبكات، أم أن الحداثة السياسية في المغرب ما زالت تحمل داخلها الكثير من آليات الماضي؟
هذا هو السؤال الذي يجعل قراءة واتربوري اليوم أكثر من مجرد عودة إلى كتاب قديم؛ إنها محاولة لفهم كيف تشتغل السياسة عندما يكون الشكل حديثاً، بينما تستمر داخل الشكل علاقات قوة صنعتها التاريخ.
المراجع
1. John Waterbury, Le Commandeur des croyants : la monarchie marocaine et son élite, traduit et adapté de l’anglais par Catherine Aubin, Paris, Presses Universitaires de France, 1975, 399 p.
2. إرنست غيلنر ودراسات الأنثروبولوجيا السياسية حول البنيات القبلية في المغرب، وهي من الخلفيات النظرية التي استفاد منها واتربوري في بناء مفهوم «التجزيئية» وتطبيقه على السياسة المغربية. وقد أوضحت المراجعة الفرنسية للكتاب أن واتربوري صرّح بأن نموذجه النظري جاءه من قراءته لأعمال غيلنر وديفيد هارت.2. إرنست غيلنر ودراسات الأنثروبولوجيا السياسية حول البنيات القبلية في المغرب، وهي من الخلفيات النظرية التي استفاد منها واتربوري في بناء مفهوم «التجزيئية» وتطبيقه على السياسة المغربية. وقد أوضحت المراجعة الفرنسية للكتاب أن واتربوري صرّح بأن نموذجه النظري جاءه من قراءته لأعمال غيلنر وديفيد هارت.
