توقفوا عن الكلام! ابدأوا العمل! نداء عاجل إلى الطبقة السياسية المغربية: أفعال لا أقوال.
بقلم، محمد خوخشاني.
«الكلام يطير، والأفعال تبقى». لم تكن هذه الحكمة الشعبية في يوم من الأيام أكثر صلة بالواقع مما هي عليه اليوم في المغرب. فبينما تعبر المملكة مرحلة حاسمة من مسار تنميتها، يفرض نفسه سؤال ملحّ: إلى متى ستظل الطبقة السياسية تتغذى على خطابات جوفاء ووعود انتخابية معاد تدويرها وبلاغة حماسية، دون أن تنتقل فعلياً إلى العمل؟
الواقع مرّ. تتوالى الحملات الانتخابية، وتتسلسل التجمعات الخطابية، وتستضيف المنصات التلفزية نقاشات محتدمة، لكن على أرض الواقع تبقى الحقيقة كما هي: شباب حاملون للشهادات بلا عمل، وأحياء شعبية تنتظر بنيات تحتية لائقة، ومناطق قروية لا تزال محرومة من الولوج إلى الخدمات الصحية الأساسية، وأسر تكافح لتأمين قوت يومها. بين الوعود والوقائع هوة يقيسها المواطنون كل يوم.
الطلاق بين السياسة والشباب.
لقد تطوّر وعي الشباب المغربي، الذي يشكل نسبة كبيرة من السكان. أصبح يشعر بارتياب عميق، شبه بنيوي، تجاه الشأن السياسي. وكيف لا؟ لقد وُعدت الطاقات الشابة بمناصب شغل، وأُعلنت أمامها إصلاحات، وضُمن لها مستقبل أفضل. غير أن كل ولاية جديدة تشبه سابقتها، وكل خطاب يستعيد الصيغ ذاتها المستهلكة حتى آخر نفس. والنتيجة: عزوف جماعي عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، وعدم اهتمام متزايد بالانخراط لدى المواطن، وخيبة أمل قد تضعف على المدى الطويل الرابط بين المؤسسات والأجيال الشابة.
هذا الوضع ليس قدراً محتوماً. لكن معالجته تقتضي تغييراً جذرياً في الموقف: على الرجال والنساء في السياسة أن يكفّوا عن الكلام ليبدأوا العمل. وعليهم أن يدركوا أن الثقة لا تُمنح بخطاب؛ بل تُكسب في الميدان، عبر إنجازات ملموسة وقابلة للقياس ومحددة.
من الأقوال إلى الأفعال: مطلب لا خيار.
ليس المقصود هنا الانزلاق إلى الديماغوجية السهلة ولا إدانة الطبقة السياسية برمتها. فكثير من المنتخبين يعملون بصدق وتفانٍ. لكن الواقع أن منطق التواصل تغلّب في كثير من الأحيان على منطق النتائج. يُفضَّل الإعلان والتدشين والوعود… بدل التسليم والتقييم والمساءلة.
غير أن التحديات التي يواجهها المغرب — بطالة الشباب، والتفاوتات المجالية، والولوج إلى التعليم والصحة، والانتقال الطاقي، والاندماج الاجتماعي — لا تنتظر. فكل يوم يُهدر في خطابات عقيمة هو يوم تأخر في حياة ملايين المواطنين. يحتاج البلد إلى سياسة الفعل: مشاريع ترى النور، وإصلاحات تنتج آثاراً ملموسة، والتزامات تترجم إلى نتائج قابلة للتحقق.
ما ينتظره المواطنون فعلاً.
لا يطلب المغاربة، وخاصة الشباب، خطابات كبيرة. إنهم ينتظرون:
· فرص عمل: سياسات اقتصادية تشجع فعلياً الإدماج المهني للشباب، بما يتجاوز آليات الاستعراض.
· خدمات عمومية ذات جودة: مستشفيات تعمل، ومدارس مجهزة، ونقل ميسّر، بما في ذلك في المناطق الأكثر بعداً.
· الشفافية والمساءلة: منتخبون يقدمون حساباتهم عن إنجازاتهم، وينشرون حصائل واضحة، ويتحملون مسؤولياتهم.
· مشاركة الشباب: مكانة حقيقية في صنع القرار، لا مجرد حضور رمزي خلال الحملات.
· القرب: منتخبون حاضرون في الميدان، يستمعون إلى انشغالات المواطنين اليومية، بدل الانزواء في الصالونات والمنصات التلفزية.
نداء إلى المسؤولية.
إلى النساء والرجال في السياسة بالمغرب، نوجه نداءً صارماً: توقفوا عن الكلام! ابدأوا العمل! كفّوا عن الوعود، وابدأوا بالإنجاز. كفّوا عن التواصل، وابدأوا بالبناء. كفّوا عن احتلال الفضاء العام بخطابات فارغة، واحتلّوا الميدان بأعمال نافعة.
إن ثقة السكان، وخاصة الشباب، لن تُستعاد بالبلاغة. بل ستُستعاد بالدليل: بالالتزام المُنفَّذ، والمشروع المنجز، والحياة المُحسَّنة. وعلى كل منتخب أن يطرح على نفسه هذا السؤال البسيط والملزم: ماذا غيّرت فعلياً في حياة المواطنين الذين أمثلهم؟
خاتمة.
لقد عرف التاريخ السياسي للمغرب رجالاً ونساءً من أهل الفعل طبعوا عصرهم بإنجازات ملموسة، لا بجمال خطاباتهم. وهذه التقاليد من الالتزام والخدمة هي التي يجب تجديدها. الكلام يطير، والأفعال وحدها تبقى — وعليها ستُحاكم الطبقة السياسية.
لم يعد المغرب قادراً على تحمل ترف الخطابات الجوفاء. فشبابه وتنميته واستقراره الاجتماعي رهينة بذلك. آن الأوان للانتقال إلى الأفعال. آن الأوان لأن تفسح الكلمات المجال للإنجازات. ففي العمل، ولا مكان آخر، يكمن مفتاح الثقة المستعادة.
«الكلام يطير، والأفعال تبقى.»
