حزب التقدم والاشتراكية بين المشاركة في الحكومة والمعارضة البناءة: أي اختيار بعد الخطاب الملكي؟
من تفويض القيادة إلى حسم الاختيار السياسي: هل تقتضي المرحلة الانتقال إلى الأغلبية أم تجديد الالتزام بالمعارضة؟
بقلم، محمد خوخشاني.
مقدمة: قرار تنظيمي يطرح سؤالاً سياسياً استراتيجياً.
صادقت اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية، خلال دورتها الاستثنائية المنعقدة بالرباط يوم 6 أكتوبر 2026، بالإجماع، على تفويض المكتب السياسي، برئاسة الأمين العام محمد نبيل بنعبد الله، مواصلة المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة، والحسم في الموقف النهائي للحزب بين المشاركة في الأغلبية الحكومية المرتقبة والاصطفاف في المعارضة.
ويأتي هذا القرار في سياق سياسي جديد، عقب الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، وفي ظل المشاورات التي تقودها رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري، المنتمية إلى حزب الأصالة والمعاصرة، أحد مكونات الأغلبية الحكومية السابقة التي ترأسها عزيز أخنوش، وضمت أيضاً حزبي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال.
غير أن هذا التفويض، على الرغم من الإجماع الذي حظي به، يطرح سؤالاً يتجاوز الجانب الإجرائي إلى صميم الممارسة الديمقراطية داخل الحزب: هل كان المطلوب من اللجنة المركزية تفويض القيادة بمواصلة التفاوض، أم كان الأجدر بها أن تحسم أولاً في الموقف المبدئي من المشاركة، ثم تمنح المكتب السياسي صلاحية التفاوض على أساس اختيار سياسي واضح؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية إضافية بعد الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس يوم 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية للولاية التشريعية الثانية عشرة، والذي أعاد التأكيد على مركزية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والعدالة المجالية، وتشغيل الشباب، وتحسين الخدمات العمومية، وربط المسؤولية بالنتائج.
إن التحدي المطروح أمام حزب التقدم والاشتراكية لا يتعلق بمجرد الحصول على موقع داخل الحكومة، بل بمدى قدرته على اختيار الموقع الذي يتيح له خدمة المواطنين، والحفاظ على استقلالية قراره السياسي، والوفاء للمرجعية التقدمية والاجتماعية التي يستند إليها.
أولاً: تفويض بالإجماع، ولكن هل حُسم الاختيار السياسي؟
لا بد من التمييز بين الإجماع على تفويض المكتب السياسي مواصلة المشاورات، والإجماع على المشاركة في الحكومة. فهما قراران مختلفان من حيث المضمون والآثار السياسية.
قد يتفق أعضاء اللجنة المركزية على ضرورة استمرار التفاوض، مع احتفاظهم بآراء متباينة بشأن جدوى المشاركة. وقد يكون التفويض وسيلة لتوفير المرونة للقيادة في مرحلة تتسم بتعدد الاحتمالات. لكن ذلك لا يلغي ضرورة تحديد الأساس السياسي الذي ينبغي أن تستند إليه المفاوضات، ولا يعفي الهيئة التقريرية من مسؤوليتها في الاختيارات الاستراتيجية.
في تقديري، كان الأجدر باللجنة المركزية أن تستمع إلى التقرير المفصل للأمين العام، وتناقشه في ضوء نتائج المشاورات والالتزامات التي أمكن الحصول عليها، ثم تطرح على أعضائها سؤالاً واضحاً: هل يؤيدون مشاركة الحزب في الحكومة المقبلة، أم يفضلون استمراره في المعارضة؟
وبعد الحسم في هذا التوجه، كان يمكن المصادقة على تفويض المكتب السياسي مواصلة المشاورات، على أساس الشروط التي تحددها اللجنة المركزية، مع إلزام القيادة بالعودة إلى الهيئة التقريرية إذا تطلبت نتائج التفاوض مراجعة الموقف المبدئي.
إن هذا الترتيب كان سيعزز وضوح المسؤولية السياسية، ويجعل التفويض أداة لتنفيذ قرار جماعي، لا مجرد وسيلة لتأجيل الحسم في الاختيار بين موقعين سياسيين مختلفين.
ولا يعني ذلك أن التفويض المعتمد غير مشروع تنظيمياً، إذ يظل الحكم على مطابقته للقواعد الداخلية رهيناً بمراجعة النظام الأساسي والنظام الداخلي للحزب. وإنما يتعلق الأمر هنا بتقييم مدى وضوح القرار وديمقراطية مساره، وبالحرص على أن تظل الهيئات التقريرية شريكة فعلية في الاختيارات الكبرى.
فالإجماع على التفويض لا يعني بالضرورة الإجماع على المشاركة، كما أن احترام القيادة لا ينبغي أن يكون بديلاً عن النقاش الديمقراطي حول مستقبل الحزب.
ثانياً: المفارقة السياسية بين معارضة حكومة أخنوش واحتمال المشاركة في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة.
خلال الولاية الحكومية السابقة، اتخذ حزب التقدم والاشتراكية موقع المعارضة، وكان فريقه النيابي بمجلس النواب ينتقد عدداً من الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة التي ترأسها عزيز أخنوش، وشارك فيها التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة.
واليوم، يجد الحزب نفسه أمام احتمال المشاركة في حكومة تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، المنتمية إلى حزب الأصالة والمعاصرة، الذي كان أحد مكونات الأغلبية السابقة.
وهنا يبرز سؤال سياسي مشروع: ما الذي تغير بين الأمس واليوم حتى تصبح المشاركة في حكومة يقودها أحد مكونات الأغلبية السابقة خياراً أكثر فائدة من مواصلة المعارضة؟
لا يتعلق الأمر بافتراض استحالة التحالف مع حزب سبق انتقاده، فالسياسة مجال للمراجعة والتفاوض، وقد تتيح المتغيرات الانتخابية والبرنامجية فرصاً جديدة للتعاون. كما أن الانتقال من المعارضة إلى المشاركة ليس، في حد ذاته، تناقضاً سياسياً.
لكن الانتقال يصبح موضع مساءلة عندما لا يصاحبه تفسير مقنع للتغيير في المواقف، أو عندما لا تظهر تحولات ملموسة في البرامج والسياسات التي سبق للحزب أن انتقدها.
إن تغيير رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية. والعبرة ليست فقط بهوية الشخص الذي يتولى رئاسة الجهاز التنفيذي، بل بطبيعة البرنامج الذي ستعتمده الحكومة، وبمدى استعدادها لتصحيح الاختلالات السابقة، وبقدرة الشركاء الجدد على التأثير في القرارات.
لذلك، فإن مشاركة حزب التقدم والاشتراكية لا ينبغي أن تكون مكافأة على تجاوب سياسي خلال المشاورات، بل نتيجة لتفاوض يفضي إلى التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ.
ثالثاً: هل يكفي التقارب المعلن بنسبة 90% بين البرامج لتبرير المشاركة؟
أُثير خلال النقاش الداخلي، وفق المعطيات المتداولة حول أشغال اللجنة المركزية، وجود تقارب يناهز 90 في المائة بين برنامج حزب التقدم والاشتراكية والبرنامج الحكومي المرتقب.
وحتى إذا اعتُبرت هذه النسبة تقديراً سياسياً يعكس رأي بعض المتدخلين، فإنها لا تكفي وحدها للحسم في قرار المشاركة.
فالتقارب بين البرامج لا يقاس بعدد الشعارات المشتركة، بل بمدى الاتفاق على الأولويات والوسائل والموارد والجدول الزمني للتنفيذ.
قد تتفق الأحزاب على محاربة الفساد، وتحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل للشباب، وتعزيز الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. لكن الخلاف قد يظهر عند تحديد كيفية تحقيق هذه الأهداف، والموارد التي ستخصص لها، والجهات التي ستتحمل مسؤولية تنفيذها، ومدى استعداد الحكومة لتحويلها إلى سياسات ملزمة.
ومن هنا، تبرز ضرورة أن يقدم الحزب تقييماً مقارناً واضحاً بين برنامجه والبرنامج الحكومي المرتقب، يحدد فيه:
● نقاط الاتفاق والاختلاف الجوهرية.
● الالتزامات الحكومية التي تم الحصول عليها بصورة واضحة.
● المطالب التي ما زالت موضوع تفاوض.
● الآليات والآجال والمؤشرات التي ستسمح بتقييم التنفيذ.
● الضمانات التي تحول دون تراجع الأغلبية عن الالتزامات المتفق عليها.
فالمواطن الذي يعاني من غلاء المعيشة لا ينتظر معرفة نسبة التقارب بين البرامج، بقدر ما ينتظر تحسناً فعلياً في قدرته الشرائية. والشاب الباحث عن عمل لا تعنيه هوية الحزب الذي يشغل حقيبة وزارية بقدر ما تعنيه فرص الشغل التي ستتاح له. والمواطن الذي يطالب بخدمات صحية وتعليمية أفضل ينتظر إصلاحاً ملموساً لا مجرد وعود جديدة.
وعليه، فإن التقارب البرنامجي قد يكون مدخلاً للمشاركة، لكنه لا يمثل ضمانة كافية لنجاحها.
رابعاً: الخطاب الملكي يرفع سقف المسؤولية أمام الحكومة والبرلمان والأحزاب.
يمنح الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس يوم 9 أكتوبر 2026 هذا النقاش بعداً وطنياً إضافياً، بالنظر إلى ما أكده من أولويات مرتبطة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والعدالة المجالية، وتشغيل الشباب، وتحسين أداء المرافق العمومية، وتسريع الإصلاحات ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين.
فالمرحلة المقبلة لا تحتمل الاكتفاء بتبادل الوعود أو الاحتفاء بالتفاهمات السياسية، وإنما تستدعي الانتقال إلى التنفيذ والتقييم والمحاسبة.
ومن هذا المنطلق، فإن التوجيهات الملكية لا تشكل دعوة آلية إلى المشاركة في الحكومة، كما لا تعني أن المعارضة فقدت مبررات وجودها. إنها تحدد، بالأحرى، طبيعة التحديات الوطنية التي يتعين على الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية التعامل معها، كل من موقعه الدستوري والسياسي.
فالحكومة مسؤولة عن تنفيذ السياسات العمومية، والبرلمان مسؤول عن التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييمه، والأحزاب مطالبة بتقديم البرامج والبدائل والدفاع عن المصالح المشروعة للمواطنين.
وبالنسبة إلى حزب التقدم والاشتراكية، فإن السؤال ينبغي أن يكون: أي موقع يسمح لنا بالإسهام بصورة أكثر فعالية في تنزيل الأولويات الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية؟
إذا كانت المشاركة ستمنح الحزب قدرة حقيقية على التأثير في السياسات العمومية، أمكن الدفاع عنها باعتبارها خياراً عملياً. أما إذا كانت شروط التأثير غير متوفرة، فإن المعارضة البناءة تظل موقعاً دستورياً مشروعاً، يمكن من خلاله مراقبة الحكومة وتقديم البدائل ومساءلة المسؤولين عن التنفيذ.
إن الخطاب الملكي لا يحسم الاختيار الحزبي، ولكنه يجعل مسؤولية تبريره أكبر، لأن المعيار النهائي هو النتائج التي ستنعكس على حياة المواطنين.
خامساً: الشباب والشغل والقدرة الشرائية… الاختبار الحقيقي للمشاركة.
تتقاطع الأولويات الوطنية المتعلقة بالشباب والتشغيل وتكافؤ الفرص وتحسين الخدمات العمومية مع عدد من المطالب التي يدافع عنها حزب التقدم والاشتراكية.
لكن هذا التقاطع لا يكتسب قيمة سياسية حقيقية إلا إذا تُرجم إلى إجراءات محددة، وموارد مالية كافية، وآجال زمنية معلنة، ومؤشرات قابلة للتقييم.
ويمكن للحزب، إذا اختار المشاركة، أن يدافع عن التزامات واضحة في عدد من المجالات الأساسية:
1. التشغيل والإدماج الاقتصادي للشباب: من خلال برامج واقعية لخلق فرص الشغل، وتحسين التكوين، وربط التعليم بحاجيات الاقتصاد، وتوسيع فرص الإدماج المهني.
2. القدرة الشرائية ومحاربة الغلاء: عبر سياسات تحمي الفئات محدودة ومتوسطة الدخل، وتدعم المنافسة المشروعة، وتعزز مراقبة الأسواق، وتواجه الممارسات التي تضر بالمستهلكين.
3. الصحة والتعليم: من خلال تقوية الخدمات العمومية، وتحسين ظروف عمل المهنيين، وتوسيع الولوج العادل إلى العلاج والتعليم الجيد.
4. العدالة الاجتماعية والمجالية: عبر توجيه الاستثمارات إلى المجالات الأقل استفادة من التنمية، وتقليص الفوارق بين الجهات، وتحسين البنيات الأساسية والخدمات المحلية.
5. الحكامة ومحاربة الفساد وتضارب المصالح: من خلال تقوية آليات الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولا يكفي أن يتبنى الحزب هذه العناوين في برنامجه أو يحصل على موافقة عامة بشأنها؛ بل ينبغي أن يعرف مسبقاً ما الذي يمكنه تحقيقه، وما الوسائل المتاحة لذلك، وما الضمانات التي يمتلكها لتنفيذ التزاماته.
فالمشاركة الحكومية الناجحة ليست تلك التي تمنح الحزب حضوراً داخل السلطة فحسب، بل تلك التي تمكنه من إحداث تغيير يمكن للمواطنين ملاحظته وتقييمه.
سادساً: العدالة المجالية والجهوية المتقدمة… من الخطاب إلى الممارسة.
تطرح التنمية الجهوية والعدالة المجالية بدورهما اختباراً مهماً أمام الحكومة المقبلة. فالتنمية لا يمكن أن تظل محصورة في بعض المراكز الاقتصادية، بينما تستمر مجالات أخرى في مواجهة صعوبات تتعلق بالتشغيل والاستثمار والنقل والصحة والتعليم.
ومن شأن حزب التقدم والاشتراكية أن يجعل هذا الملف محوراً أساسياً في أي تفاوض حكومي، من خلال المطالبة بتوزيع أكثر إنصافاً للاستثمارات والموارد، وتسريع تنزيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، وتقوية صلاحيات المؤسسات الترابية وقدراتها على الاستجابة لحاجيات المواطنين.
غير أن هذه المطالب لا تستلزم المشاركة بالضرورة؛ إذ يمكن للحزب أن يدافع عنها من داخل البرلمان، عبر المبادرات التشريعية والأسئلة الرقابية ومقترحات السياسات العمومية.
أما إذا اختار المشاركة، فينبغي أن يوضح كيف سيسهم في تحويل هذه التوجهات إلى برامج عملية، وكيف سيضمن عدم بقائها رهينة التصريحات العامة أو الالتزامات المؤجلة.
سابعاً: ما الذي يمكن أن يربحه الحزب من المشاركة؟
لا ينبغي رفض المشاركة لمجرد أن الحكومة المرتقبة ستقودها شخصية تنتمي إلى حزب كان جزءاً من الأغلبية السابقة. فالمشاركة قد تحقق مكاسب حقيقية إذا استندت إلى شروط واضحة، وكان للحزب تأثير فعلي في القرارات.
ومن أبرز المكاسب المحتملة:
1 : التأثير المباشر في السياسات العمومية. إذ يمكن للحزب أن يسهم في صياغة القرارات المتعلقة بالتشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، وأن يدافع عن أولوياته من داخل الجهاز التنفيذي.
2 : ترجمة برنامجه إلى إجراءات عملية. فقد تتيح المشاركة تحويل بعض المطالب الاجتماعية والاقتصادية إلى تدابير حكومية، إذا توفرت الإرادة السياسية والموارد اللازمة.
3 : استعادة الثقة في العمل الحزبي والمؤسساتي. إذ يمكن للمشاركة الناجحة أن تثبت للمواطنين أن الأحزاب قادرة على تحويل البرامج إلى نتائج ملموسة، بدلاً من الاكتفاء بالخطاب الانتخابي.
غير أن هذه المكاسب تظل احتمالات مشروطة، وليست نتائج مضمونة بمجرد دخول الحكومة. فقيمة المشاركة تتوقف على طبيعة الالتزامات، ومدى تأثير الحزب في تنفيذها، وقدرته على الدفاع عن استقلالية قراره.
ثامناً: ما الذي قد يخسره الحزب إذا شارك دون ضمانات؟
في المقابل، قد تترتب عن المشاركة غير المشروطة مخاطر سياسية وتنظيمية لا يجوز التقليل من شأنها.
أول هذه المخاطر هو فقدان التمايز السياسي، إذا وجد الحزب نفسه يدافع عن اختيارات حكومية لا تختلف جوهرياً عن تلك التي سبق أن انتقدها.
وثانيها التناقض بين الخطاب والممارسة، لأن الحزب الذي ينتقل إلى الحكومة يصبح مسؤولاً، سياسياً، عن الحصيلة التي يساهم في صنعها، ولا يعود بإمكانه الاكتفاء بتوجيه الانتقادات من الخارج.
وثالثها احتمال إضعاف استقلالية القرار الحزبي، إذا لم تتوفر له قدرة حقيقية على التأثير في السياسات، واضطر إلى الدفاع عن قرارات لا تنسجم مع برنامجه أو مرجعيته.
أما الخطر الرابع، فيتعلق بإمكانية تعميق الخلافات الداخلية، إذا انتهت المشاورات إلى المشاركة دون نقاش كافٍ حول مبرراتها وشروطها وآثارها على مستقبل الحزب.
إن الحصول على حقائب وزارية قد يمنح الحزب حضوراً مؤسساتياً، لكنه لا يضمن له بالضرورة قوة سياسية أكبر أو مصداقية أوسع لدى الناخبين.
تاسعاً: هل تكون المعارضة البناءة خياراً أكثر فائدة؟
إن المعارضة ليست فشلاً سياسياً، كما أن المشاركة ليست نجاحاً في حد ذاتها. فكلاهما موقع سياسي يمكن أن يكون مفيداً أو غير مفيد بحسب طريقة ممارسته، والنتائج التي يحققها، ومدى ارتباطه بحاجيات المواطنين.
وقد تكون المعارضة البناءة أكثر فائدة لحزب التقدم والاشتراكية إذا تبين أن المشاركة لن تتيح له التأثير الكافي في القرارات الحكومية.
فهي تمكنه من الحفاظ على استقلالية خطابه، ومراقبة تنفيذ السياسات العمومية، وتقديم بدائل تشريعية، والدفاع عن الفئات الشعبية والعمال والموظفين والشباب، دون تحمل مسؤولية قرارات لا يملك التأثير فيها.
لكن نجاح المعارضة يتطلب بدوره عملاً برلمانياً جاداً، ومبادرات تشريعية ورقابية، وحضوراً ميدانياً منتظماً، وتنظيماً حزبياً فعالاً، وتواصلاً مستمراً مع المواطنين.
لذلك، فإن المفاضلة الحقيقية ليست بين المشاركة والمعارضة في حد ذاتهما، بل بين مشاركة مؤثرة ذات ضمانات واضحة، ومعارضة مستقلة قادرة على تقديم البديل.
عاشراً: ما الذي كان ينبغي أن تحسم فيه اللجنة المركزية؟
في ضوء هذه المعطيات، كان بإمكان اللجنة المركزية أن تجعل من دورتها الاستثنائية محطة للحسم السياسي، لا مجرد محطة لتفويض القيادة مواصلة المشاورات.
وكان من الممكن أن تطرح ثلاثة أسئلة مترابطة:
1. هل ترى اللجنة المركزية أن المشاركة في الحكومة المقبلة، بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، خيار سياسي مبرر بالنظر إلى نتائج الانتخابات والتحولات البرنامجية التي أفرزتها المشاورات؟
2. إذا كان الجواب بالإيجاب، فما الشروط السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي لا يمكن التنازل عنها؟
3. إذا لم تتحقق تلك الشروط، فهل يكون الاصطفاف في المعارضة هو الخيار المعتمد، مع تكليف الفريق النيابي والهيئات الحزبية بإعداد برنامج واضح للرقابة والاقتراح؟
وبعد ذلك، كان يمكن تفويض المكتب السياسي مواصلة التفاوض في حدود هذه الشروط، مع تحديد الحالات التي تستوجب العودة إلى اللجنة المركزية.
إن مثل هذا المسار من شأنه أن يعزز الديمقراطية الداخلية، ويوضح المسؤوليات، ويمنح القرار النهائي شرعية سياسية وتنظيمية أوسع.
كما أنه ينسجم مع المبدأ الذي يجعل الانتداب النيابي التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه المواطنين، لأن ممثليهم مطالبون بالوضوح في مواقفهم، والوفاء لوعودهم، وتحمل المسؤولية عن اختياراتهم.
خاتمة: المعيار هو ما سيحققه الحزب للمواطنين.
يقف حزب التقدم والاشتراكية أمام اختبار سياسي يتجاوز مسألة المشاركة في الحكومة أو البقاء في المعارضة. إنه اختبار لقدرته على التوفيق بين الواقعية السياسية والوفاء لمرجعيته التقدمية، وبين الرغبة في التأثير في القرار العمومي والحفاظ على استقلالية مواقفه.
إن الخطاب الملكي يضع الحكومة والبرلمان والأحزاب أمام مسؤولية الانتقال من الوعود إلى النتائج، لكنه لا يفرض على أي حزب اختياراً مسبقاً بشأن موقعه الحكومي.
ومن ثم، فإن المشاركة قد تكون خياراً مفيداً إذا أتاحت للحزب تنفيذ جزء جوهري من برنامجه، وامتلك داخل الحكومة صلاحيات حقيقية، وحصل على التزامات واضحة وقابلة للتقييم والمحاسبة.
أما إذا كانت المشاركة ستقتصر على الحضور العددي أو الرمزي داخل أغلبية لا يملك التأثير الكافي في توجهاتها، فإن المعارضة البناءة قد تكون أكثر انسجاماً مع تاريخه ومواقفه، وأكثر فائدة لمستقبله السياسي.
إن حزب التقدم والاشتراكية مطالب اليوم بأن يجيب بوضوح عن سؤال جوهري: ما الذي يستطيع تغييره فعلياً لمصلحة المواطنين إذا شارك في الحكومة، وما الذي يستطيع تحقيقه إذا بقي في المعارضة؟
فالمواطنون لا ينتظرون من الأحزاب أن تتنافس على المواقع الحكومية بقدر ما ينتظرون منها أن تتنافس على تقديم الحلول وتحسين ظروف العيش وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.
إن التفويض يمنح القيادة صلاحية التفاوض، لكنه لا يعفيها من المحاسبة السياسية. والإجماع على التفويض لا يعني الإجماع على المشاركة. والخطاب الملكي يرفع سقف المسؤولية، لكنه لا يحسم الاختيار الحزبي نيابة عن الهيئات التقريرية.
وفي نهاية المطاف، لن يقاس نجاح حزب التقدم والاشتراكية بعدد الحقائب الوزارية التي قد يحصل عليها، ولا بمجرد بقائه في المعارضة، بل بمقدار ما يسهم به في خدمة المواطنين، وبمدى وفائه لالتزاماته السياسية والاجتماعية، وبقدرته على ممارسة الديمقراطية داخل تنظيمه كما يدافع عنها في مؤسسات الدولة.
فالمشاركة ليست غاية في ذاتها، والمعارضة ليست غاية في ذاتها؛ الغاية هي أن يكون الحزب قوة سياسية فاعلة في تحقيق الإصلاح والتنمية والعدالة الاجتماعية، دون التفريط في استقلالية قراره أو في ثقة المواطنين.
