الزمن المُعسِر لا الزمن المُيسَّر!!
محمد هنشيش:
من المفارقات التي يصعب استيعابها أن تقدم مؤسسات جامعية عمومية على إلزام الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم الجامعية بأداء رسوم مالية، ولا سيما في سلك الدكتوراه، الذي يفترض أن يقوم أساسا على البحث العلمي والتأطير الأكاديمي، في وقت لا تتجاوز فيه التكوينات المنظمة، في بعض الحالات، لقاء واحدا طيلة السنة الجامعية.
والمثير للاستغراب أن فرض هذه الرسوم يبرر، بحسب الوزارة الوصية، بالحاجة إلى تشجيع البحث العلمي وتجهيز المختبرات الجامعية. وهنا تطرح أسئلة مشروعة. منذ متى أصبح تمويل البحث العلمي مسؤولية يتحملها الموظفون والأجراء من أجورهم؟ وأين موقع الدولة من تمويل الجامعة العمومية؟ وأين تذهب الأموال العمومية المخصصة للنهوض بالتعليم العالي والبحث العلمي؟
أليس من الأجدر إعادة النظر في أولويات الإنفاق العمومي، وتوجيه جزء من المليارات التي تصرف على مشاريع وبرامج لا يظهر أثرها الفعلي بالقدر المأمول، نحو تأهيل المختبرات الجامعية، ودعم مشاريع البحث، وتحسين ظروف اشتغال الباحثين، وتعويض الأساتذة المشرفين عن جهودهم العلمية والتأطيرية؟
قد يكون فرض الرسوم الدراسية في الجامعات الخاصة مفهوما بالنظر إلى طبيعتها ونموذج تمويلها، لكن أن تتجه الجامعة العمومية نحو تحميل الموظف الراغب في تطوير مؤهلاته العلمية أعباء مالية إضافية، فذلك يثير إشكالات عميقة تتعلق بمبدأ تكافؤ الفرص، والعدالة التعليمية، والوظيفة الاجتماعية والمعرفية للجامعة العمومية.
والأكثر إثارة للاستغراب هو ما صرح به وزير التعليم العالي، عز الدين الميداوي، خلال إحدى جلسات البرلمان، بشأن الطابع الاختياري لنظام الزمن الميسر، باعتباره صيغة تستجيب لحاجات فئة من الموظفين الراغبين في متابعة دراستهم وفق توقيت يتلاءم مع التزاماتهم المهنية. غير أن الممارسات المسجلة في عدد من المؤسسات الجامعية تطرح صورة مغايرة، إذ يجد الموظفون والأجراء أنفسهم أمام هذا النظام باعتباره المسار الوحيد المتاح لهم، دون إمكانية فعلية للاختيار. فأي اختيار هذا الذي لا يترك للمعنيين به بديلا؟ وكيف يكون الزمن الميسر اختياريا في التصريحات الرسمية، وإجباريا في الممارسة الجامعية؟
إن تشجيع البحث العلمي لا يكون بفرض مزيد من الأعباء المالية على الباحثين، ولا بتحويل الرغبة في التحصيل العلمي إلى مصدر إضافي لتمويل المؤسسات الجامعية، وإنما بوضع سياسة عمومية واضحة تجعل البحث العلمي أولوية وطنية، وتضمن له التمويل الكافي والبنيات الملائمة والتأطير الجاد. فالجامعة العمومية ليست مجرد مؤسسة لتقديم خدمات تعليمية بمقابل مالي، بل هي مرفق عمومي يفترض أن يسهم في إنتاج المعرفة، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وتوسيع فرص الارتقاء العلمي والمعرفي.
إننا أمام مفارقة تستحق نقاشا عموميا جادا. كيف نطالب بتطوير البحث العلمي، وفي الوقت نفسه نضع عراقيل مالية أمام فئة من الراغبين في الإسهام فيه؟ إنه بالفعل زمن معسر لا زمن ميسر، حين يصبح الطموح العلمي عبئا ماليا، وتغدو متابعة الدراسة الجامعية امتيازا تحدده القدرة على الدفع، بدل أن تكون فرصة متاحة على أساس الاستحقاق العلمي وتكافؤ الفرص. فالبحث العلمي لا يشجع بإثقال كاهل الباحث، والجامعة العمومية لا تنهض حين يتحول الحق في المعرفة إلى فاتورة مالية.
