عودة حزب التقدم والاشتراكية إلى الحكومة: استعادة ثقة أم استمرار حضوره في السلطة؟
بقلم، محمد خوخشاني.
إن السؤال الذي تطرحه عودة حزب التقدم والاشتراكية إلى المشاركة الحكومية في عهد فاطمة الزهراء المنصوري يتجاوز مجرد تسجيل عودة أسماء حزبية سبق لها أن تحملت مسؤوليات وزارية. إنه سؤال سياسي يتعلق بطبيعة الحزب، ومدى احتفاظه بهويته التقدمية والاشتراكية، وحجم الثقة الشعبية التي ما زال يحظى بها، والفرق بين الاستمرار في المشاركة في تدبير الشأن العام والقدرة على تجديد المشروع السياسي واستقطاب المواطنات والمواطنين.
فحين يعود نبيل بنعبد الله إلى التجربة الحكومية بعد مشاركاته السابقة، وتلتحق به الرفيقة شرفات اليدري أفيلال التي سبق لها تحمل مسؤولية وزارية مرتبطة بقطاع الماء، ثم يأتي الدور على رشيد الحموني، فإن من حق الرأي العام أن يتساءل: هل نحن أمام حزب يجدد حضوره السياسي بفضل قوة مشروعه وبرنامجه، أم أمام تنظيم استطاع الحفاظ على موقعه في دوائر القرار رغم تراجع إشعاعه الانتخابي وتآكل جزء من رصيده الشعبي؟
فالمشاركة الحكومية ليست، في حد ذاتها، دليلاً على استعادة الثقة الشعبية؛ كما أن الاستمرار خارج الحكومة ليس بالضرورة دليلاً على الفشل. المعيار الحقيقي هو ما يقدمه الحزب للمواطنين، وما يحققه من نتائج، ومدى وفائه للمرجعيات التي تأسس عليها.
من جطو إلى المنصوري: مسار طويل من المشاركة الحكومية.
ليس الأمر وليد اليوم. فقد شارك حزب التقدم والاشتراكية في تجارب حكومية متعاقبة منذ حكومة التناوب بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، مروراً بحكومة إدريس جطو، ثم حكومتي عباس الفاسي وعبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني. وبعد غيابه عن حكومتي عزيز أخنوش، يعود الحزب اليوم إلى الأغلبية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري. وهذا المسار تؤكده أيضاً الوثيقة السياسية التي أعدها الحزب لمؤتمره العاشر، والتي تناولت حصيلة عقدين من المشاركة الحكومية.
غير أن العودة الحالية ليست عودة بعد غياب طويل، بل تأتي بعد فترة معارضة قصيرة نسبياً. فالحزب انسحب من حكومة سعد الدين العثماني في أكتوبر 2019، بعد عشرين سنة من المشاركة الحكومية المتواصلة. وقد صادقت اللجنة المركزية للحزب على قرار الانسحاب بأغلبية ساحقة (235 صوتاً من أصل 275)، على خلفية ما وصفه المكتب السياسي بـ«الوضع غير السوي» للأغلبية الحكومية آنذاك، والصراع بين مكوناتها، وهدر الزمن السياسي في أفق انتخابات 2021. هذا التفصيل مهم، لأنه يظهر أن العودة الحالية تأتي بعد فترة معارضة لم تتجاوز سبع سنوات، مما يعزز فرضية «استمرار الحضور في السلطة» التي يطرحها هذا المقال.
الأرقام الانتخابية: حجم حقيقي محدود.
قبل الحديث عن طبيعة العودة، لا بد من استحضار الحجم الانتخابي الفعلي للحزب. في الانتخابات التشريعية ليوم 23 سبتمبر 2026، لم يحصل حزب التقدم والاشتراكية إلا على 19 مقعداً من أصل 395 مقعداً في مجلس النواب، مقابل 22 مقعداً في انتخابات 2021، أي خسارة ثلاثة مقاعد. وهذا النتيجة، التي أكدتها رسمياً وزارة الداخلية، تضع الحزب في المرتبة السابعة، بعيداً خلف حزب الأصالة والمعاصرة (97 مقعداً)، والتجمع الوطني للأحرار (66 مقعداً)، وحزب الاستقلال (65 مقعداً). والأكثر دلالة أن الحزب، بـ19 مقعداً، لم يبلغ عتبة 20 مقعداً المطلوبة لتشكيل فريق برلماني مستقل؛ فقد اضطر إلى التحالف مع جبهة القوى الديمقراطية (مقعدان) والحزب الديمقراطي الجديد (مقعد واحد)، مع ضم ثلاث برلمانيات، لتشكيل فريق مشترك من 22 عضواً. وقد وصف الأمين العام للحزب نفسه هذه النتيجة بأنها «مخيبة للآمال»، عازياً جزءاً من هذا التراجع إلى ضعف نسبة المشاركة.
وتوضح هذه المعطيات الحجم البرلماني الحقيقي للحزب. ففي الأغلبية الحكومية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، التي تضم حوالي 207 مقاعد، لا يمثل الحزب سوى جزء محدود. ومن ثم فإن حضوره في الحكومة محكوم بمنطق التحالفات أكثر من كونه انعكاساً لقوة انتخابية. فالحزب ليس رقماً حاسماً لا يمكن تجاوزه، بل هو شريك مقبول في تركيبة سياسية تتطلب أغلبية مريحة.
مبررات العودة الرسمية: خطاب متجدد أم تكرار؟
في 12 أكتوبر 2026، أعلن المكتب السياسي للحزب رسمياً قرار المشاركة في حكومة المنصوري. وقد جاء القرار، حسب البلاغ الرسمي، «ارتكازاً على تفويض من اللجنة المركزية»، واعتباراً لأن المشاركة «تمثل الاختيار الأفضل في السياق الحالي والظروف الراهنة». وأوضح البلاغ أن هذا التوجه استند إلى «الجو العام الإيجابي» الذي ساد المفاوضات مع رئيسة الحكومة، و«التقارب الكبير في وجهات النظر والتوجهات الأساسية»، إضافة إلى طبيعة التركيبة السياسية المطروحة والتوجهات المرتقبة في البرنامج الحكومي وميثاق الأغلبية.
وحدد الحزب أهدافه من المشاركة في «توطيد المسار الديمقراطي، وصون الحريات والحقوق، وتخليق الحياة العامة، وتمتين العدالة الاجتماعية والمجالية، والارتقاء بقدرات الاقتصاد الوطني». كما أكد عزمه على أن تكون مشاركته «فعالة وناجعة ومقدامة ومسؤولة»، تجسد «قيمة مضافة حقيقية» للإصلاح.
هذه المبررات، في ظاهرها، تبدو متجددة. لكن مقارنتها بخطاب الانسحاب سنة 2019 تثير أكثر من سؤال. فحينها أيضاً تحدث الحزب عن «الحاجة إلى نفس ديمقراطي جديد»، وعن «العجز الحكومي في التفاعل الإيجابي مع المطالب الاجتماعية». السؤال إذن: ما الذي تغير فعلاً ليصبح الحزب مقتنعاً بأن المشاركة هذه المرة ستؤدي إلى نتائج مختلفة؟
التناقض بين خطاب المعارضة وقرار المشاركة.
أحد أكثر الجوانب إحراجاً في هذه العودة هو التناقض الصارخ بين خطاب الحزب في فترة المعارضة وقرار الانضمام إلى الحكومة. فقبل أشهر قليلة من قرار المشاركة، كان الحزب يوجه انتقادات حادة لحكومة عزيز أخنوش. في أبريل 2026، صرح نبيل بنعبد الله بأن الحكومة «لم تحترم التزاماتها» و«أثبتت أنها غارقة في علاقات مشبوهة مع أوساط مالية واقتصادية». وفي يونيو 2026، انتقد الحزب «استمرار ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية والخدماتية»، وحمّل الحكومة مسؤولية «تفاقم الغلاء وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين». بل إن الحزب أعلن دعمه لملتمس رقابة برلماني يهدف إلى إسقاط حكومة أخنوش، متحدثاً عن «الأوجه المتعددة للفشل الحكومي» و«خطاب الاستعلاء والرضى المفرط عن الذات».
ثم جاء قرار المشاركة في حكومة تقودها فاطمة الزهراء المنصوري من حزب الأصالة والمعاصرة، الذي كان شريكاً أساسياً في حكومة أخنوش التي انتقدها الحزب بشدة. كيف يوفق الحزب بين هذا الخطاب النقدي الحاد وبين قرار الانضمام إلى أغلبية تضم نفس المكونات التي كان ينتقدها؟ هذا التناقض يستحق التحليل في سياق الحديث عن «المصداقية».
طبيعة الحقائب الوزارية: حضور أم تأثير؟
في التشكيلة الحكومية التي أُعلنت في 16 أكتوبر 2026، حصل حزب التقدم والاشتراكية على ثلاث حقائب وزارية: نبيل بنعبد الله وزيراً للتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، وشرفات أفيلال وزيرة للطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، ورشيد حموني وزيراً منتدباً لدى وزيرة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة مكلفاً بالإدماج الاجتماعي.
هذه الحقائب، وإن كانت ذات طابع اجتماعي وقطاعي مهم (التعليم، الطاقة، الإدماج الاجتماعي)، فإنها لا تمثل وزناً سيادياً أو اقتصادياً حاسماً. فقد ظلت الوزارات السيادية في يد تشكيلات أخرى: وزارة الداخلية جُددت لعبد الوافي لفتيت، وزارة الخارجية لناصر بوريطة، ووزارة الاقتصاد والمالية لفوزي لقجع. وحصة الحزب من الحقائب (3 من أصل 32) تعكس حجمه الانتخابي المحدود، وليس قدرة تفاوضية استثنائية. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ستمنح هذه الحقائب الحزب قدرة فعلية على التأثير في السياسات العمومية، أم أنها مجرد «حضور شكلي» في حكومة يقودها حزب أكبر بفارق كبير؟
هل تعني المشاركة المتكررة أن الحزب لا غنى عنه؟
وجود الحزب داخل هذه الأغلبية لا يعني أنه أصبح رقماً حاسماً لا يمكن تجاوزه، كما لا يعني أن اختياراته الحكومية تحظى تلقائياً بتأييد قاعدته الانتخابية أو جميع المواطنين الذين يتقاسمون معه بعض المرجعيات التقدمية.
بل إن السؤال الأكثر إحراجاً لقيادته هو: ماذا سيستفيد المواطن من عودة الحزب إلى الحكومة؟ وهل ستنعكس مشاركته على التعليم والصحة والشغل والعدالة الاجتماعية، أم ستظل المشاركة عنواناً لاستمرارية النخب نفسها في مواقع المسؤولية؟
يُضاف إلى ذلك أن الحزب لم يقم، حسب المتاح من وثائقه، بمراجعة نقدية جذرية لتجربته الحكومية السابقة. فالمؤتمر العاشر (2018) عبّر عن «تقييم إيجابي» لحصيلة وزرائه، معتبراً أنهم أدوا مهامهم «بحرص شديد على الامتثال لما تستلزمه المصالح العليا للوطن». هذا التقييم الذاتي الإيجابي، في مقابل الانسحاب المفاجئ بعد سنة واحدة فقط، يثير شكوكاً حول عمق النقد الذاتي داخل الحزب.
الخلاصة: العودة إلى الحكومة ليست نهاية الاختبار.
إن عودة نبيل بنعبد الله ورفاقه إلى الحكومة قد تُقرأ باعتبارها نجاحاً تفاوضياً للقيادة، لكنها تظل اختباراً سياسياً لمصداقية الحزب وقدرته على تجديد مشروعه.
فإذا استطاع الحزب أن يجعل من مشاركته مناسبة للدفاع عن الفئات الشعبية، وتحسين الخدمات العمومية، وتوسيع الديمقراطية الداخلية، واستعادة الثقة في العمل السياسي، أمكنه تحويل الحضور الحكومي إلى رصيد سياسي حقيقي.
أما إذا اختُزلت العودة في تجديد الوجوه المألوفة وتوزيع الحقائب واستمرار القيادة نفسها في تدبير الحزب، فإن المشاركة قد تزيد المسافة بين التنظيم والمواطنين، حتى لو حافظ الحزب على موقعه داخل الأغلبية.
والسؤال الذي يستحق أن يُطرح على نبيل بنعبد الله ورفاقه ليس: كيف عدتم إلى الحكومة؟ بل: ماذا ستقدمون للمغاربة هذه المرة، ولماذا ينبغي لهم أن يثقوا فيكم من جديد؟
فالأحزاب لا تقاس بعدد المرات التي تدخل فيها الحكومة، بل بما تغيره في حياة المواطنين، وبمدى وفائها لمبادئها، وبقدرتها على إقناع الناخبين بأن وجودها في السلطة يخدم المجتمع، لا مجرد استمرارها هي في السلطة.
