【 حين ترحل الأجساد وتبقى سيرة المحبة والكرامة 】
للبدء مقام : ليست كل الذكريات استعادة للماضي
المختار عنقا الادريسي
طنجة في 16 أكتوبر 2026
تحلّ اليوم الذكرى الثانية لرحيل الحاجة الصافية بنت سي علي الحسني الورطاسي، والدة رفيقة دربي ، وزوجة المقاوم والمناضل سي أحمد بن البشير الطاهري الورطاسي ، أحد رجالات المقاومة والكفاح الوطني ؛ الذي لم يتردد في مواجهة المستعمر الفرنسي . وأم المربي والنقابي الصلب والمناضل السياسي المتزن الذي ظل طوال حياته صوتا للعقل والحكمة والمشهود له بنظافة اليد ؛ سي محمد الطاهري ، رحمهم الله جميعاً. ومع حلول هذه الذكرى ، لا أجدني أمام مناسبة عابرة لاستعادة صورة امرأة رحلت عن دنيانا ، ولا أمام واجب اجتماعي تفرضه صلة المصاهرة وحدها ، وإنما أمام تجربة إنسانية تستحق التأمل ،وسيرة تستحق الوفاء ، وذاكرة عائلية وتاريخية جديرة بأن تُصان من النسيان .فثمة أشخاص يغادرون الحياة، لكنهم لا يغادرون الأمكنة التي احتضنتهم ، ولا القلوب التي أحبتهم ، ولا التفاصيل الصغيرة التي جعلوا منها معنى للحياة. يرحلون بأجسادهم ، غير أن حضورهم يستمر في طريقة تعاملنا مع كل الآخرين ، وفي القيم التي يتركونها وراءهم وفي تلك اللحظات التي نستعيد فيها مواقفهم(ن) فنكتشف أن بعض ما تعلمناه من الحياة لم نتلقه في أي مدرسة ، وإنما تعلمناه على أيدي أناس جعلوا من سلوكهم اليومي دروساً في الإنسانية . لقد كانت الحاجة الصافية، في ما عرفناه عنها وعشناه معها ،من هذا الصنف من النساء اللواتي لا تختزل سيرتهن في الأسماء والأنساب ، ولا في الأدوار العائلية والاجتماعية ، بل تتجلى قيمتهن الحقيقية في الأثر الذي يتركنه في النفوس .
أولا : شرف الانتماء ومسؤولية الإرث
تنتمي الحاجة الصافية بنت سي علي الحسني الورطاسي إلى أسرة عريقة شريفة ، فهي ابنة رجل معروف برجاحة العقل وسخاء اليد ؛ وهو الذي جمع بين المكانة الاجتماعية الرفيعة والغيرة الوطنية الصادقة ، ومن بينها اخوتها العلامة سيدي قدور الورطاسي الحسني ، وهو أحد منارات المغرب الشرقي . وبذلك تكون قد نهلت من هذا الانتماء العائلي والثقافي المتميز . ومع ذلك نقول بأن استحضار الأنساب مهما كانت عراقتها ، لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في ذاته ؛ فالنسب يمنح الإنسان امتداداً في الذاكرة، أما السلوك فيمنحه مكانته في الوجدان . ولعل ما يجعل استحضار الحاجة الصافية جديراً بالتأمل هو أن انتماءها العائلي لم يكن منفصلاً عن القيم التي جسدتها في حياتها ؛ حيث : الصفاء … الحكمة … الكرم … حسن المعاملة … القدرة
على احتضان الآخرين من غير تمييز بين من تجمعها بهم روابط الدم ومن تجمعها بهم روابط المحبة أو المصاهرة . وهنا تتبدى إحدى الدلالات العميقة للسيرة الإنسانية : فليست العراقة مجرد حكاية عن الماضي ، وإنما هي مسؤولية أخلاقية في الحاضر . كما أن قيمة الأسرة لا تنحصر فيما تحتفظ به من أسماء وأمجاد فحسب ، بل هي كذلك فيما تورثه من سلوك ، وما تغرسه في أبنائها وأحفادها من احترام للإنسان ، وصون للكرامة ، وإيمان بأن المحبة لا تُقاس بدرجات القرابة . لقد كانت الحاجة الصافية، كما عرفناها ، شاهدة على أن أصالة الإنسان لا تحتاج دائماً إلى من يتحدث عنها؛ فكثيراً ما تتولى المعاملة الطيبة واليد الكريمة ، والكلمة الحكيمة، مهمة التعريف بصاحبتها .
ثانيا : امرأة في قلب محنة الاعتقال
لا تكتمل قراءة سيرة الحاجة الصافية من دون الوقوف عند جانب بالغ الدلالة من حياتها : فما عانته من ظلم سلطات الاحتلال خلال اعتقال زوجها المقاوم سي أحمد الطاهري ، وما تحملته هي وابنها المرحوم سي محمد من تبعات تلك المحنة والتنكيل .
وعليه فإن الحديث عن المقاومة لا ينبغي أن يقتصر على الرجال الذين حملوا مسؤولية المواجهة المباشرة ، أو الذين تعرضوا للاعتقال والتضييق ، أو الذين ارتبطت أسماؤهم بالمواقف السياسية والوطنية المعلنة . فالمقاومة في أبعادها الإنسانية والاجتماعية ، كانت لها أيضاً جبهات داخل البيوت ، وفي حياة الزوجات والأمهات والأبناء ، حيث تتراكم المخاوف ، ويشتد القلق على المصير، وتتعرض الحياة الأسرية لاختبارات قاسية لا تقل وطأة عن كثير من صور المعاناة الظاهرة . فقد كانت المرأة في مثل هذه الظروف تتحمل نصيبها من المحنة ، حتى حين لا يرد اسمها في محاضر الاعتقال ، أو لا تحضر صورتها في الروايات المتداولة عن النضال الوطني . وكانت مُطَالبَة بأن تحمي تماسك الأسرة …أن تواجه المجهول
… أن تتدبر شؤون الحياة اليومية تحت ضغط الخوف والحرمان والانتظار . ومن هذا المنظور ، فإن استحضار معاناة الحاجة الصافية ليس مجرد إضافة عاطفية إلى تاريخ مقاومة وتضحيات زوجها ؛ إنه تنبيه إلى ضرورة توسيع زاوية النظر إلى ذلك التاريخ ، حتى يشمل الذين تحملوا تبعاته في حياتهم الخاصة ، والذين أدوا أدواراً لا تقل أهمية ، وإن لم تكن دائماً موثقة بالقدر الكافي . وأنا هنا لا أزعم أن كل تفاصيل تلك المحنة قد استقرت في سجل مكتمل ، لكن ما نعرفه من تجربتها يفرض علينا الاعتراف بأن مقاومة الاستعمار لم تكن حدثاً سياسياً معزولاً عن المجتمع ، بل تجربة امتدت آثارها إلى الأسرة ، وأثقلت كاهل النساء ، واختبرت قدرتهن على الصبر والثبات . وهكذا تصبح سيرة الحاجة الصافية نافذة لاستعادة جانب من التاريخ الذي لا تكتبه الوقائع الكبرى وحدها ، بل تكتبه أيضاً الذاكرة العائلية ، وشهادات من عاشوا المحنة ، وتفاصيل الحياة التي كثيراً ما تُترك خارج صفحات التاريخ الرسمي .
ثالثا : حين تكون الأمومة المحبة
لقد كانت الحاجة الصافية أماً لابنها المناضل الاتحادي سي محمد الطاهري، كما كانت زوجة للمناضل والمقاوم سي أحمد الطاهري . لكن الحديث عن أمومتها، في حدود ما عرفناه من معاملتها ، يتجاوز وصفاً اجتماعياً مألوفاً إلى معنى أعمق. لقد كانت والدة لنا جميعا ، أما ثانية بكل ما تحمله الكلمة من دفء المعاني وسمو الكلمات ؛ تحتوينا بمحبتها وتغمرنا بعطفها وتشملنا بكرمها الحاتمي ، تعاملنا نحن أصهارها كما لو كنا أبناءها ، وتمنح أحفادها ذكوراً وإناثاً ، من العناية والحنان ما يجعلهم يشعرون بأنهم محاطون بمحبة لا تضع شروطاً ، ولا تقيم حواجز بين هذا وذاك أو هذه وتلك. وكم نحن في حاجة إلى إعادة التفكير في هذا النوع من الأمومة الذي لا يقف عند حدود الإنجاب ، بل يتجلى في القدرة على الاحتضان ، وفي الاستعداد لتقاسم الدفء الإنساني مع الآخرين ، وفي جعل البيت فضاءً يشعر فيه كل فرد بأنه مقبول ومحترم وله مكانته الخاصة . فالأمومة في أرقى تجلياتها ، ليست امتلاكاً للآخر ، ولا سلطة عليه ، ولا مجرد أداء لواجبات الرعاية ؛ إنها قدرة على منح الأمان ، وبناء الثقة ، وإشعار الإنسان بأنه ليس غريباً في المكان الذي يحل به . ومن هنا نفهم سر الأثر الذي تتركه بعض النساء في محيطهن العائلي.فهن لا يصنعن روابط القرابة، وإنما يوسعن معناها ؛ ولا يكتفين باستقبال أفراد الأسرة ، بل ينجحن في تحويل الاستقبال إلى انتماء ، والضيافة إلى مودة ، والعلاقة الاجتماعية إلى رابطة وجدانية . ولعل من أصدق ما يمكن أن يُقال في حق الحاجة الصافية أنها جمعت بين الأصالة والعطاء ، بين النضال والاستماتة بين الحنان المجبول على الايمان والكرم الذي لا يعرف للرياء الجماعي طريقا .هذا بالإضافة الى أن محبتها لم تكن محصورة في دائرة ضيقة ، بل كانت تتسع لتشمل من دخلوا أسرتها من بوابة الصداقة أو بالمصاهرة أو من جاؤوا بعدها من الأحفاد ، من دون تمييز بين الذكور والإناث. إنها فضيلة قد تبدو بسيطة في ظاهرها ، لكنها في حقيقتها بناء يومي للإنسان والعائلة ، ومقاومة هادئة لكل ما يمكن أن يجعل القرابة حدوداً تفصل بين الناس بدل أن تكون جسراً يجمعهم .
رابعا : حكمة المرأة التي لا تحتاج إلىضجيج
فحين نصف امرأة بأنها حكيمة ، فإننا لا نعني بالضرورة أنها كانت كثيرة الكلام ، أو أنها اعتادت إطلاق المواعظ والنصائح . فقد تكون الحكمة في أصدق صورها كامنة في حسن التصرف ، وفي معرفة متى نتكلم ومتى نصمت ، وكيف تحتوي الخلاف من غير أن تجرح ، وكيف تمنح الآخرين حقهم في الاحترام حتى حين تختلف معهم.لقد كانت الحاجة الصافية كما عرفناها ، امرأة حكيمة وكريمة ، قلما يجود الزمن بمثلها . وهذه الشهادة ليست مجرد عبارة نستدعيها لحظة الحنين ، بل هي محاولة للتعبير عن أثر تركته معاملتها في نفوس من عاشروها. فالحكمة التي لا تتحول إلى سلوك تبقى معرفة معلقة في الذهن ، أما حين تتجسد في العلاقات اليومية فإنها تصبح قوة لبناء الثقة وحماية الروابط الإنسانية من التصدع . وكم من أسر تملك أسباب الاجتماع ، لكنها تفتقد حكمته ، وكم من بيوت تتسع جدرانها لأفراد كثيرين ، لكنها تضيق عن اختلافاتهم وحاجاتهم العاطفية. وفي المقابل تستطيع امرأة حكيمة أن تجعل من حضورها عامل توازن، وأن تمنح الآخرين شعوراً بالطمأنينة ،وأن تساعد على تجاوز كثير من التوترات من غير أن تدعي لنفسها دوراً استثنائياً . إن الحكمة هنا ليست امتيازاً يرفع صاحبته فوق الآخرين ، بل هي تواضع يجعلها أقرب إليهم ؛وليست قدرة على فرض الرأي بل مهارة في فهم الناس، وصون كرامتهم ، ومراعاة ظروفهم مهما تنوعت واختلفت. ومن هذه الزاوية أقول: إن الحاجة الصافية لا تستحضر اليوم باعتبارها امرأة أدت أدواراً عائلية معروفة فحسب ، وإنما باعتبارها نموذجاً للقوة الهادئة التي لا تتباهى بنفسها ، وللأثر الذي يصنعه السلوك النبيل من غير حاجة إلى أي إعلان أو استعراض .
خامسا : الكرم الذي يتجاوز المائدة
عادة ما يُذكر الكرم كثيراً في وصف الناس، حتى يكاد يتحول أحياناً إلى صفة جاهزة تضاف إلى الأسماء . لكن الكرم الذي يستحق التوقف عنده ليس ما يُقاس بما يقدم للضيف من طعام أو شراب فحسب، وإنما ما يكشف عنه من اتساع النفس ، وقوة الصبر والتحمل ، وحسن استقبال الآخر، والرغبة الصادقة في إشعاره بأنه موضع تقدير . لقد ارتبطت صورة الحاجة الصافية في ذاكرتنا بالكرم وحسن المعاملة، وهما قيمتان لا تنفصلان عن بعضهما. فقد يقدم الإنسان الكثير ، لكنه يترك في نفس ضيفه شعوراً بالحرج أو المنة ؛ وقد يقدم آخر ما هو أقل ، لكنه يمنح من يستقبله شعوراً بأنه بين أهله . والفرق بين الحالين هو أن الكرم الأصيل لا يجعل العطاء مناسبة لإظهار التفوق ، ولا يحول الضيافة إلى دين أخلاقي يطالب المستفيد بأدائه ، بل يجعلها تعبيراً عن المودة والاحترام والصفاء التام . ولذلك كان تَعَامُل الحاجة الصافية معنا ، نحن أصهارها جزءاً من صورة أوسع للكرم : كرم في الاستقبال وفي المشاعر … كرم في منح الآخرين مكاناً داخل الأسرة … كرم امتدت دائرته إلى الأحفاد – ذكوراً وإناثاً – بما يعكس إيماناً عملياً بأن المحبة لا ينبغي أن تخضع لمفاضلات ضيقة . إن مثل هذا الكرم يترك في الذاكرة ما هو أبقى من الأشياء المادية ؛ يترك إحساساً بالانتماء ، وامتناناً يصعب التعبير عنه ، ورغبة في أن نكون أوفياء للقيم التي لمسناها في صاحبته . وإذا كان الزمن يغير ملامح البيوت ، ويبدل أحوال الأسر ، ويأخذ معه أشخاصاً لا يعوضهم أحد ، فإنه لا يستطيع أن يمحو بسهولة ذلك الشعور العميق الذي يتركه إنسان جعل من عطائه لغة للمحبة .
سادسا : من تاريخ المقاومة إلى ذاكرة
الأسرة
تكتسب سيرة الحاجة الصافية بعداً إضافياً حين نضعها في سياق أسرتها ، وما ارتبط بها من مقاومة وطنية ونضال سياسي . فزوجها سي أحمد الطاهري رحمة الله عليه ، ارتبطت سيرته بالمقاومة ، وابنها المرحوم سي محمد الطاهري ارتبط بالنضال النقابي والسياسي . غير أن استحضار هذين البعدين لا ينبغي أن يحجب شخصيتها المستقلة ، أو يجعلها مجرد امتداد لسيرتي الزوج والابن . إن الإنصاف التاريخي والإنساني يقتضي أن ننظر إليها باعتبارها ذاتاً لها تجربتها … معاناتها…إسهامها الخاص في بناء الأسرة وصون روابطها . فقد تكون المرأة حاضرة في تاريخ المناضلين من خلال ما تتحمله من أعباء ، وما توفره من دعم ، وما تحميه من تماسك ، لكنها تظل جديرة بأن تُروى حكايتها هي أيضاً ، لا بوصفها هامشاً أو تكميلا في حكاية غيرها . ومن أبلغ أشكال الوفاء لها أن نربط بين ما عاشته من محنة في زمن الاحتلال ، وما عرفناه عنها من حكمة وكرم ومحبة في الحياة العائلية ، من دون أن نختزل شخصيتها في أي جانب منفرد . فهي ليست فقط زوجة مقاوم ، ولا أما لمناضل ، ولا سليلة أسرة عريقة … إنها المرأة التي اجتمعت في سيرتها أدوار متعددة، وتقاطعت في حياتها أسئلة الوطن والأسرة والكرامة والإنسانية . وهذا ما يجعل استحضارها مناسبة للتفكير في طريقة كتابة تاريخنا الاجتماعي: فهل ننصف النساء حين نذكر أسماءهن عرضاً إلى جانب أسماء الرجال ، أم ننصفهن حين نصغي إلى تجاربهن ، ونبحث عن شهاداتهن ، ونوثق ما تحملنه من أعباء ، وما قدمنه من عطاء ؟ والسؤال هنا لا يوجه إلى المؤرخ وحده ، بل إلى الأسرة أيضاً ؛ لأن الذاكرة العائلية، إذا لم تُصن وتُنقل، قد تفقد مع الزمن تفاصيل ثمينة لا تعوضها الوثائق الرسمية وحدها .
سابعا : ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله ؟
في الذكرى الثانية لرحيل الحاجة الصافية ، يفرض سؤال البقاء نفسه علينا بإلحاح كبير : » ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يغادر الحياة؟ » ويكون الجواب الأولي أن صورتها تبقى حاضرة بكل تأكيد ، وتبقى الكلمات التي قالتها ، والأشياء التي تركتها، والمواقف التي عرفها بها الناس . لكن الأعمق من ذلك كله هو ما يترسب في سلوك الآخرين من أثر تجربتها .وتبقى طريقة استقبال الضيف ، واحترام الكبير ، والعطف على الصغير ، والحرص على صلة الرحم ، وجمع الشمل والقدرة على تجاوز الخلاف من غير أن يتحول إلى قطيعة . وتبقى تلك الدروس التي لم تُلقَ في صورة وصايا مكتوبة ، لكنها وصلت إلى كل الاخرين عبر المعاملة اليومية . وهنا تكمن مسؤولية الأحياء في مواجهة النسيان . فليس الوفاء أن نعيد ذكر المناقب مرة في كل سنة ، ثم نتركها تنطفئ مع انقضاء المناسبة ؛وإنما أن نحول استعادة السيرة إلى مناسبة لمراجعة ذواتنا ، وللسؤال عما إذا كنا نواصل حمل القيم التي أحببنا الراحلة من أجلها . وهل نستطيع أن نعامل أفراد الأسرة بالرحابة نفسها ؟ وهل نمنح الأصهار والأحفاد الشعور ذاته بالانتماء؟ وهل نمارس الكرم من غير منة ، والحكمة من غير استعلاء ، والمحبة من غير تمييز ؟ إن هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة ما عاشته الحاجة الصافية ، بل تمنح ذكراها امتداداً عملياً في الحاضر . فكلما تحولت قيمة من قيمها إلى سلوك في حياة أحد أبنائها أو بناتها أو أحفادها أو أصهارها ، أصبح لذكراها معنى يتجاوز الحنين إلى الماضي . وإذا كان الموت يضع حداً للحضور الجسدي، فإنه لا يستطيع أن يحدد وحده نهاية الأثر . فهناك من يرحلون ، لكنهم يظلون حاضرين في ضمير الأسرة ، وفي وجدان من عرفوهم ، وفي كل فعل إنساني يستلهم ما جسدوه من قيم .
ثامنا : الوفاء ليس بكاءً على الغائب وحده
قد يختلط الوفاء ، في لحظات الفقد ، بالحزن على ما انتهى ، فننشغل بما لم يعد ممكناً استرجاعه. غير أن الوفاء الأعمق هو الذي يجمع بين الحزن والامتنان ، وبين الاعتراف بالخسارة والإصرار على صيانة ما تركه الراحل من خير . إن الحاجة الصافية ليست اليوم بيننا كما كانت ذات زمن ، ولن تستطيع الكلمات أن تعيد حضورها ، أو أن تملأ الفراغ الذي تركه رحيلها . لكن الكلمات تستطيع أن تحفظ شيئاً من سيرتها ، وأن تمنح تجربتها الإنسانية ما تستحقه من الاعتراف ، وأن تضع أمام الأجيال اللاحقة صورة امرأة عاشت قيمها قبل أن نتحدث عنها. ومن حق أحفادها ذكوراً وإناثاً ، أن يعرفوا أن وراء المحبة التي أحاطتهم بها تاريخاً من الصبر ، ووراء كرمها حكمة في معاملة الناس ، ووراء حضورها العائلي تجربة امرأة عرفت معنى المحنة والمحبة ، وعاشت في محيط ارتبط بالوجاهة والمقاومة والنضال . ومن حق الأصهار أيضاً أن يشهدوا بما لمسوه من حنان واحتضان ، لأن المصاهرة حين تتحول إلى علاقة إنسانية أصيلة تصبح جزءاً من تاريخ الأسرة ويصبح الاعتراف بفضل من أسهموا في بنائها واجباً أخلاقياً لا تحده رابطة الدم . وهكذا يغدو الوفاء فعلاً يتجاوز استحضار الغائبة إلى حماية ما آمنت به وجسدته : فالأسرة لا تتقوى بمجرد اجتماع أفرادها ، وإنما بما يسود بينهم من محبة واحترام وتضامن ؛ وأن الذاكرة لا تحيا بكثرة ما نقوله عن الماضي ، وإنما بقدرتنا على صيانة قيمه النبيلة في الحاضر .
خلاصة تركيبية: سيرة امرأة تستحق
أن تبقى خالدة
في الذكرى الثانية لرحيل الحاجة الصافية بنت سي علي الحسني الورطاسي ، أستعيد امرأة اجتمع في سيرتها شرف الانتماء العائلي ، وقسوة المحنة في زمن الاحتلال ، وعمق الأمومة، وعمق الصبر، وقدرة التحمل، وحكمة المعاملة ،وكرم النفس، واتساع المحبة وأنا اليوم أستعيدها أُمًا لنا جميعا قبل أن تكون زوجة للمقاوم والمناضل سي أحمد الطاهري ، وأماً للمناضل البهي المرحوم سي محمد الطاهري، ولكنني أستعيدها قبل كل شيء ، امرأة لها مكانتها الخاصة في ذاكرة الأسرة ، بما عرفناه عنها من خصال ، وبما عشنا معها من مودة ، وبما تركته معاملتها من أثر في نفوسنا. لقد كانت تعاملنا نحن أصهارها كما لو كنا أبناءها ، وتحيط أحفادها ، ذكوراً وإناثاً ، بعناية لا تُمَيِّز بينهم. وتلك ليست تفصيلاً عابراً في سيرتها ، بل قيمة إنسانية تستحق أن تنتقل من جيل إلى جيل ؛ لأن المحبة حين تكون عادلة وواسعة تتحول إلى إرث معنوي يظل حياً بعد رحيل صاحبته .
فرحمك الله رحمة واسعة ، وجعل ما قدمته من خير ومحبة في ميزان حسناتك وأكرم نزلك ، وألهم أسرتك وذويك جميل الصبر والسلوان . وسلام على روحك الطاهرة ، وسلام على سيرتك التي نستحضرها اليوم لا لنستسلم للحزن وحده ، بل لنؤكد أن بعض الناس يرحلون عن أعيننا ، لكنهم يتركون في حياتنا ما يجعل الوفاء لهم واجباً متجدداً . فرحمك الله وأسكنك الفردوس الأعلى رفقة كل الأهل والأحباب الذين التحقوا بالرفيق الأعلى. ولتعلم روحك أنك قد غادرتِ الحياة، لكنك تركتِ في قلوب من عرفوك أثراً من المحبة، وفي ذاكرة الأسرة صفحة من الكرم والحكمة، وفي معنى الأمومة درساً لا يشيخ. وسيظل اسمك حاضراً في دعائنا، وستبقى ذكراك مناسبة نستعيد فيها أجمل ما في الإنسان: أن يعيش كريماً ، ويحب بصدق ، ويمنح الآخرين من نفسه ما يجعل غيابه مؤلماً، وذكراه عطرة ، وأثره عصياً على النسيان .
وإنا لله وإنا إليه راجعون
