‐المفتية- في الدول الإسلامية.. ضرورة شرعية ومطلب حضاري لاستكمال رسالة الإفتاء..
الصادق العثماني :
لم يعد النقاش حول حضور المرأة في مؤسسات الإفتاء ترفًا فكريًا أو مطلبًا مرتبطًا بالمساواة الشكلية بين الجنسين، بل أصبح ضرورة شرعية واجتماعية تفرضها تحولات الحياة المعاصرة، وما أفرزته من قضايا وإشكاليات متشابكة تمس الأسرة والمرأة والمجتمع. فإذا كانت المرأة المسلمة تشارك اليوم في تدريس الفقه الإسلامي بالجامعات، وتبحث في أصوله ومقاصده، وتناقش أدلته وتخرّج أجيالًا من الباحثين والفقهاء، فمن المشروع أن نطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لا تتاح للمؤهلات منهن فرصة الوصول إلى منصب الإفتاء، إلى جانب المفتي الرجل، وفق معايير علمية ومهنية واضحة؟
إن الإفتاء مسؤولية علمية وأمانة شرعية، لا تتحدد أهلية ممارستها بجنس صاحبها، وإنما بما يمتلكه من علم راسخ، وفهم دقيق للنصوص الشرعية، وقدرة على استيعاب الواقع، وإدراك لمقاصد الشريعة ومآلات الأحكام. وقد قرر الإمام النووي، في سياق حديثه عن شروط المفتي، أن الإفتاء لا يختص بالرجال، بل تصح ممارسته من المرأة متى استوفت شروطه.
ومن ثم، فإن حصر هذا المنصب في الرجال لمجرد العرف أو المألوف الاجتماعي لا يستند إلى قاعدة شرعية تجعل الذكورة شرطًا لازمًا لصحة الفتوى، بل قد يحرم المجتمعات الإسلامية من كفاءات نسائية قادرة على الإسهام في معالجة قضاياها الشرعية والفكرية.
وليس هذا التوجه غريبًا عن تاريخ الإسلام، بل يجد جذوره في العهد النبوي وصدر الإسلام، حين كانت المرأة حاضرة في مجالس العلم، ومشاركة في نقل الحديث وفهم الأحكام والإجابة عن المسائل الشرعية. وتأتي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في مقدمة النماذج المضيئة لهذا الحضور؛ فقد كانت من أعلم الصحابة بالقرآن والسنة والفقه، ورجع إليها كبار الصحابة والتابعين في مسائل دقيقة من العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية. ولم يكن علمها محصورًا في شؤون النساء، بل امتد إلى مختلف أبواب المعرفة الشرعية، حتى أصبحت مرجعًا علميًا بارزًا في المجتمع الإسلامي.
كما عرفت الحضارة الإسلامية نساء عالمات وفقيهات كان لهن حضور معتبر في مجالس العلم والرواية والتدريس. واشتهرت أم الدرداء الصغرى بمجالسها العلمية التي حضرها رجال ونساء، ونُقل عن عدد من العلماء تلقي العلم على أيدي نساء محدّثات، كما عُرفت فاطمة السمرقندية بعلمها الفقهي ومشاركتها في النظر والإفتاء.
وتكشف هذه النماذج أن المرأة لم تكن، في تاريخنا العلمي، مجرد متلقية للأحكام، وإنما كانت في أحيان كثيرة شريكة في إنتاج المعرفة الشرعية ونقلها وتصحيحها. ومن المؤسف أن نحتفي بهذا التراث في الكتب والخطب، ثم نتردد في الاستفادة من دلالاته العملية عند بناء مؤسساتنا الدينية المعاصرة.
وتزداد الحاجة إلى وجود مفتية مؤهلة في زمننا بسبب اتساع القضايا الاجتماعية وتعقدها، ولا سيما ما يتعلق بالزواج والطلاق والنفقة والحضانة والإرث والعلاقات الأسرية وحقوق المرأة المالية والشخصية.
فكم من امرأة تتردد في عرض تفاصيل مشكلتها على مفتٍ رجل بسبب الحياء أو الخوف أو صعوبة الإفصاح عن بعض الجوانب الخاصة، وكم من قضية تحتاج إلى أسئلة دقيقة لفهم حقيقة العلاقة بين الزوجين، والتمييز بين الرضا والإكراه، وبين الطاعة المشروعة والاستغلال، وبين الصلح الذي يحفظ الأسرة والتنازل الذي يضيع الحقوق.
إن وجود المفتية يتيح لكثير من النساء مساحة أكثر اطمئنانًا لعرض مشكلاتهن، والتعبير عن معاناتهن بوضوح، وطرح الأسئلة التي قد يصعب عليهن الإفصاح عنها في بعض البيئات الاجتماعية. وليس المقصود من ذلك أن المفتي الرجل عاجز عن فهم قضايا المرأة، أو أن المرأة لا تفهم إلا ما يتعلق بجنسها، وإنما المقصود توسيع دائرة الخبرة والاستماع، وتعدد زوايا النظر، بما يساعد على تكوين تصور أدق للواقعة قبل إصدار الحكم الشرعي. فالفتوى ليست مجرد استحضار نص أو نقل قول فقهي، بل هي علم يجمع بين فهم الدليل، وتحقيق المناط، وإدراك أحوال المستفتين وظروفهم وآثار الحكم في حياتهم.
وتظهر أهمية هذه المشاركة بصورة أوضح في قضايا الإرث، حيث تتعرض بعض النساء لضغوط أسرية تدفعهن إلى التنازل عن حقوقهن المالية، أو في قضايا الطلاق التي تختلط فيها الاعتبارات الشرعية بالنفسية والاجتماعية والاقتصادية، أو في مسائل التبني والرعاية والكفالة وما يرتبط بها من أحكام النسب والمحرمية والحقوق الأسرية. كما تبرز الحاجة إليها في القضايا المستجدة المتعلقة بالعمل والطب والإنجاب والخصوصية الرقمية والعلاقات الأسرية في ظل التحولات الثقافية والتكنولوجية. وهذه المسائل لا تعالجها الشعارات العامة، وإنما تحتاج إلى فقيهات يمتلكن التأهيل الشرعي والمنهجي، ويشاركن في البحث والاجتهاد الجماعي إلى جانب العلماء والمتخصصين في المجالات الأخرى.
ومن هنا، فإن تمكين المرأة من الإفتاء يتصل اتصالًا وثيقًا بمقاصد الشريعة الإسلامية؛ فحفظ المال يقتضي صيانة حقوقها من الاستيلاء والابتزاز، وحفظ النفس والكرامة يقتضي الاعتراف بالضرر الواقع عليها وعدم إخفائه تحت عناوين اجتماعية مضللة، وحفظ الأسرة لا يعني المحافظة على شكلها الخارجي مهما تفاقم الظلم داخلها، بل يتطلب معالجة أسباب النزاع وتحقيق العدل بين أطرافها. كما أن رفع الحرج يقتضي توفير قنوات علمية موثوقة تستطيع المرأة من خلالها طلب الحكم الشرعي، بعيدًا عن التخويف والوصاية غير المنضبطة والتفسيرات التي توظف النصوص لتبرير الممارسات الجائرة.
وفي هذا السياق، تقدم التجربة المغربية مجالًا مهمًا للتأمل، بالنظر إلى ما شهدته المملكة من تطوير للمؤسسات الدينية، وتوسيع مشاركة المرأة في عدد من مجالات التأطير الديني والعلمي. وقد برز ذلك، على وجه الخصوص، في تجربة المرشدات الدينيات، وفي حضور المرأة داخل مؤسسات التعليم والتوجيه الديني. وتمثل هذه الخطوات أساسًا يمكن البناء عليه لتطوير مشاركة أوسع للكفاءات النسائية في البحث الفقهي والهيئات العلمية، وصولًا إلى الإفتاء الرسمي متى استوفت المرشحات شروطه العلمية والمؤسسية. وتستطيع المملكة المغربية، بما راكمته من خبرة في تنظيم الحقل الديني والعناية بالتكوين الشرعي، أن تسهم في بلورة نموذج مؤسسي يستفيد من كفاءة المرأة، ويحافظ في الوقت نفسه على الضوابط العلمية والمرجعية المذهبية والمقاصدية.
ولا يعني ذلك أن تعيين مفتية ينبغي أن يكون امتيازًا تمنحه المؤسسات للمرأة لمجرد كونها امرأة، أو أن تتحول المشاركة النسائية إلى حضور رمزي لا تأثير له في صناعة القرار العلمي. المطلوب هو فتح المسار أمام المؤهلات، وفق شروط واضحة في العلم والتكوين والخبرة والنزاهة، وإشراكهن مشاركة حقيقية في دراسة النوازل، ومناقشة الأدلة، وترجيح الأقوال، وصياغة الفتاوى ومراجعتها. فالكفاءة هي معيار الاستحقاق، والجنس لا ينبغي أن يكون حاجزًا يحول دون الإفادة من تلك الكفاءة.
إن وجود امرأة مفتية إلى جانب المفتي الرجل لا ينتقص من مكانة العلماء، ولا يضعف المرجعية الدينية، ولا يفتح الباب أمام الفوضى في إصدار الأحكام، ما دامت المؤسسات تلتزم معايير التأهيل والاختصاص والمسؤولية. بل إن تنوع الخبرات قد يعزز جودة الفتوى، ويقربها من واقع الناس، ويجعلها أكثر قدرة على تحقيق العدل ورفع الضرر ومراعاة المقاصد الشرعية.
لقد آن الأوان لأن تنتقل المؤسسات الدينية الإسلامية من الاحتفاء التاريخي بالمرأة العالمة إلى تمكينها المؤسسي حين تتوافر فيها شروط العلم والاجتهاد. فليس من المنطقي أن نقرّ بتفوق المرأة في تدريس الفقه والبحث فيه، ثم نغلق أمامها أبواب الإفتاء دون مسوغ علمي معتبر. إن الشريعة التي كرمت العلم وأهله، وجعلت الأمانة والكفاءة أساس المسؤولية، تقتضي أن نمنح المؤهلات من النساء فرصتهن في خدمة الدين والمجتمع.
فحاجة الأمة اليوم ليست إلى مفتي رجل وحده، ولا إلى مفتية امرأة تحل محله، وإنما إلى منظومة إفتاء متكاملة يتعاون فيها الرجال والنساء، ويتكامل فيها العلم والخبرة، ويكون معيارها الدليل والمقصد والعدل. وعندئذ تصبح المفتية إضافة حقيقية إلى الاجتهاد المعاصر، وصوتًا علميًا موثوقًا يعين المرأة المسلمة على فهم دينها وصيانة حقوقها، ويسهم مع سائر العلماء في بناء مجتمع أكثر وعيًا وإنصافًا وتوازنًا.
