القرآن الكريم والتحديات الاقتصادية المعاصرة..
الصادق العثماني
لم يعد الاقتصاد في العالم المعاصر مجرد وسيلة لتنظيم الإنتاج والتبادل وتوزيع الثروة، وإنما أصبح من أكثر المجالات تأثيراً في حياة الإنسان ومصير المجتمعات والدول. فالأزمات الاقتصادية المتلاحقة، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتراكم الديون، وارتفاع معدلات البطالة، وتزايد الاستهلاك غير الرشيد، وهيمنة المضاربات المالية، واستنزاف الموارد الطبيعية، كلها تحديات تفرض إعادة التفكير في طبيعة النمو الاقتصادي وأهدافه ووسائله. وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، يطرح القرآن الكريم رؤية إنسانية وأخلاقية متكاملة لا تقدم نظاماً اقتصادياً بالمعنى التقني الضيق، وإنما تؤسس لمنظومة من القيم والمبادئ التي تجعل الاقتصاد في خدمة الإنسان، لا الإنسان عبداً للاقتصاد.
والقرآن الكريم حين يتحدث عن المال لا يتعامل معه باعتباره شراً ينبغي التخلص منه، ولا باعتباره غاية مطلقة للحياة، وإنما يضعه في موقعه الطبيعي باعتباره وسيلة لإعمار الأرض وتحقيق المصالح الإنسانية. يقول تعالى: « وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا »، فالمال عنصر من عناصر قيام المجتمع واستقراره، ومن ثم فإن حسن تدبيره وإدارته وحمايته من الفساد والتبذير ليس شأناً فردياً فحسب، بل مسؤولية اجتماعية وأخلاقية.
ومن أهم ما يقدمه القرآن في مواجهة التحديات الاقتصادية المعاصرة مبدأ العدل، فالاقتصاد الذي يحقق النمو لكنه ينتج في الوقت نفسه تفاوتاً اجتماعياً فاحشاً، ويجعل الثروة مركزة في أيدي فئة محدودة، يحتاج إلى مراجعة عميقة. ولذلك يقرر القرآن قاعدة واضحة في تداول الثروة: « كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ». وليس المقصود إلغاء التفاوت الطبيعي بين الناس، وإنما منع تحول الثروة إلى أداة للاحتكار والاستعلاء وإقصاء الآخرين من فرص المشاركة الاقتصادية.
وهنا تظهر أهمية إعادة قراءة المفاهيم القرآنية في ضوء التحولات الاقتصادية الحديثة. فالعدالة الاقتصادية في المنظور القرآني لا تعني مجرد توزيع الأموال بالتساوي، وإنما تعني إقامة شروط عادلة للعيش والعمل والإنتاج والتملك والتبادل، ومنع الاستغلال والاحتكار والغش والظلم. ولهذا جاء النهي الصريح عن أكل أموال الناس بالباطل، وعن التطفيف في الكيل والميزان، وعن الغش في المعاملات، وهي مبادئ تظل صالحة في الأسواق التقليدية كما هي في الأسواق الرقمية والمنصات الإلكترونية والاقتصاد العالمي المعولم .
ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يكتفِ بالدعوة إلى الأخلاق الاقتصادية بصورة عامة؛ بل اهتم كذلك بتوثيق المعاملات وحفظ الحقوق، فقال تعالى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ». وهذه الآية في سورة البقرة تكشف عن وعي عميق بأهمية التنظيم والتوثيق والشفافية في المعاملات المالية. وإذا كان المجتمع القديم يحتاج إلى الكتابة والإشهاد لحماية الحقوق، فإن المجتمع المعاصر يحتاج إلى مؤسسات مالية قوية، وتشريعات واضحة، ومراقبة فعالة، وشفافية رقمية، وحوكمة تمنع التلاعب والفساد.
كما يلفت القرآن الكريم الانتباه إلى قضية الاستهلاك، وهي من أبرز تحديات الاقتصاد المعاصر. لقد تحول الاستهلاك في كثير من المجتمعات من وسيلة لإشباع الحاجات إلى ثقافة اجتماعية تقيس النجاح بكمية ما يمتلكه الإنسان وما يستهلكه. وفي مقابل هذه النزعة، يقرر القرآن قاعدة الاعتدال: « وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ». والإسراف هنا ليس مجرد مشكلة أخلاقية فردية، بل له آثار اقتصادية وبيئية واجتماعية؛ لأن الاستهلاك المفرط يؤدي إلى استنزاف الموارد، وتراكم النفايات، وزيادة الديون، وتعميق الاختلال بين الحاجات الحقيقية والرغبات المصطنعة.
ومن هذا المنطلق، يمكن للقرآن أن يسهم في بناء وعي اقتصادي جديد يقوم على ترشيد الاستهلاك، والتمييز بين الحاجة والرغبة، وربط الحرية الاقتصادية بالمسؤولية الاجتماعية. فالحرية في امتلاك المال واستثماره لا تعني حرية الإضرار بالآخرين أو بالمجتمع أو بالبيئة. ولذلك فإن مفهوم الاستخلاف القرآني يفرض على الإنسان مسؤولية أخلاقية في التعامل مع الموارد، قال تعالى: « هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ». فالإنسان مستخلف في الأرض، وليس مالكاً مطلقاً لها يفعل بها ما يشاء دون حساب.
وفي مواجهة الفقر، يقدم القرآن الكريم تصوراً يتجاوز منطق الإحسان العابر إلى بناء التضامن الاجتماعي. فالزكاة، والصدقات، والإنفاق، والوقف، وغيرها من آليات التكافل في الحضارة الإسلامية، يمكن أن تشكل أساساً لمجتمع لا يترك الفئات الضعيفة ضحية لتقلبات السوق. غير أن استلهام هذه المبادئ في العصر الحديث يحتاج إلى اجتهاد مؤسسي جديد، يربط العمل الخيري بالتنمية المستدامة، والتعليم، والتأهيل المهني، وتمكين الفقراء من أدوات الإنتاج، حتى ينتقل الإنسان من موقع المتلقي للمساعدة إلى موقع القادر على المشاركة في الدورة الاقتصادية.
كما أن القرآن يواجه أحد أخطر الاختلالات الاقتصادية في العصر الحديث، وهو تحويل المال إلى سلعة تنتج المال بمعزل عن الاقتصاد الحقيقي. ومن هنا جاءت النصوص المتعلقة بتحريم الربا، باعتباره نموذجاً لعلاقة مالية قد تتحول فيها حاجة المدين إلى مصدر للثراء غير المتوازن للدائن. ولا يعني ذلك رفض التمويل أو الاستثمار أو النظام المالي الحديث في ذاته، وإنما يفتح المجال أمام تطوير أدوات مالية أكثر عدلاً وارتباطاً بالإنتاج والمخاطر والمصلحة الاقتصادية الحقيقية، بعيداً عن الاستغلال المالي.
غير أن الخطأ المنهجي هو التعامل مع القرآن الكريم وكأنه كتاب في الاقتصاد الجزئي أو الكلي، ينتظر منا استخراج معادلات اقتصادية جاهزة منه. فالقرآن كتاب هداية، ويقدم مبادئ وقواعد قيمية ومقاصدية، بينما تتغير الأدوات والنماذج الاقتصادية بتغير الزمان والمكان. ولذلك فإن المطلوب هو بناء جسور بين النص القرآني والمعرفة الاقتصادية الحديثة، لا إلغاء أحدهما لحساب الآخر. فالاقتصاد يحتاج إلى العلم والخبرة والبيانات والنماذج الرياضية، لكنه يحتاج كذلك إلى الأخلاق التي تحدد الغاية من استخدام هذه المعرفة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى اجتهاد إسلامي اقتصادي معاصر لا يكتفي بتكرار المفاهيم التقليدية، ولا يستورد النماذج الاقتصادية العالمية دون نقد، وإنما ينطلق من مقاصد الشريعة في حفظ المال والنفس والكرامة وتحقيق العدل ورفع الضرر، ثم يتفاعل بصورة نقدية ومنفتحة مع الاقتصاد الحديث، بما فيه الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والعملات الرقمية، والاقتصاد الأخضر، والاقتصاد التشاركي، والتجارة الإلكترونية.
إن التحدي الاقتصادي المعاصر ليس في قلة الثروة وحدها، وإنما في طريقة إنتاجها وتوزيعها واستخدامها، في بناء الإنسان وتحقيق الرفاه العام، وهنا تستعيد الرؤية القرآنية أهميتها؛ لأنها ترفض أن يتحول المال إلى معبود جديد، كما ترفض أن يتحول الفقر إلى قدر محتوم. إنها تدعو إلى الإنتاج والعمل والكسب، لكنها تربط ذلك بالعدل والأمانة والتكافل والمسؤولية.
ختاما، ان ستحضار القرآن في مواجهة التحدي الاقتصادي المعاصر لا يعني العودة إلى الماضي، وإنما يعني العودة إلى المبادئ الكبرى التي تجعل المستقبل أكثر إنسانية. فالعالم اليوم لا يحتاج إلى اقتصاد أكثر ثراءً فقط، بل إلى اقتصاد أكثر عدلاً ورحمة واستدامة، اقتصاد يضع الإنسان قبل الأرقام، ويجعل الثروة وسيلة للعمران لا سبباً للاستعباد، ويوازن بين حق الفرد وحق المجتمع، وبين حرية السوق ومسؤولية الدولة، وبين النمو الاقتصادي وحماية البيئة. وفي هذا الأفق يمكن للقرآن المريم أن يقدم إسهاماً فكرياً وأخلاقياً بالغ الأهمية في النقاش العالمي حول مستقبل الاقتصاد، لا باعتباره بديلاً عن العلم الاقتصادي، وإنما باعتباره مصدراً لقيم ومقاصد قادرة على توجيه هذا العلم نحو ما يخدم الإنسان ويحفظ كرامته ويحقق عمران الأرض.
