اليسار في المغرب: تجربة الحلم والغبار قراءة في كتاب عبد القادر الشاوي «اليسار في المغرب 1970-1974»

اليسار في المغرب: تجربة الحلم والغبار قراءة في كتاب عبد القادر الشاوي «اليسار في المغرب 1970-1974»
شارك

محمد السميري:

من نشأة الحلم إلى اكتشاف تناقضاته

ليس الرجوع إلى تاريخ اليسار المغربي في بداية السبعينيات مجرد استعادة لمرحلة سياسية مضت، ولا هو حنين إلى زمن كانت فيه الشعارات الثورية تملأ الجامعة والشارع، والتنظيمات السرية تتطلع إلى تغيير المجتمع والدولة. إن قراءة تلك التجربة اليوم تكتسي أهمية مختلفة؛ لأن كثيراً من الأسئلة التي شغلت اليسار آنذاك ما زالت، وإن تغيرت أشكالها وشروطها، حاضرة في واقعنا السياسي: لماذا تعجز القوى التي ترفع شعار التغيير عن بناء قاعدة اجتماعية واسعة؟ كيف تتحول التنظيمات التي تنشأ باسم الجماهير إلى تنظيمات محدودة داخل دائرة المثقفين والطلبة؟ لماذا تنتهي بعض المشاريع السياسية، بعد أن تبدأ بخطاب راديكالي، إلى البحث عن موقع داخل المؤسسات القائمة؟ وهل يكفي تغيير الخطاب والشعارات لإحداث تحول في الواقع؟

إن ما نعيشه اليوم من ضعف الثقة في الأحزاب، وتراجع المشاركة السياسية، واتساع المسافة بين المجتمع والمؤسسات، لا يمكن فهمه من خلال متابعة الأحداث الراهنة وحدها. فالحاضر ليس قطيعة كاملة مع الماضي، بل هو أيضاً حصيلة مسارات طويلة، واختيارات سياسية، وصراعات اجتماعية، وتجارب لم تُستكمل، وأخرى انتهت دون أن تُستوعب دروسها. ومن هذا المنظور تبدو العودة إلى كتاب عبد القادر الشاوي «اليسار في المغرب 1970-1974: تجربة الحلم والغبار» مدخلاً مفيداً لفهم بعض الجذور التاريخية لأزمة اليسار المغربي، وللتأمل في العلاقة بين المشروع السياسي والواقع الاجتماعي الذي يفترض أن يستند إليه.

صدر الكتاب في طبعته الأولى سنة 1992، عن منشورات «على الأقل»، في 153 صفحة بحسب بيانات الطبعة والفهارس المتاحة. لكن أهمية الكتاب لا تتوقف عند موضوعه أو الفترة التي يتناولها؛ فهو ليس دراسة يكتبها باحث من خارج التجربة، وإنما شهادة نقدية وتحليل سياسي صادران عن شخص عاش جانباً من تلك التجربة وانخرط في صراعاتها. [1]

كاتب يراجع تجربة عاشها

عبد القادر الشاوي كاتب وروائي وناقد مغربي، ولد سنة 1950 بباب تازة بإقليم شفشاون. تابع دراسته بتطوان، ثم التحق بالمدرسة العليا للأساتذة، وبدأ النشر منذ أواخر الستينيات. ارتبط اسمه بالكتابة الأدبية والنقدية، كما ارتبط بتجربة اليسار الماركسي اللينيني في المغرب. اعتُقل في نونبر 1974، وحكم عليه بالسجن، ولم يفرج عنه إلا سنة 1989. ومن ثم فإن حديثه عن اليسار ليس حديث مراقب يصف تجربة الآخرين، بل هو حديث شخص كان جزءاً من ذلك المسار، وعرف من داخله الحماسة السياسية، والعمل التنظيمي، والاعتقال، ثم النقاش والمراجعة. [2]

وهذه الخلفية مهمة لفهم طبيعة الكتاب. فالشاوي لا يكتب تاريخاً محايداً بالمعنى الذي يفصل صاحبه عن موضوعه، ولا يقدم مرافعة دفاعية عن تجربة عاشها، بل يحاول أن يضع تلك التجربة موضع المساءلة. إنه يكتب من داخل الذاكرة، ولكنه يحاول في الوقت نفسه أن يتحرر من أحكامها المسبقة. ولذلك فإن الكتاب يحمل طابعاً مزدوجاً: فهو دراسة في نشأة اليسار المغربي وتطوره بين 1970 و1974، وهو أيضاً مراجعة نقدية لتجربة سياسية كان المؤلف أحد المشاركين فيها.

وتتضح هذه النية منذ التقديم الذي كتبه الشاوي في نهاية أبريل 1991. فهو يوضح أن البحث يعود في أصله إلى صيف 1980، حين كان معتقلاً في السجن المركزي، وفي تلك الفترة احتدم النقاش بين مجموعة من المناضلين حول واقع الحركة الماركسية اللينينية وتجربتها. لم يكن النقاش، كما يشرح، منفصلاً عن آثار الاعتقالات والقمع والانكسارات التي عرفتها التنظيمات، بل كان محاولة لفهم ما حدث، ومراجعة التصورات التي حكمت الممارسة السياسية والتنظيمية لسنوات.

ويشير الشاوي إلى أن الاعتقالات الأولى سنة 1972 أعطبت نمو الحركة، وأن اعتقالات 1974 وجهت ضربة حاسمة إلى بنيتها المركزية، ثم جاءت اعتقالات 1976 لتقضي على ما تبقى من امتداداتها. وهكذا لم يكن النقاش الذي دار داخل السجن نقاشاً نظرياً مجرداً، بل كان حصيلة تجربة سياسية انتهت إلى مأزق، ودفعت أصحابها إلى مساءلة أفكارهم وممارساتهم السابقة (ص 7-10).

وفي هذا التقديم يلفت الشاوي النظر إلى مسألة أراها أساسية في قراءة الكتاب: إن التجارب اللاحقة التي حاولت إعادة إنتاج منظومة اليسار كما تشكلت بين 1970 و1974 لم تنجح، في نظره، في تجاوز أخطائها، بل أعادت إنتاج بعض آلياتها وهزائمها. ويضيف أن خلاصات التجربة بقيت، على حد تعبيره، «معتقلة» لدى أصحابها، ولم تتحول إلى معرفة متاحة للنقاش العام (ص 10).

وهنا تبرز قيمة الكتاب بالنسبة إلينا اليوم. فالمشكلة لا تكمن فقط في أن تجربة سياسية أخفقت أو تعرضت للقمع، بل في أن المجتمع نفسه قد يُحرم من دروس تلك التجربة عندما لا تتحول الذاكرة إلى معرفة نقدية. إن التاريخ الذي لا نراجعه يتحول إلى حكايات متفرقة، أو إلى أمجاد يستعاد بعضها، أو إلى اتهامات متبادلة بين من عاشوا التجربة. أما المراجعة النقدية فتسمح لنا بفهم الشروط التي أنتجت التجربة، وحدودها، والتناقضات التي حملتها منذ البداية.

لماذا ظهر اليسار المغربي في بداية السبعينيات؟

لكي نفهم نشأة اليسار الذي يتناوله الشاوي، ينبغي أن نضعه في سياقه السياسي والاجتماعي. فقد جاءت بداية السبعينيات بعد سنوات من التوتر الذي عرفه المغرب عقب الاستقلال، وبعد أحداث مارس 1965 بالدار البيضاء، وما كشفته من اختلالات اجتماعية وسياسية عميقة. كما تزامنت مع أزمة الأحزاب الوطنية، وتراجع الثقة في قدرتها على تحقيق التحول الديمقراطي والاجتماعي الذي انتظرته فئات واسعة من المجتمع.

وفي هذا المناخ، لم تعد قطاعات من الشباب والطلبة تكتفي بخطاب الإصلاح التدريجي أو بالمشاركة في الأحزاب القائمة. فقد رأت أن تلك الأحزاب لم تستطع تجاوز حدودها السياسية والتنظيمية، وأنها أصبحت عاجزة عن تقديم مشروع يجيب عن التناقضات التي يعيشها المجتمع. كما كان لهزيمة يونيو 1967 أثر بالغ في انتشار مراجعات فكرية وسياسية داخل الحركة العربية التقدمية، وفي صعود أطروحات أكثر راديكالية، خصوصاً تلك التي ربطت التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي، وانتقدت البورجوازية الوطنية والأحزاب الإصلاحية.

في هذا السياق ظهرت منظمة «ب» في مارس 1970، التي عُرفت لاحقاً باسم منظمة 23 مارس، ثم منظمة «أ» في غشت من السنة نفسها، التي عُرفت باسم «إلى الأمام». وكان ظهور هاتين المنظمتين إعلاناً عن وجود حركة ماركسية لينينية جديدة، اختارت العمل السري، ورفعت شعار القطيعة مع الإصلاحية، وتبنت مشروع التغيير الجذري للمجتمع (ص 11).

لكن الشاوي لا يكتفي بتسجيل تاريخ تأسيس التنظيمين. إنه يلفت الانتباه إلى مفارقة تستحق التأمل: فقد أعلنت الحركة أنها بديل للقوى الإصلاحية، وأنها تعبر عن مصالح الطبقات الأساسية في المجتمع، لكنها لم تتمكن من التعريف بوجودها السياسي على نطاق واسع، وظل حضورها محصوراً في دوائر ضيقة من المناضلين والمتعاطفين وبعض الفئات التي ارتبطت بها موسمياً أو تنظيمياً. وحتى مجلة «أنفاس»، التي شكلت منبراً ثقافياً وسياسياً مهماً، لم تكن كافية لتعويض محدودية الانتشار الجماهيري (ص 11-13).

وهذا يعني أن الحركة بدأت وهي تحمل طموحاً أكبر من حجمها الفعلي. فقد كانت تتحدث باسم الطبقة العاملة والفلاحين والجماهير الشعبية، لكنها لم تكن قد بنت بعد جسوراً تنظيمية واجتماعية متينة مع هذه الفئات. وهذه المفارقة ستعود بقوة في تحليل الشاوي للبنية الاجتماعية والإيديولوجية لليسار.

من أزمة الأحزاب الوطنية إلى إعلان القطيعة مع الإصلاحية

يخصص الشاوي حيزاً مهماً من الكتاب لتفسير الظروف التي بررت، في نظر اليسار الجديد، إعلان القطيعة مع القوى الإصلاحية. فهو لا يتعامل مع نشأة الحركة باعتبارها نزوة شبابية أو مجرد استيراد لأفكار ماركسية من الخارج، بل يربطها بتطورات سياسية واجتماعية داخل المغرب، وبالأزمة التي عرفتها الأحزاب الوطنية، وبالعجز عن تحويل الاستقلال السياسي إلى تغيير اجتماعي وديمقراطي ملموس.

لقد كان اليسار الجديد يرى أن الأحزاب التي قادت النضال الوطني لم تستطع بعد الاستقلال أن تبلور مشروعاً للتحرر الاجتماعي، وأنها ظلت أسيرة تصورات إصلاحية لا تمس أسس البنية السياسية والاقتصادية القائمة. كما رأى أن البورجوازية الوطنية لم تكن قادرة على قيادة تحول ديمقراطي جذري، وأن الرهان عليها لم يعد مجدياً.

لكن الشاوي لا يتبنى هذه الأحكام دون مساءلة. فهو يعود إلى الطريقة التي خرج بها اليسار من الأحزاب الإصلاحية، ويلاحظ أن هذا الخروج لم يكن دائماً نتيجة صراع ديمقراطي داخلي منظم، أو نقاش فكري وسياسي معمق داخل تلك الأحزاب. فكثير من الشباب الذين اتجهوا نحو القطيعة كانوا قد دخلوا الحياة السياسية بعد أحداث مارس 1965، ولم تكن لهم قواعد تنظيمية أو تجربة حزبية متجذرة تسمح لهم بخوض صراع داخلي منظم. كما أن البنيات الحزبية البيروقراطية والمركزية كانت تعيق النقاش والتواصل بين القواعد والقيادات (ص 107-108).

وهنا يسجل الشاوي ملاحظة نقدية دقيقة: لقد كان الوعي اليساري في بعض جوانبه وعياً استراتيجياً يحدد ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع والثورة والتنظيم، قبل أن يمتلك فهماً تكتيكياً ملموساً لكيفية الانتقال من الواقع القائم إلى ذلك الهدف. وكانت المفاهيم النظرية، في حالات كثيرة، عامة ومجردة، ولم تكن دائماً مستندة إلى تحليل دقيق للواقع المغربي.

ولذلك يصل إلى خلاصة لافتة: لقد كان الصراع الاجتماعي يبرر الخروج اليساري، لكن الخروج اليساري لم يكن بالضرورة يخدم الصراع الاجتماعي (ص 110). ومعنى ذلك أن القطيعة مع الإصلاحية كانت مفهومة في سياقها التاريخي، بل ربما كانت ضرورة لإنهاء حالة الانتظار والتردد، لكنها لم تتحول تلقائياً إلى قدرة على تنظيم الصراع الاجتماعي وقيادته.

وهذا التمييز مهم جداً. فقد يكون تشخيص أزمة حزب أو تيار سياسياً صحيحاً، وقد تكون القطيعة معه مبررة، لكن ذلك لا يعني أن القوة التي تعلن القطيعة تمتلك بالضرورة البديل العملي. فالاعتراض على واقع قائم شيء، وبناء شروط تغييره شيء آخر. وهذه مسافة لم ينجح اليسار المغربي في تجاوزها بسهولة.

الجامعة: الحاضنة التي صنعت اليسار وحدودها

في الفصل الذي يحمل عنوان «اليسار: بنية إيديولوجية»، ينتقل الشاوي إلى تحليل المجال الذي تبلور فيه اليسار، ويؤكد أن الجامعة كانت الحاضنة الأساسية لنشأته. فقد ظهر في أوساط الشباب المتعلم، وارتبط بالنقاشات الفكرية والسياسية داخل الحركة الطلابية، ثم امتد إلى الثانويات وبعض الأوساط الثقافية والنقابية (ص 113-116).

وكان للمؤتمر الثالث عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب سنة 1969 دور مهم في بلورة استقلالية الحركة الطلابية عن الأحزاب السياسية، وفي توفير فضاء للنقاش والصراع بين الاتجاهات المختلفة. كما ساهم توسع التعليم العالي خلال الستينيات في دخول أعداد جديدة من أبناء الفئات الشعبية إلى الجامعة، وهو ما خلق بيئة اجتماعية وثقافية مختلفة عن النخب التقليدية التي احتكرت التعليم في مراحل سابقة (ص 114-116).

لكن الجامعة لم تكن مجرد فضاء جغرافي للنشاط؛ فقد كانت أيضاً مجالاً لإنتاج الأفكار والشعارات والتصورات السياسية. ومن داخلها تشكلت لغة اليسار ومفاهيمه، كما تشكلت أنماط عمله التنظيمي وأساليبه النضالية. وقد منحت الثقافة الماركسية للطلبة سلطة رمزية وفكرية، في وقت كانت فيه القومية العربية والتيارات الإصلاحية تعيش أزمات متلاحقة.

غير أن هذه النشأة الجامعية حملت معها حدوداً ستؤثر لاحقاً في مسار الحركة. فالجامعة فضاء للنقاش والتعبئة، لكنها ليست المجتمع كله، ولا تمثل وحدها الطبقات والفئات التي كان اليسار يعلن الدفاع عن مصالحها. وقد ظل النشاط اليساري في كثير من الأحيان محكوماً بإيقاع المعارك الطلابية والتلاميذية، وباللغة التعبوية والشعاراتية التي لا تتحول بالضرورة إلى معرفة دقيقة بحاجات العمال والفلاحين وبواقعهم اليومي.

من يحمل المشروع الثوري؟ سؤال البنية الاجتماعية

هنا يصل الشاوي إلى واحدة من أهم أطروحات الكتاب، وهي أن اليسار المغربي، رغم شعاراته العمالية والفلاحية، تشكل أساساً في أوساط الفئات الدنيا من البورجوازية الصغيرة المدينية، خصوصاً الطلبة والمثقفين الشباب وبعض الموظفين والأطر الصغرى (ص 117-118).

ولا يقصد الكاتب أن جميع المناضلين كانوا ينتمون إلى أصل اجتماعي واحد، أو أن الانتماء الطبقي يحدد آلياً الموقف السياسي. لكنه يريد أن يبين أن الفئات التي أنتجت الخطاب اليساري وقادته لم تكن في معظمها منخرطة مباشرة في عالم الإنتاج، ولم تكن مرتبطة عضوياً بالطبقة العاملة التي أعلنت تمثيلها.

وهنا تظهر المفارقة: تنظيمات تتبنى الماركسية اللينينية، وتتحدث عن البروليتاريا والتحالف العمالي الفلاحي والحزب الثوري، بينما تتكون قياداتها وأطرها أساساً من الطلبة والمثقفين. وقد حاولت هذه التنظيمات تجاوز هذا التناقض من خلال بناء خلايا عمالية، وتنظيم أنشطة للتكوين، واستقطاب بعض العمال الشباب، لكن ذلك لم يؤد إلى تحول جوهري في طبيعة قاعدتها الاجتماعية (ص 121-124).

ويطرح الشاوي في هذا السياق مسألة «الطليعة التكتيكية»، ولا سيما في تجربة «إلى الأمام»، حيث جرى التفكير في دور التلاميذ بوصفهم قوة وسيطة تساعد على الوصول إلى الطبقة العاملة. لكن الكاتب يرى أن هذا التصور ظل يصطدم بواقع الحركة نفسها؛ إذ كانت التنظيمات تنشغل بالقطاعات التي تمتلك فيها حضوراً فعلياً، أي الجامعة والثانويات، أكثر مما تنجح في بناء ارتباط مستقر بالعمال (ص 123).

وهذه الملاحظة تقود إلى سؤال يتجاوز تلك المرحلة: هل يصبح التنظيم عمالياً بمجرد أن يتبنى إيديولوجية الطبقة العاملة؟ أم أن الأمر يتطلب معرفة واقع هذه الطبقة، والوجود داخل نضالاتها، وفهم شروط عملها ومصالحها وتناقضاتها، والمساهمة في بناء تنظيماتها المستقلة؟

جواب الشاوي واضح في هذا المستوى: لا تكفي الشعارات ولا المرجعية النظرية. فالعلاقة بالطبقة التي يعلن التنظيم تمثيلها لا تُقاس بما يكتبه عنها في وثائقه، وإنما بما ينجح في بنائه معها في الواقع.

وهنا أرى أن الكتاب يضع إصبعه على واحد من التناقضات التاريخية لليسار المغربي: لقد امتلك طموحاً نظرياً كبيراً، لكنه لم يمتلك دائماً الأدوات الاجتماعية والتنظيمية التي تسمح بتحويل ذلك الطموح إلى قوة مؤثرة في المجتمع. وهذا لا يعني أن المثقفين لا يستطيعون قيادة حركة تغيير، أو أن المناضل لا يمكن أن يتجاوز موقعه الاجتماعي، وإنما يعني أن المشروع السياسي لا يستطيع أن يعوض غياب القاعدة الاجتماعية بمجرد اليقين الإيديولوجي.

بين الحلم والواقع

إن عنوان الكتاب نفسه، «تجربة الحلم والغبار»، يلخص جانباً من هذه المفارقة. فالحلم لم يكن وهماً بالمعنى البسيط؛ لقد عبّر عن رغبة حقيقية في التحرر من الاستبداد والتبعية واللامساواة، وعن رفض واقع سياسي لم يكن يسمح بمشاركة شعبية فعلية في تقرير مصير المجتمع. لكن الحلم اصطدم بواقع أكثر تعقيداً مما كانت تتصوره التنظيمات، وبحدود داخلية لم تستطع تجاوزها بسهولة.

فاليسار الذي أعلن القطيعة مع الإصلاحية لم ينجح دائماً في تجاوز أساليبها التنظيمية، والذي رفع شعار الجماهير ظل في كثير من الأحيان محصوراً في أوساط الطلبة والمثقفين، والذي تبنى الماركسية اللينينية لم يتمكن من إنتاج تحليل متماسك للواقع المغربي في جميع جوانبه.

ومن هنا لا ينبغي أن نقرأ الكتاب باعتباره حكماً على جيل كامل أو إدانة لنضالاته. فالشاوي نفسه يرفض اختزال التجربة في وصف جاهز بالفشل، ويعتبر أن الحكم عليها ينبغي أن يكون حكماً تاريخياً، مرتبطاً بشروطها ومسارها ونتائجها (ص 10). لكن الاعتراف بقيمة النضال والتضحيات لا يمنع مساءلة الأفكار والاختيارات التي حكمته.

وهذا بالضبط ما يجعل العودة إلى التجربة مفيدة في الحاضر: ليس لكي نكرر شعاراتها، ولا لكي نعلن موتها، بل لكي نفهم كيف يمكن لمشروع يعلن الدفاع عن مصالح المجتمع أن ينفصل تدريجياً عن القوى الاجتماعية التي يفترض أن يستند إليها.

من التنظيم الثوري إلى البحث عن الشرعية… كيف انتهى الحلم إلى مراجعة الاختيارات؟

إذا كان الجزء الأول من هذه القراءة قد تناول الظروف التي ظهر فيها اليسار المغربي في بداية السبعينيات، والأوساط الاجتماعية التي احتضنته، والتناقض بين مشروعه الثوري وقاعدته الاجتماعية المحدودة، فإن الجزء الثاني يتوقف عند مرحلة أكثر حساسية: مرحلة الاعتقالات والانقسامات، ثم التحولات السياسية والإيديولوجية التي عرفتها منظمة 23 مارس، وصولاً إلى تأسيس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي والبحث عن الشرعية القانونية.

ولا تكمن أهمية هذا المسار في معرفة ما وقع لتنظيم سياسي بعينه فقط، بل في أنه يضعنا أمام سؤال يتجاوز تلك المرحلة: ماذا يحدث للمشروع السياسي عندما يعجز عن تحقيق أهدافه الأولى؟ هل يراجع أدواته وأساليبه مع الاحتفاظ بأفق التغيير، أم أن المراجعة قد تقوده تدريجياً إلى التخلي عن منطلقاته الأولى؟ وكيف يمكن للمعارضة أن تدخل المؤسسات القانونية دون أن تفقد استقلالها وقدرتها على مساءلة السلطة؟

هذه الأسئلة ليست بعيدة عن واقعنا الراهن. فعندما ننظر اليوم إلى أحزاب تتحدث عن الديمقراطية والإصلاح، لكنها تجد نفسها محدودة التأثير في القرار السياسي، وإلى مؤسسات تمارس السياسة داخل مجال ترسم السلطة حدوده، ندرك أن فهم هذه الإشكالات يقتضي العودة إلى التجارب السابقة، لا من أجل إصدار أحكام جاهزة عليها، وإنما لمعرفة كيف تشكلت العلاقة بين المعارضة والدولة، وكيف تطورت فكرة المشاركة السياسية في المغرب.

الاعتقالات: حين يتحول القمع إلى عامل في تغيير التنظيم

لا يتعامل الشاوي مع الاعتقالات التي تعرض لها اليسار باعتبارها مجرد أحداث أمنية أدت إلى اعتقال المناضلين وتعطيل التنظيمات. إنه يحاول أن يبين أثرها في التوازنات الداخلية، وفي تحديد الاتجاه الذي ستسلكه الحركة بعد ذلك.

فبعد الضربة التي تعرضت لها منظمة 23 مارس سنة 1972، أعادت بناء نشاطها، واستعادت حضورها في أوساط الطلبة والتلاميذ، وخاضت نضالات بتنسيق مع فصيل آخر، كما عملت على تطوير بعض منطلقاتها النظرية. لكن هذه العودة لم تكن تعني تجاوز الخلافات السابقة. فقد ظلت التناقضات السياسية والإيديولوجية قائمة، وظهرت بصورة جديدة خلال ندوة أبريل 1973، ثم تفاقمت مع النقاش حول قضية الصحراء (ص 145-146).

وجاءت اعتقالات نونبر 1974 لتوجه ضربة حاسمة إلى البنية التنظيمية. ويعتبر الشاوي أن أهمية هذه الضربة لا تكمن فقط في حجم الاعتقالات، بل في أنها مكنت تياراً معيناً من الانفراد بمبادرات أساسية، من بينها إعادة بناء المنظمة، وتطوير مواقفها السياسية، وإجراء مراجعة لبعض اختياراتها الإيديولوجية السابقة (ص 146).

وهنا نسجل ملاحظة مهمة: لم يكن القمع قوة خارجية تعطل نشاط التنظيم فحسب، بل أصبح عاملاً مؤثراً في تحديد موازين القوى داخله. فعندما تُعتقل القيادات، وتتشتت الأطر، وتنقطع قنوات النقاش والتواصل، يمكن أن تتغير طبيعة القرار التنظيمي، وأن يستفيد اتجاه معين من الفراغ الذي تتركه الضربة الأمنية.

وهذه مسألة ينبغي ألا نغفلها عند دراسة تاريخ التنظيمات السرية. فليس كل تحول سياسي يقع داخلها نتيجة نقاش فكري حر بين أعضائها؛ فقد تكون ظروف القمع والتشتت نفسها قد ساهمت في ترجيح كفة اتجاه على حساب آخر.

قضية الصحراء: تحول في الموقف أم تحول في طريقة اتخاذ القرار؟

يتوقف الشاوي عند موقف منظمة 23 مارس من قضية الصحراء، ويعتبر أن الموقف الذي تبنته المنظمة قبل اعتقالات نونبر 1974 كان مختلفاً عن الموقف الذي استقرت عليه لاحقاً، والقائل بمغربية الصحراء.

لكن اهتمامه لا ينصب على مضمون الموقف وحده، بل على الطريقة التي جرى بها الانتقال إليه. فهو ينتقد ما يعتبره تجاوزاً لقواعد النقاش والقرار داخل المنظمة، ويشير إلى أن بعض الأطر استفادت من ظروف القمع لفرض اختياراتها، دون احترام ما كان يفترض أن تضمنه المركزية الديمقراطية من نقاش وخضوع الأقلية لقرار الأغلبية (ص 147).

ويذكر أن هذا التحول أدى إلى نتيجتين: الأولى داخلية، تمثلت في خروج بعض المناضلين وتشكيل مجموعات مستقلة أو شبه مستقلة في المغرب وفرنسا؛ والثانية سياسية، تمثلت في انتقال المنظمة إلى موقف يلتقي موضوعياً مع الموقف الرسمي للدولة، وإن انطلق من منطلقات وتبريرات مختلفة.

وهنا ينبغي أن نميز بين مسألتين: من حق أي تنظيم سياسي أن يراجع مواقفه، وأن يغير تحليله للقضايا الوطنية والدولية إذا تغيرت معطياته أو اكتشف أخطاء في تصوره السابق. لكن هذا شيء، وأن تُفرض المراجعة في ظروف لا تسمح بنقاش ديمقراطي داخلي شيء آخر.

إن نقد الشاوي، في هذا الموضع، يتعلق أساساً بمسار اتخاذ القرار وبالتحولات التي طرأت على بنية المنظمة. ولذلك لا ينبغي اختزال النقاش في سؤال: هل كان الموقف من الصحراء صحيحاً أم خاطئاً؟ بل يجب أن نضيف إليه سؤالاً آخر: هل احترمت المنظمة قواعدها التنظيمية وهي تنتقل من موقف إلى آخر؟

وهذا السؤال لا يزال مهماً بالنسبة إلى الأحزاب والتنظيمات اليوم. فالمشكلة ليست فقط في المواقف التي تتبناها، بل أيضاً في الكيفية التي تنتج بها تلك المواقف، وفي مدى مشاركة أعضائها في مناقشتها واتخاذ القرار بشأنها.

الديمقراطية و«الهامش الديمقراطي»: بداية المراجعة السياسية

من التحولات التي يتوقف عندها الشاوي اهتمام منظمة 23 مارس المتزايد بمسألة الديمقراطية بعد سنة 1975.

فقد أصبحت السلطة تتحدث عن توطيد الجبهة الداخلية، والمسلسل الديمقراطي، والسلم الاجتماعي، وبدأت المنظمة بدورها تمنح الديمقراطية مكانة متزايدة في خطابها السياسي والإيديولوجي. لكن الشاوي يتساءل عن طبيعة هذا التحول: هل كان نتيجة مراجعة فكرية عميقة، أم أنه أصبح مبرراً للانخراط في المسار السياسي الذي كانت السلطة تعرضه؟

ويستحضر في هذا السياق النقاش الذي أعقب هزيمة يونيو 1967 في العالم العربي، حين جرى ربط الهزيمة بغياب الديمقراطية داخل الأنظمة التي كانت تصف نفسها بالتقدمية، وبإقصاء الجماهير عن المشاركة في القرار السياسي. وقد ساهم هذا النقاش في إبراز أهمية الديمقراطية داخل الفكر اليساري.

غير أن الشاوي يرى أن هذا الاهتمام النظري بالديمقراطية تحول، في حالة المنظمة، إلى سياق إيديولوجي يبرر المشاركة في ما سماه «اللعبة الديمقراطية»، ولو تحت عنوان الاستفادة من «الهامش الديمقراطي» (ص 148).

وهو يطرح هنا فكرة تستحق التوقف: الديمقراطية ممارسة واقعية قبل أن تكون وعياً نظرياً. فلا يكفي أن تتبنى منظمة ما خطاباً ديمقراطياً حتى تصبح الممارسة السياسية داخل المجتمع ديمقراطية بالفعل. كما لا يكفي الحديث عن الهامش المتاح إذا كانت الشروط الأساسية للممارسة السياسية المستقلة لا تزال مقيدة.

وأعتقد أن هذه الملاحظة تساعدنا على فهم الفرق بين الديمقراطية باعتبارها شعاراً تتبناه الأحزاب، والديمقراطية باعتبارها علاقات ومؤسسات وممارسات تسمح للمواطنين بالتنظيم والاختيار والمحاسبة والتأثير في القرار.

فقد تتعدد الأحزاب، وتجرى الانتخابات، وتصدر الصحف، لكن السؤال يظل قائماً: إلى أي حد يستطيع هذا كله أن يؤثر في مراكز القرار؟ وإلى أي حد تستطيع المعارضة أن تتحول من مجرد حضور داخل المؤسسات إلى قوة تملك القدرة على تغيير السياسات؟

«أزمة الوجود»: حين يكتشف التنظيم أن مشكلته أعمق من القمع

يعود الشاوي بعد ذلك إلى الأزمة التي عرفها اليسار الماركسي اللينيني بعد 1975، ويربطها بأزمة منظمة 23 مارس نفسها. ويلاحظ أن اعتقالات 1974 لم تكشف فقط هشاشة التنظيم أمام القمع، بل كشفت أيضاً محدودية ما أنجزه خلال سنوات نشاطه.

فالمهام التي أعلنها اليسار، مثل بناء الحزب الثوري الطليعي، والارتباط بالطبقة العاملة، وتطوير الصراع الاجتماعي، ظلت بعيدة عن النتائج التي كان يطمح إليها. ورغم التوسع النسبي في قطاعات الطلبة والتلاميذ والتعليم، فإن هذا التوسع ظل في نظر الشاوي موسمياً ومحدود الأثر (ص 149).

ويشير إلى أن تاريخ المنظمة خلال سنواتها الأولى كان، في جانب كبير منه، تاريخ انشغال بذاتها التنظيمية: إعادة بناء الهياكل، وإنتاج المواقف، وتطوير التصورات، وإعادة تنظيم الأطر. أي إن التنظيم كان يستهلك جزءاً كبيراً من طاقته في المحافظة على وجوده وإعادة إنتاج نفسه، بينما ظلت علاقته بالصراع الاجتماعي أضعف من طموحاته المعلنة.

ومن هنا ظهر مفهوم «أزمة الوجود» في أدبيات المنظمة بعد 1975، وخصوصاً سنة 1979. ولم يكن المقصود به مجرد أزمة تنظيمية أو نقص في الأطر، بل أزمة في الخط والبرنامج والفكر، وفي الأسس التي قام عليها المشروع اليساري نفسه.

ويعرض الشاوي تفسيرين لهذه الأزمة:

التفسير الأول يربطها بالتكوين الاجتماعي البورجوازي الصغير لليسار، الذي جعله عاجزاً عن ترجمة مهامه الثورية إلى ممارسة فعلية في محيط الصراع الاجتماعي.

أما التفسير الثاني فيربط الأزمة بقصور الخط الثوري نفسه، أي بضعف فهم أوضاع الصراع الطبقي، الأمر الذي أدى إلى انفصال النظرية عن الممارسة.

ولا يحصر الشاوي الأزمة في أحد التفسيرين، بل يرى أنها تطالهما معاً، وأنها تتجاوزهما لتصبح أزمة وجود اليسار نفسه. ومن ثم أصبح المطلوب إعادة بناء الوجود اليساري انطلاقاً من واقع المجتمع المغربي، لا من التصورات التي ينتجها الثوريون داخل دوائرهم التنظيمية (ص 149-150).

وهذه، في تقديري، من أهم خلاصات الكتاب. فالشاوي لا يقول إن اليسار أخفق لأنه لم يكن متشدداً بما يكفي، أو لأنه لم يرفع شعارات أكثر راديكالية، بل لأنه لم يستطع أن يجعل النظرية معرفة بالواقع، وأن يحول هذه المعرفة إلى ممارسة سياسية واجتماعية منظمة.

وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحناه في الجزء الأول: ما قيمة تبني إيديولوجية الطبقة العاملة إذا لم يستطع التنظيم أن يبني علاقة فعلية بهذه الطبقة؟ وما قيمة الحديث عن الجماهير إذا ظلت الجماهير موضوعاً للخطاب، لا طرفاً مشاركاً في إنتاج القرار السياسي؟

من مراجعة التجربة إلى البحث عن الشرعية

يعتبر الشاوي أن منظمة 23 مارس أعادت صياغة توجهاتها العامة بعد 1975، وسعت إلى التخلص من العزلة والهامشية، والاندماج في مسيرة النضال الوطني، وتكوين محور يساري معتدل (ص 150).

وبذلك أصبح البحث عن الشرعية القانونية تعبيراً عن اختيار سياسي جديد، وليس مجرد إجراء إداري يسمح للمنظمة بممارسة نشاطها علناً.

ولفهم هذا التحول، ينبغي أن نتذكر أن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي تقدمت بطلب الحصول على الشرعية في فاتح يناير 1983، ولم تحصل عليها رسمياً إلا في 4 ماي من السنة نفسها (ص 132-133). ويشير الشاوي إلى أن هذا التأخر لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد تماطل إداري، بل بوصفه مؤشراً على طبيعة العلاقة بين السلطة والحق في التنظيم السياسي.

فالأصل، في التصور الديمقراطي، أن يكون تأسيس الأحزاب وممارسة النشاط السياسي حقاً مكفولاً بالقانون، لا منحة تمنحها السلطة لمن تقبل بوجوده. لكن الشاوي يرى أن التجربة المغربية أظهرت أن السلطة تتعامل مع الشرعية السياسية باعتبارها مجالاً تتحكم فيه، وتربط الاعتراف بالقوى المعارضة بمدى قبول هذه القوى بشروطها وحدودها.

ومن هنا يقدم أربع ملاحظات نظرية حول الشرعية في المغرب (ص 134-136):

أولاً، إن السلطة لا تعترف بشرعية قوة سياسية إلا بقدر ما تعترف هذه الأخيرة بشرعية السلطة نفسها، وهو ما يجعل العلاقة غير متكافئة بين طرف يمتلك أجهزة الدولة والقانون ووسائل الإكراه، وأطراف معارضة لا تمتلك القوة نفسها.

ثانياً، تتحول الشرعية من حق سياسي عام إلى منحة مشروطة، تمنحها السلطة للقوى التي تراها قادرة على ضمان الاستقرار، أو التي تقبل التزامات سياسية معينة.

ثالثاً، ترسم السلطة حدوداً للعمل السياسي المشروع، من خلال ثلاثة شروط: العمل داخل المؤسسات القائمة، والعمل في نطاق البنيات والهياكل الموجودة، والالتزام بالقوانين الجاري بها العمل.

رابعاً، تقوم إيديولوجية الشرعية، في نظر الشاوي، على ركنين: الولاء والخضوع من جهة، والتبرير والإصلاح من جهة أخرى.

إنه تحليل نقدي لطبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة. فالسلطة، حسب هذا التصور، لا تكتفي بتنظيم التنافس السياسي، بل تسعى إلى تحديد المجال الذي يسمح للمعارضة بالتحرك داخله، وإلى جعل الاعتراف القانوني مرتبطاً بقبول تلك الحدود.

الانفتاح السياسي: لماذا سمحت السلطة بترخيص اليسار؟

لا يكتفي الشاوي بتحليل مفهوم الشرعية، بل ينتقل إلى الظروف السياسية التي أحاطت بترخيص منظمة العمل الديمقراطي الشعبي.

ففي تلك المرحلة كانت السلطة تتحدث عن الانفتاح السياسي، وتستعد للانتخابات، وأفرجت عن بعض المعتقلين السياسيين، وسمحت لبعض الأحزاب باستعمال الإذاعة والتلفزة خلال الحملات الانتخابية. كما كانت البلاد تعيش أزمة سياسية واقتصادية، وكان موضوع الانتخابات يثير نقاشاً واسعاً بين القوى السياسية (ص 137-139).

ويرى الشاوي أن هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن حاجة السلطة إلى تدبير الأزمة وإظهار صورة من الانفتاح، مع الاحتفاظ بالتحكم في المجال السياسي. ولذلك لا يعتبر الترخيص للمنظمة دليلاً كافياً على حدوث تحول ديمقراطي حقيقي.

ويطرح فرضية أن السلطة لم تكن لتسمح للمنظمة بالعمل القانوني لو لم تكن قد قدرت حدود نشاطها وأهدافها ونتائجها المحتملة. فالشرعية، وفق هذا التحليل، ليست إجراءً شكلياً، وإنما قرار سياسي يرتبط باستراتيجية السلطة في تنظيم المجال العام وضبط المعارضة (ص 136-138).

وهنا يطرح الشاوي مسألة التعددية الحزبية. فهو لا يعارض التعددية في حد ذاتها، ولا يدافع عن نظام الحزب الواحد، بل ينتقد ما يعتبره توظيفاً للتعددية في إطار سياسة «فرق تسد».

فبدل أن تكون التعددية تعبيراً عن الاختلافات الاجتماعية والسياسية الحقيقية، يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتفكيك المعارضة وإضعاف قدرتها على تنظيم الجماهير. وقد تنشأ أحزاب ومنظمات موالية للسلطة، تقوم بدور الوسيط بينها وبين المواطنين، بينما تظهر الساحة السياسية من الخارج وكأنها تتمتع بتعددية واسعة (ص 140-141).

والأهم في هذا التحليل أن السلطة لا تستفيد فقط من وجود أحزاب موالية، بل تستفيد أيضاً من تشتت المعارضة، ومن تحول الاختلاف السياسي إلى تعدد شكلي لا يرافقه استقلال اجتماعي وتنظيمي حقيقي.

ومن هنا يفسر الشاوي الترخيص لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي باعتباره، من جهة، استجابة لظروف سياسية معينة، ومن جهة أخرى، مراهنة على استيعاب الامتداد اليساري المنظم وغير المنظم داخل الحياة السياسية الرسمية.

ويشير إلى أن السلطة يمكن أن تستفيد من انتقال تنظيم سري إلى العمل القانوني، لأنها تصبح أكثر قدرة على معرفة هياكله وأنشطته ومجالات تحركه، كما يصبح التنظيم نفسه مطالباً بمراعاة الحدود التي يسمح بها المجال القانوني. وقد يدفعه ذلك إلى تليين مواقفه باسم الواقعية والنضج السياسي (ص 141-142).

ويحدد الشاوي فائدتين أساسيتين للسلطة: حصر أشكال المعارضة الرسمية وضبطها ومراقبة تطورها، وإيهام الرأي العام الداخلي والخارجي بوجود مناخ من الحرية والانفتاح، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بترخيص تيار يساري كان إلى وقت قريب يتبنى خطاباً ثورياً (ص 142).

منظمة العمل الديمقراطي الشعبي: من السرية إلى العلنية

بعد هذا التحليل العام، يعود الشاوي إلى تاريخ منظمة 23 مارس، موضحاً أن المنظمة نشأت سنة 1970 من أنوية سياسية متفرقة، تشكلت إثر انشقاق عناصر عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكان معظم أعضائها من الشباب المثقف والطلبة الجامعيين في الرباط وفاس، ومن النشطاء داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (ص 143-144).

وقد جمعت هذه الأنوية أطروحات سياسية وإيديولوجية متقاربة. فمن الناحية السياسية، أعلنت إفلاس الإصلاحية وفشل البورجوازية الصغيرة في إنجاز مهام التحرر الوطني. ومن الناحية الإيديولوجية، تبنت الماركسية اللينينية، وطرحت قضايا الحزب الثوري والتحالف العمالي الفلاحي والعنف الثوري، متأثرة بالتجربتين الروسية والصينية وبأطروحات اليسار الفلسطيني واللبناني (ص 144).

لكن الشاوي يؤكد أن الانسجام بين هذه الأطروحات لم يستمر طويلاً. فقد كانت المنظمة تضم تيارات فكرية ذات أصول مختلفة، كما ظلت بعيدة عن ساحة الصراع الاجتماعي خارج الجامعة. ولذلك ظهر الخلاف بين «الخط الداخلي» الذي كان يركز على التكوين الذاتي الفكري والسياسي والتنظيمي، و«الخط الجماهيري» الذي كان يدعو إلى الارتباط بالنضالات الجماهيرية والمساهمة فيها (ص 145).

ومع مرور الوقت، أدت الاعتقالات والانقسامات والمراجعات السياسية إلى إعادة تشكيل المنظمة. وبعد 1975، أخذت تتجه نحو تصور جديد للعمل السياسي، يقوم على تجاوز السرية التنظيمية والبحث عن موقع داخل المجال السياسي العلني.

وفي هذا السياق يبرز صدور العدد الأول من جريدة «أنوال» يوم 15 نونبر 1979، باعتباره خطوة مهمة في بناء حضور إعلامي مستقل للمنظمة. كما ظهر تيار «الطلبة الديمقراطيين» داخل الحركة الطلابية، وامتد النشاط إلى المجال النقابي، خصوصاً داخل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وإن ظل هذا الحضور ضعيفاً ومحاصراً، حسب وصف الشاوي (ص 151-152).

ويذكر الكاتب أيضاً أن المنظمة أصدرت في أواخر 1979 تعميماً داخلياً يقضي بتجميد كل نشاط تنظيمي سري. وهذا يعني أن التحول نحو العمل العلني لم يكن مجرد نتيجة للحصول على الترخيص سنة 1983، بل كان اختياراً سياسياً بدأ يتبلور قبل ذلك بسنوات.

وهنا ينبغي التمييز بين تاريخ التحول السياسي وتاريخ الاعتراف القانوني: الأول بدأ مع المراجعات التي عرفتها المنظمة بعد 1975، وتكرس عملياً مع تجميد النشاط السري وصدور «أنوال» سنة 1979، أما الثاني فجاء سنة 1983 بعد تقديم طلب الترخيص.

الشرعية بين إمكان التغيير وخطر الاستيعاب

لا ينتهي الشاوي إلى رفض العمل القانوني أو اعتبار الانتقال إلى العلنية خطأ في ذاته. فهو يعترف بأن المنظمة اختارت هذا الطريق عن قناعة، وأن مستقبلها السياسي أصبح مرتبطاً بالعمل الديمقراطي العلني.

لكنه يطرح سؤالاً أكثر صعوبة: كيف يمكن لهذا العمل أن يتطور في ظل سلطة تمنع تطوره أو تجعل تحقيقه أمراً معاقاً؟ وما آفاقه في ظل بنية سياسية واجتماعية واقتصادية تقوم على اختيارات رأسمالية تبعية؟ وهل سيعيد إنتاج خطاب الإصلاح الوهمي، أم سيحافظ على إمكان التغيير الجذري؟ (ص 152).

هذه الأسئلة هي التي تمنح النص قيمته النقدية. فالكاتب لا يكتفي بتسجيل حصول المنظمة على الترخيص، ولا يعتبره نهاية سعيدة لمسار طويل من النضال السري، بل ينظر إليه باعتباره بداية اختبار جديد: هل تستطيع المنظمة أن تعمل بصورة قانونية دون أن تتحول إلى جزء من المجال السياسي الذي تتحكم السلطة في حدوده؟

وفي الهامش الأول من الصفحة 153 يوضح الشاوي أن هذا النص كُتب بعد الترخيص للمنظمة، وتزامن مع الحملة الانتخابية، لكنه لم ينشر في حينه لأسباب خاصة. وهذه الإشارة تساعد على تحديد سياق النص: إنه ليس تأملاً متأخراً يكتب بعد عقود من التجربة، بل تدخل نقدي ارتبط مباشرة باللحظة السياسية التي انتقلت فيها المنظمة إلى العمل القانوني.

من تجربة الأمس إلى واقع اليوم: ما الذي بقي من الأسئلة؟

عندما نربط هذا المسار بما نعيشه اليوم، ينبغي ألا نقع في خطأ إسقاط أحداث الحاضر على الماضي، أو افتراض أن الشروط السياسية والاجتماعية لم تتغير منذ بداية الثمانينيات. فقد عرف المغرب تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية، وتغيرت أشكال الاحتجاج والتواصل، وظهرت أجيال جديدة لا تستعمل بالضرورة اللغة الإيديولوجية نفسها التي كانت سائدة في السبعينيات.

لكن بعض الإشكالات التي طرحها الشاوي ما زالت صالحة للنقاش.

أولها العلاقة بين الأحزاب والسلطة. فوجود الأحزاب والمؤسسات والانتخابات لا يحسم وحده طبيعة النظام السياسي، ما دام السؤال المتعلق بمراكز القرار الفعلي وحدود استقلال المؤسسات قائماً. وهذا لا يعني أن كل شيء بقي كما كان، بل يعني أن دراسة التطور السياسي تقتضي التمييز بين التغير في الأشكال والمؤسسات وبين التغير في توزيع السلطة والقدرة على اتخاذ القرار.

وثانيها مشكلة التمثيل الاجتماعي. فقد كان اليسار في السبعينيات يتحدث باسم الطبقة العاملة والفلاحين، لكنه لم يستطع بناء ارتباط اجتماعي متين بهم. واليوم يمكن أن نعيد طرح السؤال بصيغة أخرى: إلى أي حد تعبر الأحزاب عن الفئات الشعبية التي تقول إنها تمثلها؟ وهل تملك هذه الفئات وسائل حقيقية للتأثير في برامج الأحزاب وقراراتها، أم أن العلاقة تظل موسمية، تنشط خلال الانتخابات ثم تخفت بعدها؟

وثالثها العلاقة بين الإصلاح والتغيير. فالانتقال إلى المؤسسات والعمل القانوني ليس في حد ذاته دليلاً على التخلي عن المطالب الاجتماعية، كما أن الخطاب الراديكالي لا يضمن وحده امتلاك مشروع للتغيير. المعيار هو ما إذا كان العمل السياسي يستطيع أن يوسع مجال الحقوق والحريات، وأن ينظم المصالح الاجتماعية، وأن يجعل المؤسسات خاضعة للمحاسبة والتأثير الشعبي.

ورابعها مسألة التنظيم والديمقراطية الداخلية. فقد أظهرت تجربة 23 مارس أن التنظيم الذي يعلن الدفاع عن الديمقراطية قد يعجز عن ممارستها داخل صفوفه، خصوصاً عندما تتدخل الاعتقالات والصراعات الداخلية وتتحول القرارات الكبرى إلى اختيارات تفرضها موازين القوى. وهذا يذكرنا بأن الديمقراطية ليست فقط مطلباً موجهاً إلى الدولة، بل هي أيضاً ممارسة ينبغي أن تبدأ داخل الأحزاب والتنظيمات نفسها.

أما المسألة الخامسة فتتعلق بالذاكرة السياسية. لقد أشار الشاوي إلى أن خلاصات التجربة ظلت حبيسة لدى أصحابها، ولم تتحول إلى معرفة عامة. وهذا ما يجعل نشر الشهادات والمذكرات والدراسات النقدية ضرورة، لا من أجل تمجيد الماضي، وإنما حتى لا تتحول التجارب السياسية إلى أساطير أو إلى ملفات مغلقة لا يسمح بمناقشتها.

خلاصة تركيبية: ما الذي يقوله الكتاب في مجموعه؟

إذا حاولنا جمع مفاصل الكتاب، أمكن القول إن عبد القادر الشاوي يقدم تفسيراً مركباً لنشأة اليسار المغربي وأزمته وتحوله السياسي.

ففي البداية ظهر اليسار في سياق أزمة الأحزاب الوطنية والإصلاحية، وبعد أحداث مارس 1965 وهزيمة يونيو 1967، متأثراً بالتحولات الفكرية والسياسية التي عرفتها الحركة العربية واليسارية العالمية. وقد وجد حاضنته الأساسية في الجامعة وأوساط الشباب المثقف، حيث تشكلت أطروحاته الماركسية اللينينية وخطابه الداعي إلى القطيعة مع الإصلاحية.

لكن هذه النشأة حملت معها تناقضاً بنيوياً: فالحركة التي أعلنت أنها تمثل الطبقة العاملة والفلاحين والجماهير الشعبية كانت تتكون أساساً من الطلبة والمثقفين والفئات الدنيا من البورجوازية الصغيرة المدينية. ولم تستطع، رغم محاولات التوسع، أن تتجاوز بصورة جوهرية هذه البنية الاجتماعية.

ثم جاءت الاعتقالات والانقسامات لتكشف هشاشة التنظيمات، وتؤثر في موازين القوى داخلها. ومع تراجع القدرة على تحقيق المهام الثورية المعلنة، برزت أزمة الوجود، وأصبحت المراجعة السياسية والإيديولوجية ضرورة داخل المنظمة.

لكن المراجعة لم تقتصر على إعادة النظر في وسائل العمل، بل مست طبيعة المشروع نفسه. فقد انتقلت منظمة 23 مارس من العمل السري إلى البحث عن الشرعية القانونية، ومن الخطاب الثوري إلى المراهنة على العمل الديمقراطي والإصلاح، ومن محاولة بناء تنظيم ثوري مستقل إلى السعي للاندماج في الحياة السياسية العلنية.

وهنا يضع الشاوي المسألة الأساسية: هل يمكن لتنظيم معارض أن يحافظ على استقلاله داخل مجال سياسي تحدد السلطة شروطه وحدوده؟ وهل يستطيع العمل القانوني أن يكون وسيلة لتوسيع التغيير، أم أنه قد يتحول إلى آلية لاستيعاب المعارضة وإعادة إنتاج النظام السياسي القائم؟

إن الكتاب لا يقدم جواباً نهائياً عن هذه الأسئلة، بل يتركها مفتوحة، خصوصاً في خاتمته. وهذه ميزة في تقديري؛ لأنه لا يحول التجربة إلى حكاية مكتملة، ولا يختزلها في انتصار أو هزيمة، بل يجعلها موضوعاً للنقاش التاريخي والسياسي.

ومع ذلك، يمكن تسجيل بعض الحدود في تحليل الشاوي. فهو يمنح أهمية كبيرة للبنية الاجتماعية والإيديولوجية لليسار، ولأزمته التنظيمية، لكنه لا يقدم بالقدر نفسه تحليلاً مفصلاً للبنية الاقتصادية والسياسية للدولة المغربية، ولا لشروط العمل النقابي والعمالي، ولا لكيفية تأثير القمع في إمكان بناء تنظيم جماهيري مستقل. كما أن نقده للانتقال نحو الشرعية يميل أحياناً إلى التشديد على خطر الاستيعاب أكثر من مناقشة الإمكانات التي قد يفتحها العمل العلني من فرص للتنظيم والتعبئة وتوسيع الحريات.

ولا يعني ذلك أن هذه الملاحظات تلغي قيمة الكتاب، بل إنها تفتح مجالاً لاستكمال النقاش الذي بدأه صاحبه. فالقراءة النقدية لا تعني الموافقة على كل ما يقوله الكاتب، كما لا تعني البحث عن أخطائه فقط؛ إنها تعني أن نأخذ أسئلته على محمل الجد، وأن نختبر استنتاجاته، وأن نضيف إليها ما تسمح به معرفتنا بالواقع.

في النهاية، لا أرى أن قيمة هذا الكتاب تكمن في تقديمه صورة عن يسار مضى وانتهى، بل في أنه يكشف عن مشكلة سياسية أوسع: الفجوة التي قد تنشأ بين المشروع الذي يعلنه التنظيم، والواقع الاجتماعي الذي يتحرك فيه، والسلطة التي يحاول مواجهتها أو العمل داخل المجال الذي تنظمه.

لقد أراد يسار السبعينيات تغيير المجتمع، لكنه لم يستطع بناء قاعدة اجتماعية بحجم طموحه، ثم وجد نفسه أمام خيار إعادة بناء مشروعه في شروط سياسية جديدة. وبين الحلم الأول والاختيار اللاحق تراكمت التناقضات التي يحاول الشاوي تفكيكها.

ولعل الدرس الذي نستخلصه اليوم هو أن التغيير لا يتحقق بمجرد امتلاك خطاب نقدي، ولا بمجرد رفع شعارات جذرية، ولا بمجرد الحصول على الاعتراف القانوني. إنه يحتاج إلى معرفة دقيقة بالمجتمع، وتنظيم مستقل وديمقراطي، وارتباط فعلي بمصالح الناس ونضالاتهم، وقدرة على تحويل المطالب الاجتماعية إلى قوة سياسية مؤثرة.

ففهم الحاضر يقتضي العودة إلى جذوره، لا لكي نبقى أسرى الماضي، بل لكي لا نكرر أخطاءه، ولكي نميز بين ما تغير فعلاً وما ظل يعيد إنتاج نفسه في أشكال جديدة.

مراجع واحالات:

•  عبد القادر الشاوي، اليسار في المغرب 1970-1974: تجربة الحلم والغبار، الطبعة الأولى، 1992، منشورات على الأقل. بيانات الطبعة تؤكدها فهارس المكتبات. 2

•  للتعريف بالكاتب ومساره: عبد القادر الشاوي ضيف سيرة ومسار – SNRT News، ودراسة حول عبد القادر الشاوي ومساره الثقافي.

•  البنية الاجتماعية والإيديولوجية ونهاية المرحلة اليسارية: ص 125-126.

•  «اليسار والمشروعية»: ص 131-152.

•  الهوامش التي توضح سياق كتابة النص: ص 153

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *