حاملو الشهادات البالغون 40 سنة فما فوق: من الفئات المنسية في سياسة التشغيل بالمغرب.

حاملو الشهادات البالغون 40 سنة فما فوق: من الفئات المنسية في سياسة التشغيل بالمغرب.
شارك

 بين الحق في الشغل والكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص، جيل يرفض أن يتحول إلى فئة غير مرئية.

بقلم، محمد خوخشاني.

هناك أشكال من الحيف الاجتماعي لا تجد بالضرورة طريقها إلى واجهة النقاش العمومي، لكنها تستقر في حياة آلاف المواطنين، وتتحول مع مرور الزمن إلى مصدر للإحباط والشعور بالإقصاء. ومن بين هذه الأشكال الوضعية التي يعيشها عدد من حاملي الشهادات الجامعية الذين تجاوزوا سن الأربعين، دون أن يتمكنوا من الحصول على عمل قار أو تحقيق اندماج مهني يضمن لهم الاستقلال المادي والعيش الكريم.

إنهم مواطنون استثمروا سنوات طويلة من أعمارهم في التحصيل العلمي، وتحملت أسرهم من أجل تعليمهم تضحيات مادية ومعنوية كبيرة، على أمل أن يشكل الحصول على الشهادة الجامعية جسراً نحو العمل والاستقرار الاجتماعي. لكن سنوات الانتظار تتراكم، وفرص التشغيل تتقلص، ليجد بعضهم أنفسهم أمام واقع مفارق: شهادات علمية في اليد، ورغبة في العمل، واستعداد للعطاء، مقابل أبواب مهنية موصدة بسبب شرط السن.

لقد أعاد القرار الأخير القاضي برفع السن الأقصى لاجتياز مباريات توظيف أطر التدريس إلى 40 سنة، النقاش حول هذه الفئة إلى الواجهة. وإذا كان هذا القرار قد اعتُبر من طرف البعض خطوة نحو توسيع دائرة المستفيدين من فرص التوظيف، فإنه يظل، بالنسبة إلى آخرين، إجراء محدود الأثر، لا يستجيب بالشكل الكافي لوضعية أولئك الذين تجاوزوا هذا الحد العمري، وظلوا لسنوات خارج دائرة الاستفادة من فرص الإدماج المهني.

وهنا يبرز سؤال اجتماعي وسياسي يستحق أن يوضع في صلب النقاش الوطني:

من أي سن يصبح حامل الشهادة الجامعية غير مرغوب فيه في سوق الشغل، وتتحول مؤهلاته العلمية إلى مجرد وثائق لا تفتح أمامه أبواب المستقبل؟

 جيل من حاملي الشهادات… وكفاءات لم تجد طريقها إلى سوق الشغل.

لقد بذل المغرب، على امتداد عقود، جهوداً لتوسيع قاعدة التعليم والتكوين، وتعزيز الولوج إلى الجامعة، وإعداد أجيال متعاقبة من الخريجين في مختلف التخصصات.

وقد استثمرت الأسر المغربية جزءاً مهماً من مواردها وإمكاناتها في تعليم أبنائها، انطلاقاً من قناعة مفادها أن التحصيل العلمي يشكل أحد أهم مفاتيح الترقي الاجتماعي والاندماج الاقتصادي.

غير أن الحصول على الشهادة لم يكن دائماً ضمانة للولوج إلى سوق الشغل.

فكم من حامل للإجازة أو الماستر ظل لسنوات يبحث عن منصب يتناسب مع مؤهلاته؟ وكم من خريج اجتاز مباريات متعددة دون أن يحالفه الحظ؟ وكم من شاب اضطر إلى قبول أعمال مؤقتة أو أنشطة غير مستقرة، لا تعكس مستواه الدراسي ولا طموحاته المهنية؟

ومع مرور السنوات، تتغير الظروف الاجتماعية، وتتزايد المسؤوليات الأسرية، وتصبح الحاجة إلى العمل أكثر إلحاحاً. وفي الوقت الذي ينتظر فيه هؤلاء فرصة لإثبات قدراتهم، يجدون أن السن نفسه أصبح عائقاً إضافياً أمام إدماجهم المهني.

والحال أن تجاوز الأربعين لا يعني بالضرورة غياب التجربة أو ضعف الكفاءة أو فقدان القدرة على التعلم والإنتاج. فقد راكم بعض هؤلاء تجارب مهنية وجمعوية وتربوية متنوعة، واكتسب آخرون مهارات ومعارف تجعلهم قادرين على الاندماج في وظائف متعددة.

لذلك، لا يمكن اختزال وضعيتهم في مجرد مسألة مرتبطة بالعمر.

 مفارقة تحديد سقف السن في 40 سنة.

إن قرار رفع السن الأقصى لاجتياز مباريات توظيف أطر التدريس من 35 إلى 40 سنة يشكل تغييراً في شروط الولوج إلى هذه المهنة، وقد استجاب، جزئياً، لمطالب فئة من حاملي الشهادات الذين كانوا يطالبون بتوسيع فرص المشاركة في مباريات التوظيف.

وقد استند تبرير هذا التحديد، من بين ما استند إليه، إلى المدة المتبقية للمترشح قبل بلوغ سن التقاعد القانوني المحدد في 63 سنة، بما يسمح نظرياً بمسار مهني يمتد إلى 23 سنة بالنسبة إلى من يتم توظيفه في سن الأربعين.

وإذا كان هذا الاعتبار قابلاً للنقاش من زاوية تدبير الموارد البشرية، فإنه لا ينبغي أن ينهي النقاش حول مبدأ تكافؤ الفرص.

فلماذا يتحول سن الأربعين إلى عتبة فاصلة بين من يحق له الترشح ومن يصبح خارج دائرة المنافسة؟

هل يفقد المترشح قدرته على التدريس بمجرد تجاوزه هذه السن؟ وهل تتراجع كفاءته العلمية أو قدراته التواصلية أو استعداده للتعلم والتكوين بسبب بلوغه مرحلة عمرية معينة؟

إن الكفاءة المهنية لا تنتهي بانتهاء سنة من العمر، والقدرة على التعلم ونقل المعرفة والتكيف مع المستجدات لا تخضع بالضرورة للحدود الإدارية التي تضعها أنظمة التوظيف.

والأهم من ذلك أن الذين تجاوزوا الأربعين لا يفقدون، بمجرد ذلك، حقهم في العمل وفي المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

 عندما تعيد معايير الانتقاء إنتاج الإقصاء.

إن شبكة التنقيط المعتمدة في الانتقاء الأولي لمباريات التعليم تثير بدورها مجموعة من التساؤلات المشروعة.

فمنح 25 نقطة للمترشحين الذين لا يتجاوز عمرهم 22 سنة، و15 نقطة لمن يبلغون 23 سنة، و5 نقاط لمن يبلغون 24 سنة، مقابل صفر نقطة لمن تجاوزوا هذا السن، يجعل من العمر عاملاً مؤثراً بقوة في تحديد حظوظ المترشحين.

وتضاف إلى ذلك النقط المخصصة للميزات المحصل عليها في شهادتي البكالوريا والإجازة، بما يمنح أهمية كبيرة للمسار الدراسي السابق، دون أن يكون ذلك كافياً بالضرورة لقياس الكفاءات المهنية الحالية للمترشح.

وليس المقصود هنا التقليل من قيمة التميز الدراسي أو الاعتراض على مبدأ الاستحقاق، وإنما التساؤل عن مدى وجاهة اعتماد هذه المعايير باعتبارها مؤشرات حاسمة في اختيار الأطر التربوية.

فقد يكون مترشح في الثامنة والثلاثين أو الأربعين من عمره، حاصلاً على الإجازة بميزة مقبول، لكنه يتوفر على قدرات معرفية وتواصلية وتربوية وخبرات حياتية تجعله مؤهلاً لممارسة مهنة التدريس.

وفي المقابل، لا تكفي ميزة حسن جداً، مهما كانت قيمتها العلمية، وحدها لإثبات امتلاك صاحبها جميع المؤهلات الضرورية لممارسة هذه المهنة.

إن المطلوب هو الانتقال من منطق الانتقاء الذي يركز أساساً على النتائج الدراسية والعمر إلى منطق تقييم أكثر شمولية، يأخذ بعين الاعتبار المعارف والمهارات والاستعدادات والقدرة الفعلية على أداء المهام المهنية.

 بطالة حاملي الشهادات: واقع يستدعي حلولاً بنيوية.

إن قضية حاملي الشهادات الذين تجاوزوا الأربعين لا ينبغي حصرها في مباراة التعليم أو في قطاع الوظيفة العمومية، لأنها تعكس إشكالاً أوسع يرتبط بمدى قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب الكفاءات التي تنتجها المنظومة التعليمية والجامعية.

وتؤكد معطيات المندوبية السامية للتخطيط، خلال الفصل الثالث من سنة 2026، أن معدل البطالة الوطني بلغ 10.5 في المائة، بينما وصل إلى 18.1 في المائة لدى حاملي الشهادات العليا، كما سجل النسبة نفسها لدى حاملي الشهادات المتوسطة، وفق التصنيف المعتمد في البحث الجديد حول اليد العاملة.

ولا تعني هذه الأرقام أن جميع حاملي الشهادات الذين تجاوزوا الأربعين يعيشون الوضعية نفسها، كما لا تسمح وحدها بتحديد حجم البطالة داخل هذه الفئة العمرية. لكنها تؤكد أن الحصول على شهادة علمية لا يضمن، في حد ذاته، الاندماج في سوق الشغل.

إن الأمر يستدعي سياسة عمومية لا تكتفي بإنتاج الخريجين، بل تعمل أيضاً على توفير شروط إدماجهم، وإعادة تأهيلهم، وتثمين خبراتهم ومهاراتهم طيلة مسارهم المهني.

 الحق في الشغل لا ينبغي أن تكون له مدة صلاحية.

إن النقاش حول هذه الفئة لا ينبغي أن يظل محصوراً في تحديد السن الأقصى لاجتياز مباريات الوظيفة العمومية، بل يتعين توسيعه ليشمل التصور العام للحق في الشغل ومسؤولية الدولة في محاربة الإقصاء المهني.

فالدستور المغربي يكرس الحق في الشغل ومبدأ المساواة في الولوج إلى الوظائف وفق الشروط التي يحددها القانون. وهي مبادئ تستدعي إخضاع مختلف آليات الانتقاء والتوظيف للنقاش والتقييم، خصوصاً عندما يمكن لبعض الشروط الإدارية أن تنتج آثاراً إقصائية غير متناسبة مع الكفاءات المطلوبة.

وليس المقصود أن تضمن الدولة منصباً عمومياً لكل حاصل على شهادة جامعية، إذ لا يمكن لأي دولة أن تتعهد بتوظيف جميع خريجي الجامعات في القطاع العام.

لكن من واجب السياسات العمومية توفير مساطر توظيف منصفة، وتطوير جسور العبور نحو القطاع الخاص، والاعتراف بالكفاءات والخبرات المكتسبة خارج المسارات المهنية التقليدية، وعدم جعل السن وحده سبباً كافياً لإقصاء المترشحين بشكل آلي.

 أية حلول لفائدة حاملي الشهادات الذين ظلوا خارج دائرة التشغيل؟

إن بناء سياسة تشغيل أكثر إنصافاً وفعالية يقتضي التفكير في مجموعة من الإجراءات، من بينها:

أولاً: تنويع مسالك الولوج إلى الوظيفة العمومية، وإعادة النظر في الحدود العمرية وفقاً للمتطلبات الفعلية لكل مهنة وحاجيات المرافق العمومية، مع اعتماد المرونة حيثما تسمح طبيعة الوظيفة بذلك.

ثانياً: مراجعة معايير الانتقاء الأولي، بما يضمن التوازن بين النتائج الدراسية والكفاءات المهنية والقدرات المعرفية والتجارب المكتسبة.

ثالثاً: إحداث برامج خاصة لإعادة التأهيل والتكوين المستمر، تمكن حاملي الشهادات الذين ابتعدوا عن سوق الشغل من تجديد معارفهم وتطوير مهاراتهم واستعادة فرصهم في الإدماج المهني.

رابعاً: تطوير الشراكة مع القطاع الخاص، وتشجيع المقاولات على الاستفادة من الكفاءات والخبرات المتراكمة لدى الأشخاص الذين تجاوزوا الأربعين.

خامساً: توفير مواكبة خاصة للعاطلين عن العمل لمدة طويلة، ولا سيما الذين تجاوزوا الحدود العمرية المعتمدة في بعض برامج الإدماج، حتى لا يتحول الإقصاء من مباراة أو برنامج إلى إقصاء من سوق الشغل برمته.

سادساً: تحقيق توازن أفضل بين التكوين الجامعي وحاجيات الاقتصاد الوطني، حتى لا تتحول الشهادات إلى مؤهلات علمية تفتقر إلى منافذ حقيقية للتشغيل.

إن هذه المقترحات ليست امتيازات لفئة دون أخرى، وإنما هي مداخل لإعادة التفكير في نجاعة السياسة الوطنية للتشغيل وفي مدى قدرتها على تثمين الرأسمال البشري المتاح للمجتمع.

 لا تجعلوا من العمر حكماً بالإقصاء الاجتماعي!

لقد آن الأوان لإعادة النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع النساء والرجال الذين تجاوزوا الأربعين دون أن يتمكنوا من تحقيق الاستقرار المهني الذي كانوا يطمحون إليه.

فوراء كل طلب ترشيح مرفوض قد تكون هناك قصة إنسانية، وسنوات من الدراسة، وتضحيات أسرية، ومسؤوليات اجتماعية، وآمال تأجل تحقيقها، وإرادة لا تزال قائمة للمساهمة في خدمة المجتمع.

ومن غير المنصف أن نتعامل مع مستقبلهم المهني وكأنه أصبح من الماضي.

ففي الأربعين يمكن للإنسان أن يتعلم ويُدرّس ويُبدع ويُنتج ويُقاول ويساهم في تنمية بلده. وحتى في سن الخامسة والأربعين أو الخمسين وما بعدها، يمكن أن تشكل التجربة المتراكمة والمعارف المكتسبة رصيداً مهماً للاقتصاد الوطني.

إن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من سياسة انتقاء تقوم أساساً على الحدود العمرية والإدارية إلى سياسة تثمين للرأسمال البشري، تضع الكفاءات الفعلية للأفراد وحاجيات المجتمع في صلب اختياراتها.

فالمغرب لا يمكنه أن يستثمر في تكوين أجيال من حاملي الشهادات، ثم يترك جزءاً منهم على هامش الحياة المهنية والاقتصادية.

إن ثروة الأمم لا تقاس فقط بعدد مناصب الشغل التي تحدثها، بل أيضاً بقدرتها على عدم التفريط في الكفاءات والخبرات والطاقات البشرية المتاحة لديها.

هؤلاء الخريجون لا يطالبون بالتخلي عن معايير الاستحقاق، ولا بمنحهم امتيازات على حساب غيرهم. إنهم يطالبون فقط بعدم الخلط بين الاستحقاق وصغر السن، وبين الكفاءة والحداثة في التخرج، وبين العمر والقدرة على العطاء.

إنهم لا يطالبون بامتياز، بل يطالبون بمكان لهم داخل المجتمع، وبفرصة حقيقية للمساهمة في تنميته.

فالحق في العمل، وفي العطاء، وفي العيش الكريم، لا ينبغي أن تكون له مدة صلاحية تنتهي بمجرد بلوغ سن الأربعين.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *