بين الجوع والحرية والهوية: قراءة نقدية لرواية «الخبز الحافي» لمحمد شكري
محمد السميري:
من بين الأعمال الروائية العربية التي تركت بصمة قوية في الذاكرة الأدبية، تبرز رواية «الخبز الحافي» لمحمد شكري كواحدة من أهم النصوص التي صورت حياة الهامش بكل قساوتها وصراعاتها النفسية والاجتماعية. منذ صدورها عام 1973، أثارت الرواية جدلاً واسعًا بسبب أسلوبها الصادم والمباشر وموضوعها الجريء، وتحليلها العميق للظروف التي تشكل شخصية الإنسان في بيئة يُسيطر عليها الفقر والاضطهاد^[1].
ما يجعل «الخبز الحافي» نصًا فريدًا هو أنها ليست مجرد حكاية خيالية، بل سيرة ذاتية تحوّلت إلى وثيقة اجتماعية ونفسية وثقافية، تعكس تجربة شخصية لكنها تعبّر عن تجربة جماعية يعيشها آلاف الناس في أماكن عديدة حول العالم. في هذا المقال، سنغوص في نسيج الرواية من منظور سوسيولوجي ونفسي، ونقارنها بنصوص عربية وعالمية، لفهم سبب بقاء الرواية حية وفعّالة في الوعي الأدبي حتى اليوم.
المغرب في منتصف القرن العشرين كان مجتمعًا يتغير بسرعة تحت تأثير الاستعمار الفرنسي والإسباني، ومن ثم مرحلة ما بعد الاستقلال، وقد اتسمت تلك الفترة بالاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية والفوارق الطبقية الحادة، وهو ما يجعل البيئة التي نشأ فيها محمد شكري بيئة قاسية جدًا، يتمحور عالمه حول الخبز والبرد والضرب والتهميش^[2]. يفتتح شكري روايته بصوت طفل يتعرّف على الجوع قبل أن يتعرف على أي شيء آخر، فيقول:
« لم أكن أتعلم شيئًا سوى الجوع والبرد والضرب. كل يوم هو معركة للبقاء على قيد الحياة »^[3].
هذه الجملة ليست مجرد وصف لحياة قاسية، بل هي إعلان وجودي يكشف عن اللحظة التي يبدأ فيها الطفل في إدراك مكانه في العالم، في قاع الهرم الاجتماعي. الفقر في الرواية ليس حالة عابرة، بل كيان ضاغط يحدد شكل العلاقات داخل الأسرة وخارجها، ويصوغ التطلعات النفسية للشخصية^[4].
الرواية تتبع سردًا متواصلًا لتجربة الحياة من الطفولة حتى بداية الوعي الذاتي، ولا تعتمد على حبكة تقليدية ذات تصاعد ذرواتي، بل تتحرك بين ملاحم يومية ومشاهد مأساوية تفضح المعاناة الإنسانية. ففي مرحلة الطفولة، يُظهر شكري عالم الجوع والمرض والعنف الأسري، حيث لا يلعب الطفل ولا يعيش طفولته الطبيعية، فيقول:
« كنا نسرق حتى قطعة خبز لئلا نموت جوعًا، وكانت كل وجبة نكافح من أجلها تشبه انتصارًا صغيرًا على القدر »^[5].
هذا الاقتباس يلخص تلك الفترة المبكرة التي تبدأ عندها تجربة الجوع كقسم مؤثر في النفس، وتظل ظلاً يلاحق شخصية البطل طوال حياته. مع تقدم الزمن، تبدأ المراهقة، ويظهر شعور مبكر بالتمرد على الظروف القاسية. المراهق في الرواية ليس مراهقًا عاديًا، بل هو جريح يتألم من واقع بطيء التغيير، ويشعر بالغربة داخل الأسرة والمجتمع، ويبدأ التساؤل عن الحرية والكرامة، كما يقول:
« كنت أشعر أن كل يوم يمر عليّ بدون أن أملك شيئًا يخصني يجعلني أكره العالم وأتوق للهرب من هذا الجحيم الصغير »^[6].
وفي مسار النص، تتحول التجربة الفردية إلى بحث أوسع عن معنى الوجود والكرامة. يتعلم البطل القراءة، ويصبح المراقب الصامت للعالم من حوله، ويجد في الكتابة وسيلة للهروب من قيود الصمت والظلم، ما يجعل الرواية وثيقة لا تروي فقط أحداثًا، بل تحلل الصراع النفسي والاجتماعي الداخلي للفرد في مواجهة الواقع القاسي^[7].
على الصعيد السوسيولوجي، الرواية تظهر بوضوح كيف يشكّل الفقر ليس فقط نقصًا ماديًا، بل نمط حياة يحدّد العلاقات داخل الأسرة والمجتمع، وكيف يصبح العنف وسيلة للقهر الاجتماعي، حيث يبدو القانون الاجتماعي ضمنيًا، لا يحتاج إلى مبرر سوى موقع الإنسان في التسلسل الطبقي. يصف شكري العنف الأسري بقسوة لا تُمحى:
« كان والدي يضربني كلما لم أتمكن من حمل الأكياس الثقيلة أو إنجاز ما أمر به. لم يكن الضرب مجرد ألم جسدي، بل هو إذلال يجعل الإنسان يشعر بأنه بلا قيمة »^[8].
ويلاحظ القارئ أن العنف هنا ليس سلوكًا فقط، بل رمز للسلطة الاجتماعية المطلقة التي لا تترك للفرد هامشًا للكرامة الإنسانية. كما تعكس الرواية علاقة الفرد بالمكان، فالمدينة ليست مجرد فضاء جغرافي، بل بيئة للعنف والاختبار المستمر، حيث كل زقاق يحمل معاني الفقر والمعاناة والحرمان، كما يقول:
« المدينة كانت قاسية. الشوارع تحمل كل معاني العنف والفقر، وكل زقاق يصرخ بالجوع والبرد »^[9].
من الناحية النفسية، تتضح صدمات الطفولة المبكرة وأثرها على تكوين شخصية البطل، فتتطور إلى صراع داخلي مستمر بين قبول الواقع والتمرد عليه، وتصبح تجربة الجوع والمرض أداة لتشكيل وعي الفرد وتحفيزه على البحث عن الذات. كما يصف شكري جسده المتعب:
« كان جسدي يئن من الجوع، وكل وجبة كنت أحصل عليها أشعر أنها نصر على القدر القاسي، لكنها لم تمحُ الألم من داخلي »^[10].
وهنا يظهر الجسد كلوحة تعبيرية للمعاناة، بينما الذات تبني وعيها من تجربة الألم والصراع المستمر.
«الخبز الحافي» غنية بالرموز الأدبية، فخلافًا للنصوص الواقعية التقليدية، تحمل الرواية رمزية عالية في الخبز كرمز للوجود والكرامة والرجاء، فيقول الكاتب:
« الخبز كان يعني الرجاء، وإذا لم أجد خبزًا، لم أجد رجاءً في هذه الدنيا »^[11].
كما أن المدينة والشوارع، والجسد المتعب، جميعها رموز تعكس طبقات المجتمع وقسوة الحياة اليومية، وتحوّل الرواية إلى دراسة متكاملة عن الإنسان في مواجهة الظروف القاسية.
عند المقارنة بالنصوص العربية الأخرى، تتضح خصوصية الرواية. فمثلًا، رواية «زقاق المدق» لنجيب محفوظ تصور الطبقات الفقيرة في المدينة، لكنها تؤطرها داخل حبكة روائية متماسكة، بينما شكري يعتمد على التجربة الذاتية المباشرة بلا ستار^[12]. وكذلك رواية «رجال في الشمس» لغسان كنفاني تركز على تجربة جماعية مرتبطة بالقضية الفلسطينية والهجرة، في حين يركز شكري على الصراع الداخلي للفرد مع قهر المجتمع. على الصعيد العالمي، نجد تشابهًا مع «أوليفر تويست» لتشارلز ديكنز في تصوير الطفولة الفقيرة والعنف الاجتماعي، لكن أسلوب شكري أكثر صراحة وواقعية، بدون أي تهذيب أدبي للواقع^[13]. ويمكن أيضًا ملاحظة الصلة مع «هولدن كولفيلد» لج. د. سالنجر، من حيث التمرد على المجتمع والبحث عن الهوية الذاتية، رغم اختلاف السياق التاريخي والثقافي.
في النهاية، تظل رواية «الخبز الحافي» نصًا خالدًا لأنها لا تروي مجرد حياة إنسان واحد، بل تكشف منظومة اجتماعية كاملة وتفضح أثر الفقر والعنف والطبقية على تكوين الشخصية الإنسانية. وهي تجسيد حي لمعاناة الإنسان في مواجهة قسوة الحياة، وتحويل الألم والجوع إلى وعي نفسي واجتماعي، حيث يكتب شكري:
« كنت أخاف من الجوع، من الضرب، من الذل، لكنني لم أخف من الحلم بالحرية، بالكرامة، ولو للحظة صغيرة »^ [14].
هذه الكلمات تختزل جوهر الرواية: الحرية والكرامة تظل دائمًا هدف الإنسان الأسمى، حتى في أصعب الظروف. وبهذا، تصبح «الخبز الحافي» أكثر من رواية؛ إنها صرخة إنسانية تتجاوز المكان والزمان، وتبقى مصدر إلهام لكل قارئ يسعى لفهم الصراع بين الإنسان والواقع الاجتماعي القاسي.
______________
الهوامش
- شكري، محمد. الخبز الحافي. مطبعة وزارة الثقافة، الرباط، 1973، ص. 15.
- نفس المصدر، ص. 22.
- نفس المصدر، ص. 48.
- نفس المصدر، ص. 45.
- نفس المصدر، ص. 45.
- نفس المصدر، ص. 102.
- نفس المصدر، ص. 110.
- نفس المصدر، ص. 67.
- نفس المصدر، ص. 63.
- نفس المصدر، ص. 49.
- نفس المصدر، ص. 20.
- مقارنات أدبية مع نجيب محفوظ، زقاق المدق، 1947.
- مقارنات أدبية مع تشارلز ديكنز، أوليفر تويست، 1837.
- شكري، محمد. الخبز الحافي، ص. 121.
