من العجز المتعلَّم إلى بناء الفاعلية التاريخية: قراءة نقدية في مشروع مصطفى حجازي ضمن أفق علم النفس الإيجابي
محمد السميري
مقدمة
مصطفى حجازي، في كتابه «إطلاق طاقات الحياة: قراءات في علم النفس الإيجابي» (دار التنوير، بيروت، 2012)، يقدم مشروعًا معرفيًا يسعى إلى الانتقال من تحليل ظاهرة العجز والهدر في الشخصية العربية إلى بناء أفق للاقتدار الإنساني داخل سياق علم النفس الإيجابي. ويهدف حجازي إلى تفكيك آثار القمع والتسلط والهدر الرمزي على النفس العربية، مع البحث في إمكانات استعادة الفاعلية والطاقة الكامنة للفرد، بما يسهم في تطوير وعيه وقدرته على المبادرة وتحمل المسؤولية.
ينطلق هذا البحث من مساءلة الأطروحة المركزية التي يدافع عنها حجازي، والمتمثلة في أن تجاوز العجز المتعلَّم يمرّ عبر تحرير الطاقات الكامنة في الفرد وتعزيز فاعليته الذاتية. ويقدم البحث قراءة نقدية مقارنة، حيث يقارن المشروع الحجازي مع تصورات فلسفية وسوسيولوجية لدى جان بول سارتر، وباولو فريري، وبيير بورديو، للكشف عن حدود المقاربة النفسية حين تنفصل عن تحليل البنية الاجتماعية وآليات إعادة إنتاجها، مع تقديم منظور تركيبي يدمج بين التحرر النفسي والتحول البنيوي.
______________
أولًا: العجز المتعلَّم بين التحليل النفسي والتعميم الحضاري
يعتمد حجازي على مفهوم العجز المتعلَّم الذي صاغه مارتن سيليغمان، والذي يفيد بأن التعرض المتكرر لخبرات قهر لا يمكن التحكم فيها يؤدي إلى استبطان الشعور بعدم الفاعلية، ومن ثم الانسحاب النفسي والتخلي عن المبادرة. غير أن حجازي لا يكتفي بتوظيف المفهوم في السياق الإكلينيكي، بل يوسعه ليصبح أداة لفهم ظاهرة أوسع تتعلق بالبنية النفسية للإنسان العربي في ظل تاريخ طويل من الاستبداد والهدر الاجتماعي.
وفق هذا التصور، لا يُختزل العجز في حالة فردية معزولة، بل يتحول إلى نمط ذهني وثقافي يتجسد في الاتكالية، وانتظار المنقذ، واستبطان الخوف، والاعتقاد بعدم جدوى الفعل. غير أن هذا التوسيع يثير سؤالاً منهجيًا: إلى أي مدى يمكن نقل مفهوم سيكولوجي تجريبي إلى مستوى التحليل الحضاري دون الوقوع في اختزال ثقافوي يعمم حالة نفسية على جماعة بأكملها؟
______________
ثانيًا: الحرية والمسؤولية بين الوجودية والتحليل النفسي
يتقاطع مشروع حجازي مع التصور الوجودي لدى جان بول سارتر في تأكيده على رفض التمركز في موقع الضحية، وعلى ضرورة تحمل المسؤولية عن الفعل. فالإنسان، في كلا التصورين، ليس كائنًا محكومًا حتميًا بشروطه، بل يمتلك إمكانية تجاوزها. غير أن الاختلاف يكمن في أن الحرية عند سارتر تُعد معطى أنطولوجيًا لا يُلغيه القهر، في حين يربطها حجازي بالقدرة النفسية والاجتماعية على الفعل.
بينما قد يغفل التصور السارتري ثقل البنية الاجتماعية، فإن حجازي، وإن اعترف بتأثيرها، لا يمنحها تحليلاً مؤسسيًا مفصلاً، بل يظل رهانه الأساسي متمركزًا حول تنمية الدافعية الداخلية وبناء الاقتدار الفردي. وهنا يظهر توتر ضمني بين الاعتراف بالشروط التاريخية وبين الرهان على المبادرة الذاتية.
______________
ثالثًا: الوعي النقدي والفعل الجماعي – مقارنة بباولو فريري
يُظهر تحليل باولو فريري في «تربية المقهورين» أن القهر لا يُنتج فقرًا ماديًا فحسب، بل وعيًا مشوهًا يستبطن خطاب القامع. غير أن التحرر، في منظوره، لا يتحقق عبر إصلاح نفسي فردي، بل عبر بناء وعي نقدي جماعي يتحول إلى فعل تاريخي منظم. فالتحرر عملية حوارية، تتشكل داخل الجماعة، وتتجه نحو تغيير البنية لا مجرد التكيف معها.
بالمقارنة، يبدو مشروع حجازي أكثر ميلًا للتمكين النفسي الفردي وأقل اشتغالًا على آليات التنظيم الاجتماعي والسياسي. فهو يؤكد على ضرورة توافر ظروف داعمة لانطلاق الطاقات الكامنة، لكنه لا يوضح بدقة كيف يمكن إنتاج هذه الظروف في سياقات تضيق فيها مساحات الفعل العام.
______________
رابعًا: إعادة الإنتاج الاجتماعي عند بورديو وحدود الوعي الفردي
من منظور بيير بورديو، لا تُعاد إنتاج علاقات الهيمنة فقط عبر القهر المباشر، بل عبر ما يسميه الهابيتوس، أي البنيات المتجسدة التي تشكل إدراك الأفراد وممارساتهم بشكل لا واعٍ. فالخضوع، في هذا الإطار، ليس قرارًا نفسيًا واعيًا، بل نتيجة ترسيب طويل لبنيات السلطة داخل الحقول الاجتماعية.
يبرز هذا التحليل أن تجاوز العجز لا يتحقق فقط عبر تغيير التمثلات الذاتية، إذ يمكن للبنية أن تعيد إنتاج نفسها من خلال المدرسة والإعلام والمؤسسات. ومن ثم فإن تحرير الوعي شرط ضروري لكنه غير كافٍ، ما لم يترافق مع إعادة صياغة قواعد الحقول الاجتماعية.
______________
خامسًا: نحو أفق تركيبي – جدلية الذات والبنية
يمكن اعتبار مشروع حجازي خطوة أساسية في تفكيك الاستبطان النفسي للقهر، لكنه يحتاج إلى استكمال في أفق جدلي يربط بين ثلاثة مستويات متداخلة:
- التحرر النفسي: كسر العجز المتعلَّم وتنمية الدافعية الجوانية.
- التنظيم الاجتماعي: بناء شبكات جماعية تتيح تراكم الفعل.
- التحول المؤسسي: تعديل القواعد المؤسسية التي تحدد الفعل الاجتماعي.
فمن دون تكامل هذه المستويات، يبقى التحرر النفسي معرضًا للانكسار أمام ثقل الواقع، كما يبقى التغيير السياسي هشًا إذا لم يستند إلى ذوات مقتدرة.
______________
خاتمة
يمثل كتاب مصطفى حجازي مساهمة نوعية في إعادة الاعتبار للفاعل الإنساني داخل السياق العربي المأزوم. فهو يؤسس لفهم نفسي عميق للعجز المتعلَّم، ويراهن على تحرير الطاقة الكامنة للفرد. ومع ذلك، تبقى حدود المشروع واضحة حين يُفصل الفرد عن البنية الاجتماعية والتاريخية. إن قيمة المشروع الحقيقية تكمن في إمكانية تطويره ضمن منظور تركيبي يدمج بين التحرر النفسي والفعل الجماعي والتحول المؤسسي، ليصبح التحول الفردي قاعدة لبناء مشروع تاريخي مستدام.
______________
المراجع
- مصطفى حجازي. (2012). إطلاق طاقات الحياة: قراءات في علم النفس الإيجابي. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع.
- جان بول سارتر. (1966). الوجود والعدم (ترجمة عبد الرحمن بدوي). بيروت: دار الآداب.
- باولو فرايري. (1980). تربية المقهورين (ترجمة جورج طرابيشي). بيروت: دار الطليعة.
- بيير بورديو. (2009). الهيمنة الذكورية. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
